الفصل 2 / 25

روحي تعشقك 193

خيوطٌ من الماضي

بقلم فاطمة النجار

كانَ المساءُ قدْ ألقى بعباءتِه المخمليةِ فوقَ قريةِ "الأثير"، بينما كانتْ رائحةُ الطعامِ المنزليِّ تختلطُ برائحةِ الأرضِ النديةِ بعدَ ريِّ البساتين. في منزلِ جدتِها، حيثُ تعيشُ "ليلى" معَ أسرتِها الصغيرة، كانَ الدفءُ يملأُ الأرجاء. كانتْ الجدةُ "أمينة"، امرأةٌ تجاوزتْ السبعين، لا تزالُ تحتفظُ بقوتِها ووعيِها، تجلسُ على كرسيِّها الهزازِ بجوارِ المدفأةِ الصغيرة، وتُرتِّبُ خيوطَ الصوفِ لِتبدأَ حياكةَ وشاحٍ جديد.

"ليلى،" قالتِ الجدةُ بصوتٍ هادئٍ فيهِ حنانٌ عتيق، "لماذا تبدينَ شارِدةَ الذهنِ اليوم؟ هلْ ثمةَ ما يُقلقُكِ؟"

نهضتْ "ليلى" منْ مكانِها، وجلستْ على طرفِ كرسيِّ الجدة، وأخذتْ تفركُ يديها المتسختينِ ببعضِ الترابِ الذي علقَ بهما. "لا شيءَ يا جدتي، فقطْ.. اليومَ رأيتُ شيئاً غريباً في السوق."

"غريباً؟" سألتِ الجدةُ، ورفعتْ نظارتَها لتنظُرَ إلى حفيدتِها بشكلٍ أفضل. "ما هوَ هذا الشيءُ الغريب؟ هلْ كانَ شخصاً؟"

ترددتْ "ليلى" للحظة، ثمَّ قالتْ: "نعم، كانَ شاباً. لمْ أرَهُ منْ قبلُ في القرية. كانَ معه حصانٌ جامحٌ كادَ أنْ يتسببَ في كارثة."

"ومنْ كانَ هذا الشاب؟"

"قالَ إنَّ اسمَه "نور". كانَ مظهرهُ مختلفاً، وملابسهُ مختلفة. بدا وكأنهُ غريبٌ عن هذهِ الديار."

نظرتْ الجدةُ إلى الأمامِ، وعيناها الغائرتانِ بدتا وكأنهما تسترجعانِ ذكرى بعيدة. "نور... اسمٌ جميل. هلْ تحدثتِ إليهِ؟"

"نعم، لقدْ ساعدتُ في تهدئةِ الموقف، وتحدثنا قليلاً. كانَ لديهِ... شيءٌ ما في عينيه."

"وما هوَ هذا الشيء؟" سألتِ الجدةُ بفضولٍ خفيّ.

"لا أدري بالضبط. بدا وكأنهُ يحملُ الكثير. وكأنهُ يبحثُ عنْ شيءٍ ما."

صمتتِ الجدةُ للحظة، وهيَ تُمسكُ يدَ "ليلى" بلطف. "يا ابنتي، الحياةُ مليئةٌ بالغرباءِ، بعضُهم يأتي ببشاراتٍ خير، وبعضُهم يحملُ معه قصصاً قدْ لا نفهمُها. المهمُّ هوَ أنْ نبقى على مبادئِنا، وأنْ نحافظَ على نقاءِ قلوبِنا."

"أعلمُ يا جدتي."

"لكنَّ حديثَكِ عنهُ يُثيرُ فضولي. هلْ كانَ وسيماً؟" سألتِ الجدةُ بابتسامةٍ خفيفة، بدتْ وكأنها تُذكرُ أيامَ شبابِها.

ضحكتْ "ليلى" بخجل. "كانَ... مختلفاً، يا جدتي. لا أعرفُ كيفَ أصفُه."

"هذا هوَ الأجمل،" قالتِ الجدةُ وهيَ تُربِّتُ على خدِّها. "الجمالُ الحقيقيُّ ليسَ دائماً في الوجهِ المألوف. قدْ يكونُ في العمقِ، في ما لا نراهُ بسهولة."

