الفصل 3 / 25

روحي تعشقك 193

لغةُ العيونِ الصامتة

بقلم فاطمة النجار

في غدٍ مشرقٍ، كسرتْ أشعةُ الشمسِ الذهبيةُ غلالةَ السحبِ الخفيفة، فأنارتْ بساطَ "الأثير" الأخضر. بعدَ أحداثِ اليومِ السابق، لمْ يكنْ منَ الغريبِ أنْ تتوجهَ "ليلى" إلى بستانِ جدتِها، فهو المكانُ الذي تلجأُ إليهِ كلما احتاجتْ إلى صفاءِ الذهنِ والهدوء. كانتْ قدْ حملتْ معها سلةً مليئةً بالوردِ البلديِّ الأحمرِ القاني، لِتُزيِّنَ بها زوايا البيتِ، ولِتُنعشَ عبيرَ المكان.

بينما كانتْ تُنسِّقُ الورودَ في إناءٍ فخاريٍّ قديم، سمعتْ صوتاً خافتاً، يشبهُ حفيفَ الأجنحةِ في الهواء. رفعتْ رأسَها فوجدتْ "نور" يقفُ على حافةِ البستان، يتأملُ شجرةَ زيتونٍ معمرةٍ في هدوء. لمْ يكنْ يرتدي ثيابهُ الأنيقةَ تلكَ المرة، بلْ ملابسَ بسيطةً أقربَ إلى ملابسَ العمل، لكنَّ هالتَه ما زالتْ تُحيطُ به.

تجمدتْ "ليلى" للحظة. لمْ تتوقعْ أنْ تلتقي بهِ هنا، في هذا المكانِ الخاص. شعرتْ بحرارةٍ تتسللُ إلى وجنتيها، لكنَّها لمْ تفرِّقْ عينيها عنه. بدا وكأنهُ يشعرُ بوجودِها، فاستدارَ ببطء.

"صباحُ الخير، آنسة ليلى،" قالَ بصوتٍ هادئٍ بدا وكأنهُ يحملُ بعضَ الارتياح. "لمْ أكنْ أتوقعُ رؤيتَكِ في هذا المكانِ الهادئ."

"صباحُ النور، سيد نور،" أجابتْ "ليلى" بصوتٍ حاولَتْ أنْ تجعلَه ثابتاً. "هذا بستانُ جدتي. إنهُ مكاني المفضلُ للتأمل."

"إنهُ جميلٌ حقاً،" قالَ وهوَ يُشيرُ إلى شجرةِ الزيتون. "هذهِ الشجرةُ تحملُ في جذوعِها الكثيرَ منَ القصص. أرى في وجهِها حكمةَ السنين."

"بالفعل،" وافقتْ "ليلى". "هذهِ الشجرةُ شاهدةٌ على أجيالٍ كثيرةٍ منَ العائلاتِ التي سكنتْ هذهِ الأرض."

اقتربَ "نور" بخطواتٍ هادئة، وهوَ لا يزالُ يتأملُ تفاصيلَ المكان. "أتساءلُ كمْ منَ الأسرارِ دفنتْها هذهِ الأرضُ بينَ أغصانِها؟"

"الكثير،" أجابتْ "ليلى" وهيَ تضعُ آخرَ وردةٍ في الإناء. "ولكلِّ شجرةٍ، ولكلِّ حجرٍ، قصةٌ خاصةٌ به."

توقفتْ بينهما لحظةٌ صمتٍ طويلة، لمْ تكنْ صمتاً ثقيلاً، بلْ صمتاً مليئاً بالكلماتِ غيرِ المنطوقة. كانتْ عينا "نور" تترقبانِ وجهَ "ليلى"، وكأنهُ يقرأُ فيها شيئاً يبحثُ عنه. شعرتْ "ليلى" بنظراتِه كأنها تلامسُ روحَها، تتغلغلُ في أعماقِها.

"أشعرُ أنَّ لكِ ارتباطاً قوياً بهذهِ الأرض،" قالَ "نور" أخيراً. "أرى فيكِ روحَ "الأثير" الحقيقية."

"هذهِ أرضي، وهذهِ هيَ الأثير. كيفَ لا أرتبطُ بها؟"

"لكنَّ البعضَ يخرجُ منْ أرضِه، ويبحثُ عنْ عوالمَ أخرى."

"وهلْ وجدتَ عالمكَ الآخر، سيد نور؟" سألتْ "ليلى" بفضولٍ خفي، دونَ أنْ تُدركَ أنها تتجاوزُ الحدود.

تغيرتْ ملامحُ "نور" للحظة. بدا وكأنَّ سؤالَها قدْ لامسَ وتراً حساساً. "البحثُ مستمرٌ دائماً. لكنَّ الأرضَ التي نبتتْ فيها الجذورُ الأولى، تبقى دائماً في القلب."

