روحي تعشقك 193
عواصف القلب
بقلم فاطمة النجار
كان يوم الجمعة، والمسجد يعج بالمصلين. كان خالد يقف في الصفوف الأمامية، يستمع بخشوع إلى خطبة الجمعة التي ألقاها والده. كان يرى في خطب والده دائمًا قوة وحكمة، ولكن اليوم، كانت الكلمات تمس شغاف قلبه بطريقة لم يعهدها من قبل. كان الشيخ أحمد يتحدث عن فتنة الدنيا، عن وساوس الشيطان، وعن أهمية التمسك بحبل الله المتين.
"يا عباد الله، إن الدنيا دار ابتلاء، وليست دار قرار. وإن الشهوات، إن لم تُضبط بزمام الشرع، فقد تقودنا إلى الهاوية. الشيطان يتربص بنا، يزين لنا الباطل، ويغرينا بالشهوات، حتى نبتعد عن الطريق المستقيم. ولكن الله غفور رحيم، باب التوبة مفتوح، ومن تاب تاب الله عليه."
كانت كلمات والده كالسيف في صدره، تقطع أغلال ضعفه، وتذكّره بما نسيه. تذكرت الأيام الخوالي، حين كان يجلس بجوار والده في المسجد، يستمع إلى صوته الرخيم، ويشعر بالأمان. والآن، هو هنا، يحاول أن يستعيد ذلك الشعور، أن يستعيد ذلك النقاء.
بعد صلاة الجمعة، وبينما كان خالد يغادر المسجد، لمح ليلى تقف بالقرب من باب المسجد، تتحدث مع والدها. لمع وجهها فرحًا عندما رأته، ولوحت له بيدها. ابتسم لها خالد، وشعر ببعض الانشراعة.
تحدثت ليلى مع والدها، الشيخ سليمان، عن خالد، وعن قصته. كان الشيخ سليمان رجلًا طيبًا، يرى الخير في الناس، ويرغب دائمًا في مساعدتهم. سمع عن خالد، وعن صراعه، وشعر بالشفقة عليه.
"يا بني،" قال الشيخ سليمان لخالد بعد أن اقترب منه، "سمعت عن أحوالك. إن التغيير يحتاج إلى جهد وصبر. ولا تيأس إن شعرت ببعض الصعوبات، فالطريق إلى الله مليء بالتحديات، ولكنه نهاية إلى جنات النعيم."
"جزاك الله خيرًا يا شيخي. إنني أحاول جاهدًا، ولكن الطريق ليس سهلاً." قال خالد بصوت صادق.
"الصدق هو مفتاح كل خير يا بني. استعن بالله، ولا تخف. إن الله مع الصابرين. وقد علمت أنك تكنّ شيئًا في قلبك لـ... لـابنتي ليلى." قال الشيخ سليمان بتردد، ولكنه رأى في عيني خالد بريقًا خاصًا عندما ذكر اسمها.
احمر وجه خالد، وشعر بالتوتر. لم يكن يتوقع أن يفتح الشيخ سليمان هذا الموضوع. "نعم يا شيخي. إنها فتاة مباركة، تملك من الصفات ما يشهد له بالخير. ولكني... ولكني أخاف أن أكون غير جدير بها."
ابتسم الشيخ سليمان. "كل إنسان له ما يعيبه يا بني. المهم هو السعي للإصلاح. وإن كان قصدك شريفًا، ورغبتك في الزواج منها صادقة، فالأمر يستحق النظر فيه. ولكن، قبل ذلك، أريدك أن تثبت لنفسك أولًا، ولنا، أنك قد تغلبت على ما كنت عليه."
كانت كلمات الشيخ سليمان بمثابة فرصة ذهبية لخالد. فرصة لإثبات حسن نيته، وإمكانية إصلاحه. ولكنه في نفس الوقت، شعر بضغط كبير. عليه أن يواجه بدر وأصدقاءه، وعليه أن يثبت لوالد ليلى أنه أهل لها.
وفي الأسبوع التالي، حاول بدر أن يلتقي بخالد عدة مرات. كان يتصل به، ويرسل له رسائل، ويحاول مقابلته في أماكن عمله. كان يهدده، ويتوعده، ويتهمه بالخيانة.
"لقد خنتنا يا خالد! تركتنا وحدنا في طريق الهلاك. كيف تسمح لنفسك بهذا؟" كان يقول بدر بغضب.
"إن كنت ترى أن هذا طريق الهلاك، فلماذا لا تتركه؟" رد خالد بثبات.
"لأنك أنت من أفسدت علينا الطريق!" صاح بدر. "سنريك كيف يكون الثمن!"
شعر خالد بالخوف، ولكنه لم يظهر ذلك. لقد أدرك أن معركته لم تعد مجرد معركة داخلية، بل أصبحت معركة خارجية أيضًا. معركة ضد قوى الظلام التي تحاول إعادته إلى ما كان عليه.
في إحدى الليالي، بينما كان خالد يمشي في شارع قريب من منزله، تعرض له بدر ومعه اثنان من أصدقائه. كانت وجوههم تحمل شرًا واضحًا.
"ظننت أنك ستتغير حقًا، ولكنك عدت أضعف مما كنت!" قال بدر بابتسامة خبيثة.
"لم أعد يا بدر، بل أصبحت أقوى. ولن أعود إلى الوراء." قال خالد.
تطاول عليه بدر، حاول دفعه. دافع خالد عن نفسه، ولكنهم كانوا ثلاثة. حاول خالد الفرار، ولكنه سقط على الأرض. انقضوا عليه، وبدأوا يضربونه.
كانت الضربات قاسية، ولكن الألم الجسدي لم يكن كافيًا ليحطم روحه. كان يشعر بالألم، ولكنه كان يفكر في ليلى، في جدته، في والدته التي لم يرها منذ زمن. كان يفكر في الطريق الذي اختاره، وكان مصممًا على أن يمضي فيه مهما كانت الثمن.
"لن تمنعونا يا خالد!" صرخ بدر وهو يضربه. "سنريك أننا أقوى منك!"
في تلك اللحظة، سمع خالد صوتًا قويًا يأتي من بعيد. "اتركوه!"
كان صوت والده، الشيخ أحمد. كان الشيخ أحمد، رغم تقدمه في السن، يأتي إلى ابنه كلما شعر بالقلق عليه.
هرع الشيخ أحمد إلى مكان الحادث، وبدا على وجهه الغضب. "ماذا تفعلون؟ هل تريدون أن تقتلوا أخاكم؟"
تراجع بدر وأصدقاؤه مذعورين. لم يتوقعوا أن يرى الشيخ أحمد.
حمل الشيخ أحمد ابنه، الذي كان يتألم بشدة. "الحمد لله أنك بخير يا بني. ولكن هذه مجرد بداية. فليكن هذا درسًا لك. ولكن كن على يقين، أننا معك، وأن الحق دائمًا ينتصر."
في تلك الليلة، وبينما كان خالد يتلقى العلاج، شعر بخوف كبير، ولكنه كان مخلوطًا بشعور غريب بالراحة. لقد شعر بأن هناك من يقف معه، من يحميه. لقد أدرك أن صراعه، رغم قسوته، قد جعله أقرب إلى عائلته، وأقرب إلى الله.
ولكن، هل هذه الأحداث ستكون كافية لتبعده عن الشر نهائيًا؟ وهل سيتمكن من إقناع الشيخ سليمان بصدق توبته؟ كانت هذه الأسئلة تلوح في الأفق، تشعل قلقًا جديدًا، وتجعل الفصل التالي من حياته يبدو غامضًا ومثيرًا.