روحي تعشقك 193
سِدرة المنتهى
بقلم فاطمة النجار
كانت ليلى تتأمل السماء من نافذة غرفتها، وقد تسرب نور القمر الباهت ليضيء وجهها بنعومة. لم يكن نومها هانئًا منذ أن تحدثت إلى خالد. كانت كلماته تحمل ألمًا دفينًا، وصراعًا خفيًا. كانت تراه شابًا طيب القلب، ذكيًا، يتمتع بمخيلة واسعة، ولكنها كانت تشعر بأن هناك شيئًا يثقله، شيئًا يعذبه.
تذكرت والده، الشيخ أحمد، الرجل الصالح الذي كان يتحدث دائمًا عن تربية أبنائه على منهج سليم. هل كان خالد بعيدًا عن هذا المنهج؟ كانت تتمنى له الخير، تتمنى له الهداية. لطالما آمنت بأن قلوب الشباب تحمل دائمًا بذور الخير، وإن غطاها غبار الدنيا.
في الأيام التالية، كان خالد يراجع نفسه بشدة. قرر أن يتجنب الأماكن التي اعتاد ارتيادها مع أصدقائه القدامى، تلك الأماكن التي كانت تقوده إلى الهاوية. بدأ يقضي وقتًا أطول في مسجد جده، يستمع إلى دروسه، ويقرأ القرآن. كان يشعر بنوع من الثقل يتزحزح من صدره، ولكن القلق كان يساوره. هل سيكتفي هذا التغيير المؤقت؟ هل ستقوى عزيمته أمام إغراءات الماضي؟
وفي أحد الأيام، وبينما كان خالد عائدًا من المسجد، لمح وجهًا مألوفًا يقف بالقرب من دكان قديم. كان "بدر"، أحد أصدقائه القدامى، والذي كان له دور كبير في إغوائه. شعر خالد بوخزة من الخوف، ولكن في نفس الوقت، شعر بشيء من الغضب تجاه نفسه، غضب لأنه سمح لهؤلاء الأشخاص بالتحكم في حياته.
اقترب منه بدر بابتسامة ماكرة. "أهلاً خالد! لم أرك منذ زمن. أين كنت تختفي؟ هل وجدت شيئًا أفضل منا؟"
كانت كلمات بدر تحمل سخرية مبطنة، ومحاولة لاستدراج خالد إلى عالمه القديم. تردد خالد للحظة، ثم استجمع قواه. "كنت مشغولاً يا بدر، بالبحث عن طريق أفضل بالفعل."
ضحك بدر بصوت عالٍ، ولف ذراعه حول كتف خالد. "طريق أفضل؟ ما هو الطريق الأفضل في نظرك يا صديقي؟ تعال، سنذهب لبعض الوقت، سنتحدث، سنستعيد ذكريات أيام الشباب."
شعر خالد ببرودة تسري في جسده. كان يرى في عيني بدر ذلك البريق المعتاد، بريق الشهوات والضياع. "لا يا بدر، لا يمكنني. لدي التزامات."
"التزامات؟ وما هي التزاماتك؟ ألا ترى أن الحياة قصيرة؟ استمتع بها يا خالد قبل فوات الأوان." حاول بدر إقناعه، وكان صوته يزداد إلحاحًا. "هناك حفلة اليوم، ستكون ممتعة حقًا. ستنسى فيها كل همومك."
هموم خالد لم تكن شيئًا يمكن نسيانه بحفلة، بل كانت شيئًا يحتاج إلى مواجهة. "شكرًا لك يا بدر، ولكنني أصبحت أرى الهموم كمنبه، لا شيء ينسيها سوى حلها."
بدأت ملامح بدر تتغير. رأى خالد في عينيه خيبة الأمل، ثم الغضب. "إذًا، هل أصبحت من المتدينين الآن؟ هل تركتنا وتركت نفسك؟"
"لم أترك نفسي يا بدر، بل وجدتها." قال خالد بثبات. "وأنا لا أريد أن أرى نفسي تضيع مرة أخرى."
"هذا كلام أحمق! لا تدع هذه الفتاة، ليلى، تغير عقلك. إنها تريد أن تحولك إلى شخص ممل، لا يعرف معنى الحياة." قال بدر بحدة.
استفزت كلمة "أحمق" خالد. "ليلى، لم تغير عقلي، بل فتحت بصري. إن كانت هذه هي الحياة التي تعرفها، فليكن، أما أنا فقد اخترت حياة أخرى."
انسحب بدر غاضبًا، تاركًا خالد واقفًا في مكانه، يتنفس بصعوبة. لقد كانت هذه المواجهة أصعب مما توقع. لقد أدرك أن أصدقاءه القدامى لن يتركوه بسهولة، وأنهم سيحاولون جاهدين إعادته إلى عالمه القديم.
في تلك الليلة، لم يكن الخوف هو المسيطر عليه، بل كان الإصرار. لقد رأى بنفسه مدى عمق أثر رفاق السوء، وكيف أنهم يحاولون إفساد أي محاولة للتغيير. لقد أدرك أن علاقته بليلى، التي بدأت تبدو كمنارة أمل، قد تكون سببًا في تحريض أصدقائه عليه.
كانت جدته، عندما رأته شاحبًا، قد أدركت أن هناك ما يزعجه. "هل حدث شيء يا بني؟" سألته.
حكى لها خالد عن لقائه ببدر، وعن محاولته لإغوائه. استمعت جدته بانتباه، ثم قالت: "يا بني، عندما تخرج من الظلام إلى النور، فإن أهل الظلام يحاولون منعك. ولكن نور الله أقوى من كل الظلمات. تمسك بالله، واستعن به، وستجد العون."
كانت كلماتها كالغيث على أرض عطشى. لقد شعر خالد بأن صراعه لم يعد صراعًا فرديًا، بل أصبح صراعًا مع نفسه، ومع كل ما كان يمثل تهديدًا لحياته الروحية. ولم تعد ليلى مجرد فتاة يعجب بها، بل أصبحت رمزًا للطريق الذي يسعى إليه، طريق الخير والنقاء.
ولكن هل ستكون هذه المعركة سهلة؟ هل سيتمكن من التغلب على أغلال ماضيه؟ وهل ستظل ليلى في حياته، أم أن هذا الصراع سيؤدي إلى ابتعاده عنها، كما كان يخاف في البداية؟ كانت هذه الأسئلة تتردد في ذهنه، تثير قلقًا مشروعًا، ولكنها في الوقت نفسه، كانت تدفعه للمضي قدمًا.