الفصل 19 / 25

روحي تعشقك 193

ريح الشك وأسرار الماضي

بقلم فاطمة النجار

تسللت نسماتٌ عليلةٌ من جهة البحر المتوسط، تحمل معها رائحة الملح وزهر الليمون، تعانق أركان منزل السيد حسن، حيث كانت زينب تستعد لرحلةٍ جديدةٍ في حياتها. لم تعد مجرد فتاةٍ تحلم، بل أصبحت مخطوبةً، وعلى أعتاب زواجٍ منتظر. كانت السعادة تملأ قلبها، ولكن معها بدأ يتسلل نوعٌ من القلق الخفي، قلقٌ لم تكن تفهم مصدره تمامًا.

كانت والدة سليمان، السيدة فاطمة، قد أبدت اهتمامًا كبيرًا بتفاصيل تجهيزات الزواج. حرصت على اختيار قماش الفستان، وعلى تنسيق الألوان، وعلى كل ما يتعلق بالزينة. ولكن، كانت زينب تلاحظ أحيانًا نظراتٍ غريبةً تطلقها السيدة فاطمة، نظراتٌ تحمل مزيجًا من التقدير والتساؤل.

في إحدى زياراتها لمنزل آل سليمان، بينما كانت والدة سليمان تساعد زينب في اختيار بعض الأكسسوارات، سألتها السيدة فاطمة، بنبرةٍ تبدو طبيعيةً ولكنها تحمل وراءها وزنًا: "زينب يا ابنتي، هل أنتِ سعيدةٌ حقًا بهذا الزواج؟ أقصد، هل قلبكِ مرتاحٌ تمامًا؟"

فوجئت زينب بالسؤال، وقالت بتلقائية: "بالتأكيد يا خالتي. لماذا تسألين؟"

ترددت السيدة فاطمة قليلًا، ثم قالت: "لا شيء يا ابنتي. فقط أردت أن أتأكد. سليمان شابٌ طيبٌ، ولكن... أحيانًا تكون هناك أمورٌ لم نعرفها عنه في الماضي. أمورٌ قد تؤثر على مستقبلكم."

توسعت عينا زينب، وقالت بقلق: "أمورٌ؟ ما هي الأمور يا خالتي؟"

"لا تقلقي يا زينب. ربما أنا أبالغ. فقط... لم تكن علاقة سليمان معنا في السنوات الأخيرة كالسابق. كان هناك نوعٌ من البعد، ولم يكن يتحدث كثيرًا عن حياته الشخصية. ربما كان لديه أسرارٌ لم يشاركها معنا."

شعرت زينب ببردٍ يسري في عروقها. أسرار؟ هل لدى سليمان أسرارٌ؟ لم يخطر ببالها أبدًا أن الشاب الذي أحبته، والذي بدأت تخطط لمستقبله معه، قد يخفي شيئًا.

في تلك الفترة، كان سليمان يزور منزل آل سليمان بشكلٍ متكرر، لكنه كان دائمًا ما يجد وقتًا خاصًا ليخلو فيه مع والده، الشيخ أحمد. في إحدى هذه المرات، قال الشيخ أحمد لابنه: "يا سليمان، أرى أنك تقضي وقتًا طويلاً مع زينب، وهذا أمرٌ يسعدني. ولكن، هل أخبرت زينب بكل شيءٍ يتعلق بماضيك؟"

نظر سليمان إلى والده باستغراب. "بكل شيء؟ ماذا تقصد يا أبي؟"

"أقصد، هل أخبرتها عن تلك الفترة التي قضيتها في الخارج؟ عن الصعوبات التي واجهتها؟ عن... تلك الفتاة التي تعرفت عليها؟"

تسمر سليمان في مكانه. كانت تلك الفتاة، سارة، اسمٌ حاول جاهدًا أن يمحوه من ذاكرته. لقد كانت فترةً صعبةً في حياته، فترةً شعر فيها بالضياع، وبعد أن تعرف على سارة، ظن أنه قد وجد ما يبحث عنه. ولكن، مع مرور الوقت، أدرك أنها لم تكن الشريكة المناسبة، وأن قلبه لم يطمئن إليها. كما أن قناعاته الدينية كانت تمنعه من التقدم في علاقةٍ غير شرعية. لقد انفصل عنها بهدوء، وعاد إلى وطنه، واستغفر الله من كل ما حدث.

"يا أبي،" قال سليمان بصوتٍ متأثر، "تلك الفترة كانت مجرد خطأ. لقد كنت صغيرًا، وضالًا. لقد تعلمت منه دروسًا قاسيةً. وسارة... لم تكن سوى ذكرى مؤلمة. لم أشاركها مع زينب لأنني لم أرد أن أجرح مشاعرها، أو أن أخلق فتنةً في حياتنا."

