الفصل 4 / 25

روحي تعشقك 193

أغلال النفس

بقلم فاطمة النجار

كانت رائحة الياسمين تفوح من شرفة منزل جدته، تلك الرائحة التي كانت تبعث في نفسه الأمان والطمأنينة في صغره، لكنها اليوم تزيد الطين بلة. جلس خالد على مقعد خشبي قديم، يديه متشبثتان بخصلات شعره، وعيناه زائغتان في الفراغ. لم يكن الفراغ الذي يراه أمامه فارغًا حقًا، بل كان ممتلئًا بصور، بكلمات، بأصوات. صور لـ "ليلى"، صور ابتسامتها، صوت ضحكتها الذي كان يتردد صداه في روحه، وكلماتها الرقيقة التي كانت تذيب جليد أي عناء.

لم يكن الأمر سهلاً. كان يعلم أن ما يشعر به تجاه ليلى تجاوز حدود الإعجاب البريء، تلك الحدود التي وضعها الشرع والاحترام. كان يخاف من نفسه، يخاف من ضعفه أمامها. كانت ليلى، ابنة شيخ المسجد، رمزًا للعفة والحياء. كيف يمكن لقلبه، الذي اعتراه الشك والفتور في أحيان كثيرة، أن يتعلق بفتاة بهذا النقاء؟

تسلل إليه شعور بالذنب، شعور قديم ولكنه أشد وطأة هذه المرة. لقد وعد نفسه مرارًا بأن يتغير، أن يعود إلى الطريق القويم. والده، الذي كان مثالاً للأخلاق والإيمان، ترك فيه أثرًا عميقًا، ولكنه ظل يسير في دروب مظلمة، يغويه بريق الحياة الزائف. كان يعلم أن هذا الطريق لن يجلب له سوى الشقاء.

"خالد! ما زلت هنا؟" صوت جدته الحنون جاء كبلسم على جرح نازف.

استقام خالد، متظاهرًا بالهدوء. "نعم يا جدتي. كنت أستمتع بالهواء العليل."

اقتربت منه، وعيناها الثاقبتان كأنها تقرأ ما يدور في خلده. "قلبي يا بني، أشعر أن ثقلًا يسكنه. هل هناك ما يؤرقك؟"

تردد خالد. لم يكن يرغب في أن يحمل جدته همومًا فوق همومها. ولكنها كانت الأقرب إليه، والملاذ الآمن بعد رحيل والده. "لا شيء يا جدتي، مجرد بعض أفكار تراودني."

"الأفكار يا بني، هي مفاتيح إما إلى الجنة أو إلى النار. فاحذر أيها القلب." وضعت يدها بحنان على كتفه. "والدك كان يخشى عليك دائمًا من رفقة السوء. هل لا زلت على اتصال بمن تعرف؟"

تألم خالد. كانت رفقة السوء هي التي جرته إلى عالم الرذائل، عالم من العادات السيئة التي تغلغلت في حياته كسم بطيء. لم يستطع أن ينكر. "بعض الأصدقاء القدامى يا جدتي."

تنهدت جدته. "النفس يا ولدي، كالحقل. إن زرعته طيبًا، حصدت ثمارًا شهية. وإن زرعته شوكًا، فسيؤلمك الحصاد."

كانت كلمات جدته كالصدى لأفكاره الداخلية. لقد أدرك أخيرًا أن ما يعانيه ليس مجرد إعجاب، بل هو شيء أعمق، شيء يهدد استقراره الروحي وسلامه الداخلي. لقد كان يصارع شهواته، يصارع عاداته القديمة، وفي خضم هذه المعركة، وجد نفسه ينجذب نحو ليلى، تلك الفتاة التي تمثل كل ما هو نقي وطاهر.

في تلك الليلة، لم يغمض له جفن. كان الصراع يدور رحاه في صدره. كان يعلم أن حياته الحالية، التي يتخللها تعاطي بعض المنبهات لتمضية الليالي الطوال في أعمال لا ترضي الله، هي حياة لا يمكن أن تستمر. كان يشعر بأن روحه تبتعد عنه شيئًا فشيئًا، وأن الظلام يتسلل إلى قلبه.

كان يفكر في جدته، في وجهها الصادق، في دعواتها الصادقة له. وكان يفكر في ليلى، في نقاء عينيها، في حديثها الذي كان يبعث في نفسه الطمأنينة. هل يستحق فتاة كهذه؟ هل يمكن لشخص مثله، مثقل بالذنوب والضعف، أن يقترب من ملاك؟

في لحظة يأس، فتح هاتفه، ورغم علمه بالنتيجة، بحث عن رقم ليلى. لم يكن ينوي الاتصال بها، فقط يريد أن يرى اسمها، أن يستشعر وجودها. ولكنه وجد نفسه يضغط على زر الاتصال.

"مرحباً؟" جاء صوتها هادئًا، ملؤه اللطف.

حبس خالد أنفاسه. لم يكن يعرف ماذا سيقول. "ليلى؟"

"خالد؟" بدا عليها بعض الاستغراب. "هل كل شيء على ما يرام؟"

"نعم، نعم، الحمد لله." قال بصوت مختنق. "أردت فقط... أردت فقط أن أتأكد أنك بخير."

ضحكت ليلى بخفة، ضحكة لم تسمعها أذناه إلا في أحلامه. "الحمد لله، أنا بخير. وأنت، كيف حالك؟"

"أنا... أنا لست بخير يا ليلى." اعترف دون تفكير.

ساد صمت قصير، ثم سألته بصوت هادئ ومليء بالاهتمام: "ماذا بك خالد؟"

هذه الكلمات، هذا الاهتمام الصادق، كانا كالسحر. لم يجد خالد كلمات تعبر عن شعوره. "أشعر بالضياع يا ليلى. أشعر أنني أسير في طريق مظلم، ولا أرى نهاية له."

"الطريق المظلم يا خالد، لا ينتهي إلا إذا اخترت أن ترى النور. والنور موجود دائمًا، لمن أراد أن يبحث عنه." قالت بهدوء. "وإن كنت تشعر بالضعف، فلا بأس. كلنا نمر بلحظات ضعف. المهم أن نسعى دائمًا للأفضل."

كلماتها لم تكن مجرد مواساة، بل كانت شرارة أمل. أدرك خالد أن ضعفه ليس حتمية، وأن السعي للأفضل هو خيار. لكن هذا الخيار يتطلب منه التخلي عن كل ما كان يتمسك به، عن كل ما كان يدمر حياته. لقد كانت هذه المكالمة بداية لمواجهة حقيقية مع نفسه، مع أغلال نفسه.

أغلق الخط، وشعر ببعض الراحة. كان يعلم أن الطريق لا يزال طويلاً وشاقًا، ولكنه شعر للمرة الأولى بشيء من القوة الداخلية. قوة مستمدة من كلمة طيبة، من اهتمام صادق، ومن إيمان بأن التغيير ممكن. ولكن ما هي الثمن؟ وما هي العقبات التي تنتظره في هذا الطريق الجديد؟ لم يكن يدري، ولكنه كان مستعدًا للمواجهة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%