الفصل 17 / 25

روحي تعشقك 193

لهيب الشوق وحلم المحال

بقلم فاطمة النجار

كانت الأمسية تتكئ بظلالها المخملية على مدينة القدس، وعلى قلب زينب، الشابة التي أبحرت في بحر من المشاعر المتلاطمة، أشرعة قلبها ترقص على أنغام الشوق، ووجهة بوصلتها الوحيدة كان ذلك الوجه الذي استحوذ على أفكارها، وجه سليمان. في غرفتها التي تفوح منها رائحة بخور عطر، والمزينة بنقوش عربية أصيلة، جلست زينب، تقلب صفحات المصحف، لكن آياته لم تستطع أن ترسي هدوءًا في عصف خيالها. كل حرف، كل كلمة، كانت تتلوى في ضوء ذكرى سليمان.

كانت قد مرت أيام منذ ذلك اللقاء العابر عند باب الحرم الإبراهيمي، أيامٌ حملت بين طياتها همساتٍ لم تُسمع، ونظراتٍ لم تُفصح. سليمان، الشاب الذي عرفته زينب منذ نعومة أظفارها، ابن عمها الذي لم تشعر قط بأنها تراه بعين النسب، بل بعينٍ أخرى، عينٍ بدأت تتفتح على معانٍ لم تكن تفهمها في صغرها. الآن، وقد بلغت ربيع الشباب، وباتت أحلام الزواج والأسرة تداعب مخيلتها، وجدت نفسها تنظر إليه بنظرةٍ مختلفة، نظرةٌ تحمل في طياتها إعجابًا، وشوقًا، وخوفًا.

خوفٌ من هذا الشعور الذي يتسلل إلى قلبها كشمس الشتاء الدافئة، تخشى أن يكون وهمًا، أو أن يكون طريقًا وعرًا لا يصل إلى مرسىً. عائلتها، وهي عائلةٌ محافظةٌ تتمسك بأصالة الدين والأخلاق، لطالما تحدثت عن الزواج المبني على المودة والرحمة، على التقوى والالتزام. وكانت زينب، ابنة أبيها، خير مثالٍ للفتاة التي نشأت في بيتٍ يقدر هذه القيم.

صوت أمها قطع عليها أفكارها: "يا زينب، هل أنتِ هنا؟ لقد أحضرت لكِ كوبًا من الشاي بالنعناع. تبدين شاردة الذهن".

دخلت الأم، امرأةٌ وقورةٌ، تحمل في عينيها حكمة السنين، وعلي وجهها هالةٌ من السكينة. وضعت الكوب أمام زينب، وجلست بجانبها. "ماذا يشغل بالك يا ابنتي؟ أرى أفكاركِ تحوم في السماء."

ابتسمت زينب ابتسامةً خفيفة، وقالت: "لا شيء يا أمي. مجرد أحلام اليقظة التي لا تفارق الفتيات في عمري."

تنهدت الأم، وقالت بحنان: "أحلام اليقظة هذه قد تكون حقيقيةً في يومٍ من الأيام. هل هناك شيءٌ تودين البوح به؟ أنا أذنٌ صاغيةٌ وقلبٌ مطمئن."

ترددت زينب للحظة. كان حديثها عن مشاعرها تجاه سليمان يبدو كخيانةٍ للصمت الذي فرضته على نفسها. ولكن نظرة أمها، تلك النظرة المليئة بالحب والقبول، فتحت لها بابًا. "يا أمي، أتعرفين أن سليمان... قد تغير في نظري مؤخرًا؟"

رفعت الأم حاجبيها باستغراب، وقالت: "تغير؟ كيف؟ سليمان ابن عمك، ونحن نعرفه منذ زمن. شابٌ طيبٌ، ونشأ على خير. هل حدث شيءٌ معين؟"

"ليس شيئًا معينًا بحد ذاته، يا أمي. ولكن... عندما أراه، أو عندما أسمع صوته، أشعر بشيءٍ غريب. أشعر... أنني أريده أن ينظر إليّ بطريقةٍ مختلفة." قالتها بصوتٍ منخفض، وكأنها تعترف بسرٍ عظيم.

ابتسمت الأم ابتسامةً واسعة، ملؤها الفرح، وقالت: "يا ابنتي، هذه علاماتٌ تدل على أن القلب قد اختار. والقلب، إذا اختار، فليكن اختياره في حدود ما يرضي الله ورسوله. سليمان شابٌ لا يختلف عليه اثنان، وربما... ربما حان الوقت لنتحدث في هذا الأمر جديًا."

توسعت عينا زينب، وامتلأ قلبها بمزيجٍ من الفرح والقلق. "أتتحدثين بجد؟"

"بالتأكيد يا زينب. ولكن يجب أن يكون كل شيءٍ على بصيرةٍ ووضوح. إذا كان هذا الشعور متبادلًا، وإن كان في حدود الحياء والاحترام، فعلينا أن نتأكد من ذلك. لا نريد أن نتسرع في بناء حلمٍ على أساسٍ واهٍ."

