روحي تعشقك 193
همس الأهل ووشوشات القدر
بقلم فاطمة النجار
بعد أيامٍ قليلةٍ من حديث زينب مع والدتها، استشعرت زينب في أجواء منزلهم تغيرًا طفيفًا، وكأن هناك همسًا خفيًا يدور حولها، يتسلل من غرفتها إلى مطبخهم، ومن مطبخهم إلى ديوانية الرجال. كانت والدتها تتحدث معها أكثر عن أمور الزواج، وعن أهمية اختيار الشريك الصالح، وعن صفات الزوجة المسلمة. لم تكن هذه الأحاديث غريبةً في سياقها، لكن زينب كانت تشعر بأنها تحمل معنىً أعمق، معنىً مرتبطًا بسليمان.
في أحد الأيام، بينما كانت زينب تساعد والدتها في إعداد طعام الغداء، قالت الأم: "يا ابنتي، أعتقد أن الوقت قد حان لنتحدث مع عمك، والد سليمان. يبدو أن الأمور تسير في اتجاهٍ جيد. وقلبي يخبرني أن سليمان ليس غريبًا عن هذه المشاعر."
ارتعش قلب زينب فرحًا، ولكنها أظهرت شيئًا من التردد. "يا أمي، ألسنا متسرعين قليلًا؟"
"التسرع في الخير لا يضر يا زينب. الأهم هو أن تكون النوايا صافيةً، وأن تكون الخطوات مدروسةً. عمك رجلٌ كريمٌ، وسليمان شابٌ فاضل. إذا كان القدر قد جمع قلبيكما، فليس هناك ما يمنع من أن تكون هذه الجمعة على سنة الله ورسوله. والزواج هو الطريق الشرعي الوحيد لتمتين العلاقات الإنسانية، وهو بناءٌ يقوم على المودة والرحمة."
عززت هذه الكلمات من شعور زينب بالأمل. كانت تدرك أن عائلتها تقدس هذه القيم، وأنها لن تقبل بأي شيءٍ قد يخل بها.
أما في منزل عم سليمان، فقد كانت والدة سليمان، السيدة فاطمة، قد بدأت في تمهيد الطريق. تحدثت مع زوجها، الشيخ أحمد، عن إعجاب سليمان بزينب، وعن رغبتها في أن تكون زينب عروس ابنهم. الشيخ أحمد، الرجل الصالح الوقور، استمع لابنته بعناية. لطالما أحب سليمان، ورأى فيه امتدادًا لعائلته وللقيم التي نشأ عليها.
قال الشيخ أحمد لزوجته: "أحمد الله على هذه الرغبة يا فاطمة. زينب فتاةٌ طيبةٌ، ونشأت في بيتٍ صالح. أعرفها منذ زمن، وهي على خلقٍ ودين. وسليمان، ما شاء الله، شابٌ يعتمد عليه. إذا كانت رغبة ابني صادقةً، وإذا كانت هذه هي إرادة الله، فليس لدي مانع."
"ولكن، كيف سنتقدم؟ هل نطلبها رسميًا؟" سألت فاطمة.
"ليس بعد. أعتقد أن الأفضل أن نجلس مع والدها، عم سليمان، ونتحدث معه بخصوص هذه المسألة. نرى رأيه، ونرى رأي عم سليمان، ثم نتخذ الخطوات اللازمة. التفاهم بين الأهل هو أساس كل زواجٍ مبارك."
كان الاجتماع بين العائلتين مقررًا في يوم الجمعة التالي، بعد صلاة العصر. اجتمع عم زينب، السيد حسن، ووالدتها، والسيدة فاطمة، ووالد سليمان، الشيخ أحمد، في منزل السيد حسن. كان الجو يحمل مزيجًا من الرهبة والترقب.
بدأ الشيخ أحمد الحديث، بصوته الهادئ والرزين: "بسم الله الرحمن الرحيم. يا أبا علي، ويا أم علي، نحن جئناكم اليوم بقلوبٍ مطمئنةٍ، وبنيةٍ خالصةٍ. سليمان، ابني، قد بلغ سن الزواج، وهو شابٌ يحمل في قلبه حبًا واحترامًا لابنتكم زينب. وقد تحدث إليّ وإلى والدته عن رغبته في التقدم لخطبتها."
رفع السيد حسن عينيه، وفي عينيه بريقٌ من السعادة، ولكنه كان حريصًا على إظهار الجدية. "الحمد لله. هذه أخبارٌ تسعدنا. زينب ابنتنا، ونحن نثق في تربيتها وحسن خلقها. نعرف سليمان، ونعرف أخلاقه. إنه شابٌ طيبٌ، ونتمنى له كل الخير. فإذا كانت رغبته صادقةً، فنحن لا نرى ما يمنع."