"وهلْ تبحثُ عنْ أرضِ أجدادِك؟" سألتْ "ليلى"، مُستحضرةً ما سمعتْه عنْ نزاعِ الأرض.

هزَّ "نور" رأسَه. "نعم. إنها ليستْ مجردَ أرض، إنها جزءٌ منْ تاريخِ عائلتي، منْ هويتي. أردتُ أنْ أُعيدَها، لأُعيدَ جزءاً منّي."

"أتفهمُ ذلك."

"لكنَّني لمْ أتوقعْ أنْ أجدَ مقاومةً بهذا الشكل،" قالَ بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ الحسرة. "لمْ أتوقعْ أنْ أجدَ صعوبةً في استعادةِ ما هوَ حقي."

"أهلُ "الأثير" طيبونَ،" قالتْ "ليلى" بلطف. "ربما يحتاجونَ فقطْ إلى وقتٍ لفهمِ الأمر. الشيخُ صالحُ رجلٌ يحترمُ التقاليدَ، وقدْ يخشى التغيير."

"التقاليدُ لا يجبُ أنْ تكونَ سداً أمامَ الحقِّ."

"أتفقُ معك."

ابتسمَ "نور" ابتسامةً أعمقَ هذهِ المرة، بدتْ وكأنها تعكسُ فهماً متبادلاً. "أشعرُ أنَّكِ الوحيدةُ التي تفهمينَ ما أمرُّ بهِ، يا آنسة ليلى."

"أنا فقطْ أحاولُ فهمَ الأمورِ منْ منظورِ الحقِّ والعدل."

"وهذا بحدِّ ذاتِه نادرٌ."

كانتْ لديهِ نظرةٌ في عينيهِ جعلتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ هناكَ ما هوَ أبعدُ منَ الأرضِ والنزاع. شعرتْ بأنَّ "نور" يحملُ عبئاً أكبر، وأنَّ بحثَه عنْ أرضِ أجدادِه هوَ جزءٌ منْ بحثٍ أعمقَ عنْ جذورِه، عنْ هويتِه، وربما عنْ مكانٍ ينتمي إليهِ حقاً.

"هلْ جئتَ إلى "الأثير" بمفردِك؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ خفيض، مدفوعةً بفضولٍ لمْ تستطعْ كبتَه.

ترددَ "نور" للحظة. "جئتُ معَ بعضِ الرفاقِ في رحلتي، لكنَّني هنا وحدي في هذهِ المهمة."

"وهلْ تجدُ في "الأثير" ما تبحثُ عنه؟"

"لا أدري بعد. ربما."

كانتْ الإجابةُ غامضةً، لكنَّ نظرةَ عينيهِ جعلتْ "ليلى" تشعرُ بشيءٍ منَ الترقب. شعرتْ بأنَّ "نور" ليسَ مجردَ زائرٍ عابر، بلْ شخصٌ يحملُ قدراً، وأنَّ لقاءَهم في هذا البستانِ لمْ يكنْ مصادفة.

"أتمنى أنْ تجدَ ما تبحثُ عنه،" قالتْ "ليلى" بصدق. "وأنْ تجدَ السلامَ هنا."

"شكراً لكِ. كلامُكِ يُريحُ القلب."

في تلكَ اللحظة، سمعتْ "ليلى" صوتَ جدتِها يناديها منْ بعيد. "ليلى، يا ابنتي، أينَ أنتِ؟"

"أنا هنا يا جدتي!" أجابتْ "ليلى" ثمَّ التفتتْ إلى "نور". "عليَّ الذهابُ الآن."

"شكراً على هذهِ اللحظاتِ الهادئة،" قالَ "نور". "أتمنى أنْ نلتقي مرةً أخرى."

"ربما،" أجابتْ "ليلى" بابتسامةٍ خفيفة، وهيَ تستديرُ لتُقابلَ جدتَها.

شاهدتْ "ليلى" "نور" يبتعدُ بخطواتٍ ثابتة، وقدْ عادَ لِيتلاشى في غبارِ القرية. لمْ يعدْ مجردَ غريبٍ مرَّ بها، بلْ أصبحَ جزءاً منْ قصةٍ بدأتْ تتشكلُ في ذهنِها. شعرتْ بأنَّ لغةَ العيونِ التي تبادلاها في هذا البستانِ الصغير، تحملُ الكثيرَ منَ المعاني، وأنَّ هذهِ اللقاءاتِ الصامتةَ قدْ تكونُ بدايةَ شيءٍ أكبر، شيءٍ لمْ تتنبأْ بهِ قط.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%