في تلك الليلة، لم تستطع زينب النوم. كانت تتخيل كل السيناريوهات الممكنة. هل سليمان يشعر بنفس الشيء؟ هل كان لقاؤهما عند الحرم مجرد صدفةٍ أم أنها كانت دعوةً خفيةً من القدر؟ كان عقلها يسبح في بحرٍ من الاحتمالات، وقلبها يتوق إلى ما ستكشفه الأيام.

وفي مكانٍ آخر من المدينة، في منزلٍ يعكس فخامةً وهدوءًا، كان سليمان يجلس في مكتبه، يقلب بين يديه صورةً قديمةً له ولزينب. كانت صورةً يعود تاريخها إلى أيام الطفولة، حين كانا يلعبان معًا في حديقة جدتهما. حينها، كانت زينب مجرد طفلةٍ صغيرة، بشعرها الطويل وعينيها اللامعتين. أما الآن، فقد أصبحت فتاةً، امرأةً، أصبحت... مصدر إلهامه.

كان سليمان قد عاد إلى القدس بعد سنواتٍ من الدراسة في الخارج. عاد يحمل شهاداتٍ علياً، وعاد يحمل معه إحساسًا عميقًا بالمسؤولية تجاه أهله ودينه. ولكنه عاد أيضًا يحمل معه شيئًا آخر، شيئًا جعله يرى زينب بمنظارٍ مختلف. رؤيةٌ بدأت تتشكل منذ سنوات، لكنها اكتملت في تلك الأمسية التي رآها فيها عند الحرم.

تذكر تلك اللحظة جيدًا. كان يتوضأ للصلاة، وفجأةً لمحها. كانت واقفةً، مرتديةً حجابًا فضفاضًا، ووجهها يفيض بالسكينة والوقار. رأى فيها جمال الروح قبل جمال الصورة، ورأى فيها التقوى التي يبحث عنها في شريكة حياته. شعر بنبضات قلبه تتسارع، وبشيءٍ يختلج في صدره. لقد كانت لحظةً أدرك فيها أنه لم يعد يراها مجرد ابنة عمه، بل رأى فيها ما كان يبحث عنه طويلاً.

لكنه، وكأي شابٍ مسلمٍ يخشى الله، لم يسمح لهذه المشاعر بأن تتجاوز حدود اللياقة. لقد كان يفضل أن ينتظر الوقت المناسب، أن يتأكد من أن هذه المشاعر نبيلةٌ وحقيقيةٌ، وأنها تتوافق مع ما يرضي الله. لذلك، لم يجرؤ على البوح بما في قلبه.

نظر سليمان إلى الصورة مرةً أخرى، وعلق عليها ابتسامةً غامضة. "زينب... كم أتمنى أن تكوني تعلمين ما يدور في هذا القلب."

ثم قام من كرسيه، وذهب إلى النافذة، وأطل على سماء القدس المرصعة بالنجوم. كانت نجومًا تذكرته بالوعد الإلهي، وعد الله للمؤمنين، وعده بالرزق والخير. كان يؤمن بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأنه إذا كانت زينب هي الخير له، فسوف ييسر الله أمره.

ولكن، كان هناك حاجزٌ غير مرئيٍ يفصل بينهما. حاجزٌ لم يكن مجرد المسافة الجغرافية، بل كان حاجزًا من التقاليد، ومن التردد، ومن الخوف من رفضٍ محتمل. كان يعلم أن عليه أن يتخذ الخطوة الأولى، ولكن كيف؟

كانت والدته، السيدة فاطمة، امرأةً حكيمةً، لطالما نصحته بأن يتزوج من فتاةٍ صالحةٍ، تعينه على دينه ودنياه. لطالما تحدثت عن زينب كفتاةٍ متميزة، ولكن لم يصل الأمر إلى الحديث عن زواجٍ رسمي.

وفي تلك الليلة، قرر سليمان أن يفتح قلبه لوالدته. قرر أن يبدأ الطريق، طريقٌ قد يكون شاقًا، ولكنه الطريق الذي يقوده إلى السعادة الحلال.

تذكر ما قاله له والده قبل سفره للدراسة: "يا بني، الحياة فرص، والفرص تتطلب شجاعةً للاقتناص. ولكن الشجاعة يجب أن تكون ممزوجةً بالحكمة، والطاعة، والتوكل على الله."

"التوكل على الله..." همس سليمان لنفسه، وأحس بنبضات قلبه تهدأ. كانت تلك الكلمات كبلسمٍ يداوي القلق، وكوعدٍ بالأمل.

كان الفصل السابع عشر قد اكتمل، وشعر القارئ بأن عاصفةً بدأت تتشكل في الأفق. زينب وسليمان، كلاهما على أعتاب مرحلةٍ جديدة، تتلاقى فيها مشاعرهما، ولكن يواجهان فيها تحدياتٍ لم تتضح معالمها بعد. ما هي الخطوة التالية؟ هل سيسير القدر في طريقهما أم سيشكل عائقًا؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%