ابتسمت السيدة فاطمة، وقالت: "وبدورنا، نعلم أن زينب فتاةٌ متميزةٌ، على خلقٍ ودين. وهي نتاج تربيةٍ صالحة. سليمان يبحث عن شريكةٍ تعينه على دينه ودنياه، ووجد في زينب ما يبحث عنه."
تبادلت العائلتان نظراتٍ مليئةً بالرضا. كانت الخطوة الأولى قد تمت بنجاح. تم الاتفاق على أن يتقدم سليمان رسميًا لخطبة زينب في الأسبوع الذي يليه.
شعرت زينب بسعادةٍ غامرةٍ حين سمعت الخبر من والدتها. كانت قد علمت بأن شيئًا ما سيحدث، لكنها لم تتوقع أن يكون الأمر بهذه السرعة. شعرت بأن حلمًا بدأ يتجسد.
أما سليمان، فقد شعر بارتياحٍ كبيرٍ حين علم بموافقة عائلته. لطالما أحب زينب، لكنه كان يخشى أن تكون هذه المشاعر من طرفٍ واحد، أو أن تواجه رفضًا من عائلتها. الآن، وقد فتح الله له بابًا، أصبح مستعدًا لقطع الطريق.
في يوم الخطوبة، اختارت زينب ثوبًا بسيطًا وأنيقًا، بلونٍ سماويٍ يتماشى مع لون عينيها. وضعت قليلًا من الكحل، وزينت شعرها ببعض الزهور البيضاء. كانت تشعر بخجلٍ ممزوجٍ بالبراءة.
حين وصل سليمان إلى منزل السيد حسن، كان قلبه يخفق بسرعة. رأى زينب تقف بجانب والدتها، وكانت تبدو كالقمر. تبادل سليمان وزينب نظرةً خاطفة، نظرةً حملت بين طياتها الكثير من الكلمات غير المنطوقة.
تحدث والد زينب مع والد سليمان، وتم الاتفاق على التفاصيل الأولية للخطوبة. كان هناك اتفاقٌ على المهر، وعلى موعدٍ مبدئيٍ للعقد، وعلى تفاصيلٍ أخرى تهم العائلتين.
كانت تلك الأمسية بدايةً لفصلٍ جديدٍ في حياة زينب وسليمان. فصلٌ يجمع بين الشوق المقدس، وبين بناء أسرةٍ على أسسٍ إسلاميةٍ صحيحة. كان هناك الكثير من التحديات التي تنتظرهما، ولكن كان هناك أيضًا الكثير من الأمل، والكثير من الحب، والكثير من التوفيق من الله.
لكن، لم تكن كل الأمور ورديةً تمامًا. كانت هناك بعض الهمسات الخفية، بعض التساؤلات التي لم تُطرح بشكلٍ مباشر. كانت والدة سليمان، السيدة فاطمة، قد تلقت مكالمةً من إحدى قريباتها، تحدثت فيها عن شائعةٍ قديمةٍ تربط سليمان بفتاةٍ أخرى قبل سنوات. لم تكن الشائعة ذات أساسٍ قوي، لكنها أثارت قلق السيدة فاطمة قليلًا.
"يا شيخ أحمد،" قالت السيدة فاطمة لزوجها في تلك الليلة، "هل أنت متأكدٌ من أن سليمان لم يكن مرتبطًا بأحدٍ من قبل؟ لقد سمعت بعض الهمسات عن فتاةٍ من عائلةٍ أخرى."
"همساتٌ لا قيمة لها يا فاطمة،" أجاب الشيخ أحمد. "سليمان شابٌ حريصٌ على دينه، ولم يكن ليبدأ علاقةً تخالف الشرع. حتى لو كان قد أعجب بفتاةٍ ما في الماضي، فإن ذلك لا يعني شيئًا الآن. لقد أظهر لنا حسن نيته ورغبته الصادقة في زينب."
"أعلم ذلك يا شيخ أحمد، ولكن القلوب بيد الله. فقط أردت أن أتأكد."
لم يدرك سليمان أن هناك شيئًا يدور في خلد والدته. كان قلبه متعلقًا بزينب، وكان مستعدًا لبدء حياته الجديدة معها.
في نهاية الفصل، كان القارئ يشعر بأن العاصفة قد هدأت قليلًا، وأن نور الأمل قد بدأ يسطع. ولكن، كان هناك شعورٌ خفيٌ بأن هناك شيئًا ما ينتظر أن يكشف عن نفسه، شيئًا قد يعكر صفو هذه السعادة.