في صباحِ اليومِ التالي، وبينما كانتْ "ليلى" تساعدُ والدتَها في تجهيزِ سلةِ الزهورِ لِتُزيِّنَ بها مسجداً صغيراً على مشارفِ القرية، سمعتْ صوتاً مألوفاً. كانتْ أصواتُ الرجالِ تتحدثُ بصوتٍ عالٍ في الساحةِ القريبة. اقتربتْ منَ النافذةِ لتَرى "نور" يقفُ وسطَ مجموعةٍ منَ رجالِ القرية، منهمكَ في نقاشٍ حادٍّ معَ كبيرِهم، "الشيخِ صالح"، رجلٌ ذو هيبةٍ ووقار.

لمْ تستطعْ فهمَ ما يدورُ حولَهُ الحديث، لكنَّ لغةَ جسدِ "نور" كانتْ توحي بالتوتر. كانَ يقفُ منتصباً، ذقنُه مرفوعةٌ قليلاً، وعيناهُ لا تفارقانِ "الشيخِ صالح". بدا وكأنهُ ليسَ في موطنِه، وكأنَّهُ في ساحةِ معركةٍ لا يمتلكُ فيها شيئاً سوى كلمتِه.

"ما هذا؟" سألتْ أمُّها "فاطمة"، وهيَ تأتي منَ الخلف. "منْ هذا الشابُّ الذي يُثيرُ ضجةً في الصباح؟"

"هذا هوَ "نور"، يا أمي، الشابُّ الذي رأيتُه أمس."

"ولماذا يبدو وكأنهُ يتشاجرُ معَ الشيخِ صالح؟" سألتِ الأمُّ بقلق.

"لا أدري. يبدو أنَّ لديهِ مشكلة."

في تلكَ اللحظة، خرجَ "نور" منْ بينِ الرجال، وعيناهُ تبحثانِ عنْ شيءٍ ما. ثمَّ التقتْ بعيني "ليلى" التي كانتْ تقفُ خلفَ النافذة. ارتسمتْ على وجهِه ابتسامةٌ باهتة، فيها شيءٌ منَ الاستغرابِ والراحةِ في آنٍ واحد. رفعَ يدَه في إشارةٍ خفيفةٍ بالسلام، ثمَّ استدارَ وابتعدَ بخطواتٍ سريعة.

"يبدو أنهُ ليسَ مرتاحاً هنا،" قالتِ الأمُّ وهيَ تُراقبُ انسحابَه. "لستُ أدري ما الذي جاءَ بهِ إلى "الأثير"."

"ربما سيعرفُ الناسُ يوماً ما." أجابتْ "ليلى" بصوتٍ خفيض، وعينيها تتابعانِ أثرَ "نور" وهوَ يختفي خلفَ المنعطف.

لمْ يكدْ يمضي يومانِ حتى انتشرَ الخبرُ في القرية: "نور" ليسَ مجردَ عابرٍ سبيل. لقدْ جاءَ إلى "الأثير" بطلبٍ غريبٍ ومُحيّر. كانَ يبحثُ عنْ قطعةِ أرضٍ قديمة، أرضٌ ورثها عنْ جدِّه، لكنَّها تقعُ ضمنَ حدودِ القريةِ التي يملكُ فيها "الشيخِ صالح" جزءاً كبيراً منَ الأراضي. بدا أنَّ هناكَ نزاعاً قديماً على حدودِ هذهِ الأرض.

اجتمعَ رجالُ القريةِ مرةً أخرى، وهذهِ المرةَ كانَ الاجتماعُ أكثرَ رسميةً في مجلسِ "الشيخِ صالح". دُعيتْ "ليلى" معَ جدتِها، فقدْ كانتْ جدتُها منْ كبارِ العائلاتِ القديمةِ في "الأثير"، ورأيُها يُقدَّر.

