الفصل 8 / 25

روحي تعشقك 193

أطياف الماضي وهمسات المستقبل

بقلم فاطمة النجار

كانت نسائم المساء تحمل معها عطر الياسمين المتسلق على جدران بيت العائلة، مزيجاً مع عبق القهوة العربية الهادئة التي تعدها السيدة فاطمة، جدة نور. جلست نور في الشرفة المطلة على الحديقة، ترتشف من كوبها بحذر، بينما تركت عينيها تتجولان في أرجاء المكان الذي احتضن طفولتها وأحلامها. لقد مرّت أيام قليلة على لقائها المفاجئ بالسيد عبد الرحمن، تلك اللحظة التي أعادت إليها أطياف الماضي، وأيقظت في داخلها مشاعر كانت تعتقد أنها دفنت إلى الأبد.

كانت تفكر في كلماته، في نظراته التي احتوت على مزيج من الحنين والندم. لم تستطع فهم سبب زيارته المفاجئة بعد كل هذه السنوات، خاصة بعد أن قرر الرحيل دون كلمة وداع، تاركاً خلفه قلباً ينبض بشوق لم يزل. هل جاء ليعتذر؟ أم ليطلب مسامحة؟ أم ربما ليصارحها بأمر آخر؟ كل هذه الاحتمالات كانت تدور في رأسها كفراشة ضائعة تبحث عن نور.

في الجهة الأخرى من المدينة، في مكتبه الفاخر المطل على أبراج الشاهقة، كان عبد الرحمن يقلب في أوراق قضية مهمة، لكن عقله كان يسافر بعيداً، إلى تلك الحديقة الهادئة، إلى وجه نور الذي لم يتغير كثيراً. كيف يمكن لامرأة أن تبقى بهذه الروعة والبراءة رغم مرور الزمن؟ لقد اتخذ قراره بالسفر حينها بدافع الغرور، مدفوعاً بآراء بعض المقربين الذين أقنعوه بأن مستقبله في مكان آخر، بعيداً عن هذا المكان الذي بدا لهم ضيقاً. لكنه لم يدرك قيمة ما تركه خلفه إلا بعد فوات الأوان.

كانت نور تمتلك من الصفاء والجمال ما يجعلها جوهرة نادرة، وكان حبه لها نقياً وصادقاً، لكنه اختار الدنيا وزينتها. الآن، وبعد أن استقرت أحواله، وبعد أن أدرك معنى السعادة الحقيقية، عاد يبحث عن تلك الجوهرة التي أضاعها. لم تكن عودته سهلة، فالمسافة التي تفصل بينهما لم تكن مجرد كيلومترات، بل كانت سنوات من الغياب، وربما ذكريات مؤلمة.

في تلك اللحظة، دخل عليه صديقه المقرب، المهندس أحمد. "ما هذا الشرود يا عبد الرحمن؟ هل القضية معقدة لهذه الدرجة؟"

ابتسم عبد الرحمن ابتسامة باهتة. "لا يا أحمد، إنها ليست القضية. إنها قضية أخرى، قضية قديمة."

"قضية قديمة؟ هل تقصد شركة العمري؟" سأل أحمد.

"لا، ليست شركة العمري. إنها قصة أخرى، قصة تتعلق بقلب." أجاب عبد الرحمن، وصوته يخفت قليلاً.

تنهد أحمد وجلس أمامه. "إذا كانت قصة قلب، فربما أحتاج لأن أسمعها، لعلي أجد فيها ما يشغل بالي أيضاً."

في بيت العمري، كانت والدة نور، السيدة ليلى، تتحدث مع ابنتها. "لقد رأيتكِ شاردة الذهن منذ عودتكِ من عند جدتكِ. هل كل شيء على ما يرام؟"

نظرت نور إلى والدتها، وترددت للحظة. "كل شيء بخير يا أمي. فقط... تذكرت بعض الأشياء القديمة."

"الأشياء القديمة قد تكون جميلة، لكنها قد تكون أيضاً مؤلمة. المهم هو أن نعيش حاضرنا، وأن نخطط لمستقبلنا." قالت السيدة ليلى بحنان، وهي تربت على يد ابنتها. "لقد تحدثت مع جدتكِ اليوم، وهي سعيدة بخطوة والدتكِ بالبحث عن زوج مناسب لكِ."

شعرت نور بضيق خفيف. كانت تعلم أن والدتها تسعى لمصلحتها، لكن فكرة الزواج الآن بدت بعيدة، خاصة مع عودة أشباح الماضي. "أمي، أنا لست مستعدة لهذه الخطوة الآن."

"لا تقلقي يا ابنتي. الأمر يحتاج لبعض الوقت. لكن يجب أن تكوني مستعدة نفسياً. لن تبقى نور في بيت أبيها إلى الأبد." ردت السيدة ليلى، ثم أضافت وهي تبتسم: "لقد تحدثت مع السيدة رقية، زوجة خالك، وهي تعرف بعض الشباب الصالحين. ربما نلتقي بهم قريباً."

كانت هذه الكلمات بمثابة جرس إنذار لنور. لم تكن تريد أن تتسرع في قرار مصيري كهذا، خاصة وأن قلبها لا يزال مشغولاً. كانت تعلم أن جدتها، السيدة فاطمة، تدعم والدتها في هذا الأمر، فهي تؤمن بأن الزواج هو الطريق الأمثل للفتاة.

جلست نور في غرفتها، وفتحت صندوق ذكرياتها القديم. كانت بداخله صور قديمة، ورسائل لم ترسل، وهدية صغيرة كانت قد احتفظت بها. أمسكت بقلادة فضية رقيقة، كانت هدية من عبد الرحمن في يوم من الأيام. تذكرت كيف قدمها لها، وكيف نظر إليها بعينين تلتمعان بالحب. تنهدت، وأغلقت الصندوق. كان من الواجب عليها أن تركز على مستقبلها، وأن تنسى ماضٍ لم يعد له مكان. لكن كيف تنسى قلباً كان يوماً جزءاً من قلبها؟

في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل تستطيع أن تبدأ صفحة جديدة مع عبد الرحمن؟ هل هو بالفعل قد تغير؟ أم أن الماضي سيبقى يلاحقها؟ لقد شعرت بأن حياتها على مفترق طرق، وأن عليها أن تتخذ قراراً مصيرياً سيحدد مسار أيامها القادمة. كانت تعلم أن عليها أن تتحدث مع عبد الرحمن، أن تعرف ما الذي جاء من أجله، قبل أن تتخذ أي قرار بشأن مستقبلها، أو بشأن أي اقتراح زواج قد يأتي. لقد أحست بأن القصة لم تنته بعد، وأن الفصل القادم سيكون مليئاً بالتحولات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%