"ولكن يا بني،" قال الشيخ أحمد بحكمة، "الصدق هو أساس الزواج. إذا أخفت شيئًا عن زينب، فقد يكتشف ذلك في المستقبل، ويكون لذلك عواقب وخيمة. ثق بزينب، وثق بحبك لها. تحدث معها، وكن صريحًا. إخفاء الأسرار، حتى وإن كانت لأسبابٍ نبيلة، قد يكون بدايةً لانهيار الثقة."

هذه الكلمات تركت أثرًا عميقًا في نفس سليمان. كان يدرك أن والده على حق. لم يكن يريد أن تبدأ حياته مع زينب على أساسٍ من الكذب أو الإخفاء.

في المساء، قرر سليمان أن يتحدث مع زينب. اتصل بها، وطلب منها أن تلتقيا في حديقةٍ قريبةٍ من منزلها، في مكانٍ هادئٍ وبعيدٍ عن الأعين.

شعرت زينب بتوترٍ شديدٍ وهي في طريقها إلى اللقاء. لم تفهم لماذا طلب سليمان هذا اللقاء، ولماذا هذا المكان.

حين التقيا، كان سليمان يبدو شاحبًا. جلس الاثنان على مقعدٍ خشبيٍ تحت شجرةٍ وارفة الظلال.

"زينب،" بدأ سليمان، وصوته يحمل رجفةً خفيفة، "لدي شيءٌ أود أن أخبركِ به. شيءٌ يتعلق بماضيّ."

شعرت زينب بأن قلبها يتجمد. "ما هو يا سليمان؟"

"أتذكر الفترة التي قضيتها للدراسة في الخارج؟" سأل سليمان.

"نعم،" أجابت زينب بصوتٍ منخفض.

"خلال تلك الفترة، تعرفت على فتاةٍ تدعى سارة. لقد... لقد ارتبطت بها لفترة. ولكن، لم تكن علاقةً شرعيةً، ولم تكن علاقةً مبنيةً على أسسٍ صحيحة. لقد أدركت لاحقًا أنني كنت مخطئًا، وأن هذه العلاقة لا ترضي الله. لقد انفصلت عنها، واستغفرت الله، وحاولت أن أنسى كل شيء."

كانت زينب تستمع إليه، وعيناها تنظران إلى الأرض. لم تستطع أن تتحدث. كانت تشعر بمزيجٍ من الصدمة، والخيبة، والغضب. لم تتوقع أبدًا أن يكون لدى سليمان مثل هذا الماضي.

"زينب،" استمر سليمان، "لقد أخفيت عليكِ ذلك لأنني كنت أخشى أن تفقديني ثقتكِ. كنت أخشى أن تنظري إليّ نظرةً مختلفة. ولكن، والدي نصحني اليوم، وأدركت أن الصدق هو أساس كل شيء. أنا أحبكِ، وأريد أن نبدأ حياتنا على أساسٍ من الصدق والشفافية."

ساد الصمت للحظات. كانت زينب تحاول أن تستوعب ما تسمعه. كيف يمكن لهذا الشاب الذي رأته دائمًا في صورةٍ مثاليةٍ أن يكون لديه مثل هذا الماضي؟

"سليمان،" قالت زينب أخيرًا، وصوتها يكاد يكون همسًا، "أنا... لا أعرف ماذا أقول. لقد صدمتني."

"أنا آسف يا زينب. أعتذر عن كل الألم الذي قد أكون سببته لكِ."

"ليس الأمر مجرد ألم، سليمان. إنه يتعلق بالثقة. كيف أثق بكِ الآن؟"

"ثقي بي يا زينب. لقد تغيرت. لقد تعلمت من أخطائي. لقد أصبح قلبي معلقًا بكِ، وبمستقبلنا."

نظرت زينب إلى سليمان، ورأت في عينيه ندمًا صادقًا، ورجاءً. ولكن، كان هناك حاجزٌ قد نما بينهما. حاجزٌ لم يكن من صنع الظروف، بل من صنع ماضٍ كان يفضل أن يبقى طي الكتمان.

في تلك الليلة، عادت زينب إلى منزلها، وقلبها يعتصر ألمًا. لم تعد السعادة الغامرة هي المسيطرة. أصبح هناك شكٌ، ورياحٌ تقلب أوراق مشاعرها. هل يمكنها أن تتجاوز هذا؟ هل يمكنها أن تثق مرةً أخرى؟

في نهاية الفصل، كان القارئ يشعر بتصاعدٍ دراميٍ كبير. لقد تم الكشف عن سرٍ كبير، وأصبح مستقبل زينب وسليمان على المحك. هل ستتمكن زينب من تجاوز هذا الأمر؟ أم أن هذا السر سيكون بداية النهاية؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%