"يا شيخ صالح،" بدأَ "نور" حديثه، وصوتُه هادئٌ لكنَّه حازم، "هذهِ الأرضُ ملكٌ لأجدادي. الوثائقُ واضحة. والدي رحمةُ الله عليهِ، لمْ يتمكنْ منْ استعادتِها في حياتِه، لكنِّي جئتُ لأُكملَ ما بدأه."

نظرَ "الشيخِ صالح" إلى "نور" بعينينِ ثاقبتين. "يا بني، هذهِ الأرضُ كانتْ منذُ زمنٍ بعيدٍ ضمنَ أراضينا. الناسُ هنا تعتمدُ على هذهِ الأرض. لا يمكنُ أنْ نُعيدَ الأمورَ إلى الوراءِ بهذهِ السهولة."

"الأمورُ التي تستندُ إلى الحقِّ لا يمكنُ أنْ تُتركَ، يا شيخ. الورثةُ لهم حقٌّ، والوثائقُ لا تكذب."

"الزمانُ يغيرُ الأمور، يا شاب. وما كانَ بالأمسِ قدْ لا يكونُ اليوم."

"لكنَّ الحقَّ لا يتغيرُ بالزمان."

كانَ الجوُّ مشحوناً. بدتْ "ليلى" تراقبُ "نور" بدهشة. لمْ ترَ قطُّ شاباً بهذا القدرِ منَ الثقةِ والجرأةِ في مواجهةِ رجلٍ بمكانةِ "الشيخِ صالح". كانَ يدافعُ عنْ حقِّه، لكنَّهُ لمْ يتجاوزْ حدودَ الاحترام.

"ماذا تريدُ بالضبط؟" سألَ "الشيخِ صالح"، وكانَ صوتهُ أكثرَ هدوءاً.

"أريدُ أرضي، يا شيخ. وأنا مستعدٌّ للتوصلِ إلى حلٍّ يُرضي الجميع، إذا كانتْ هناكَ فرصةٌ لذلك. لكنْ لا تتوقعْ مني أنْ أتخلى عنْ ميراثي."

تنهدَّتِ الجدةُ "أمينة" بصوتٍ مسموع. "يا شيخ صالح، ويا بني "نور"، نحنُ هنا في "الأثير" نُقدِّرُ الجيرةَ والصلح. دعونا نُناقشُ الأمرَ بهدوءٍ وروية. قدْ يكونُ هناكَ حلٌّ وسطٌ."

نظرَ "نور" إلى الجدةِ "أمينة" بامتنان. "أشكرُكِ، يا سيدة. أنا أبحثُ عنْ العدلِ، وليسَ عنْ المشاكل."

"والعدلُ قدْ يأتي بطرقٍ مختلفة،" قالتِ الجدةُ بذكاء. "الأهمُّ هوَ أنْ لا نُفسدَ الألفةَ والجيرةَ منْ أجلِ قطعةِ أرض."

لمْ يُحسمْ الأمرُ في ذلكَ اليوم. غادرَ "نور" مجلسَ "الشيخِ صالح" وهوَ يحملُ في عينيهِ خليطاً منَ الإصرارِ والأمل. بدتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ هذهِ القصةَ الغريبةَ عنْ الأرضِ الموروثةِ ليستْ سوى قشرةٍ خارجيةٍ لِشيءٍ أعمق. شيءٌ يتعلقُ بـ "نور" نفسه، وما يحملهُ منْ ماضٍ، ومنْ أسرار.

في تلكَ الليلة، لمْ تستطعْ "ليلى" النومَ بسهولة. كانتْ صورةُ "نور" تتكررُ في مخيلتِها. قوةُ شخصيتِه، جرأتُه، حتى الغموضُ الذي يحيطُ به. شعرتْ بأنَّ دخولَ هذا الشابِّ إلى حياتِها، حتى ولو كانَ عابراً، قدْ أحدثَ هزةً خفيةً في روتينِها الهادئ. كانتْ تعرفُ أنَّ هذهِ القصةَ لمْ تنتهِ بعد، وأنَّ خيوطَ الماضي التي ربطتْ "نور" بـ "الأثير" بدأتْ تتكشفُ ببطء، حاملةً معها المزيدَ منَ التساؤلات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%