الفصل 9 / 25

روحي تعشقك 193

لقاء تحت سماء المدينة

بقلم فاطمة النجار

بعد تفكير عميق، قررت نور أن تواجه الماضي. لم تستطع أن تعيش في حيرة وقلق دائمين. أرسلت رسالة نصية مختصرة عبر أحد معارفهما المشتركين، تطلب فيها لقاءً سريعاً مع السيد عبد الرحمن في مكان عام وهادئ. اختارت حديقة عامة كبيرة، تشتهر بجمالها وهدوئها، بعيداً عن أعين الفضوليين، وفي وقت متأخر من العصر، حين تبدأ الشمس بالغروب، تاركةً سماء المدينة تتلون بألوان دافئة.

وصلت نور إلى الحديقة قبل عبد الرحمن بدقائق. اختارت مقعداً خالياً تحت شجرة وارفة، جلست تتأمل الأطفال وهم يلعبون، والعائلات وهي تتنزه. حاولت أن تبدو هادئة، متماسكة، رغم أن قلبها كان يدق بسرعة رهيبة. لم تكن تعرف ماذا ستقول، كيف ستبدأ الحديث، وكيف ستقابل نظراته التي ربما تحمل نفس القدر من التوتر الذي تشعر به.

بعد قليل، لمحته يقترب. كان يرتدي ملابس أنيقة، لكنه بدا أكثر تواضعاً من المرة الأولى التي رأته فيها. ابتسم لها ببطء، ابتسامة فيها مزيج من الخجل والترقب.

"مساء الخير يا نور." قال عبد الرحمن بصوت هادئ، وهو يقف أمامها.

"مساء النور يا سيد عبد الرحمن." أجابت نور، محاولةً أن تبدو رسمية، لكن صوتها كان يحمل نبرة من الارتباك.

"شكراً لكِ على الموافقة على اللقاء. كنت أتمنى أن نتحدث." قال وهو يجلس بجانبها، لكن مع مسافة معقولة بينهما.

"أتيت لتعرف ما الذي أريده؟" سألته نور، مفضلةً أن تبدأ مباشرة.

نظر عبد الرحمن إلى السماء، ثم عاد لينظر إليها. "أتيت لأنني... أتيت لأعتذر. ولأشرح."

"اعتذار؟ عن ماذا؟" سألت نور، رغم أنها كانت تعرف الإجابة.

"عن رحيلي. عن اختفائي. عن الألم الذي سببته لكِ ولعائلتكِ. لقد كنت شاباً صغيراً، متهوراً، وظننت أنني أعرف ما هو الأفضل لي. لكنني أدركت لاحقاً أنني أخطأت خطأ كبيراً." قال عبد الرحمن، وصوته يحمل نبرة من الأسف العميق.

"لقد تركت خلفك الكثير من التساؤلات يا سيد عبد الرحمن. والكثير من الذكريات." قالت نور، وهي تشعر ببعض الدموع تتجمع في عينيها، لكنها أبت أن تسمح لها بالسقوط.

"أعلم. وأنا أحمل هذه الذكريات معي كل يوم. نور، أنتِ لم تكوني مجرد فتاة أحببتها. كنتِ... كنتِ الضوء في حياتي. ولم أدرك قيمة هذا الضوء إلا حين اختفى." تنهد وقال: "لو أنني أعرف كيف أعود بالزمن إلى الوراء، لفعلت. لكنني لا أستطيع. كل ما أستطيع فعله هو أن أحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه."

"وماذا يمكن إصلاحه؟" سألت نور، وهي تشعر بأن قلبها بدأ يلين قليلاً، لكن حذرها لم يزل.

"أتيت لأطلب منكِ فرصة. فرصة لأثبت لكِ أنني تغيرت. وأنني أستحق فرصة أخرى. أنا لم أتزوج بعد، ولم أجد أحداً يملأ الفراغ الذي تركه غيابكِ." قال عبد الرحمن، وهو ينظر في عينيها مباشرة. "أعلم أن الثقة مسألة صعبة، خاصة بعد ما حدث. لكنني مستعد لبذل كل ما في وسعي لكسبها."

شعر عبد الرحمن ببعض القلق وهو يراقب رد فعل نور. كانت صامتة، تحدق فيه بعينيها الواسعتين، وعينيها تعكسان مزيجاً من المشاعر.

"أنت تعلم أنني لم أعد تلك الفتاة التي عرفتها." قالت نور أخيراً، وصوتها كان أقوى الآن. "لقد تغيرت، ومرت سنوات. ولديّ مسؤولياتي، ووالدتي تبحث لي عن زوج."

"هذا ما أعرفه. وهذا ما يجعل الأمر أكثر صعوبة. لكنني أتيت لأعترف بحبي لكِ، وألا أسمح لهذه الفرصة بأن تفلت مني مرة أخرى. إذا كنتِ مستعدة، فسأذهب إلى والدتكِ، وسأطلب يدكِ بشكل رسمي. سأضع نفسي بين يديها، وبين يديكِ." قال عبد الرحمن، وعيناه تلتمعان بالأمل.

تفاجأت نور بجرأته. لم تتوقع منه أن يكون بهذه الصراحة والقوة. "هل أنت جاد؟"

"أكثر جدياً من أي وقت مضى في حياتي. لقد كبرت، وتعلمت. وأدركت أن ما أبحث عنه ليس المال أو النجاح، بل السعادة الحقيقية. وسعادتي مرتبطة بكِ." أجاب عبد الرحمن، وعلامات الصدق واضحة على وجهه.

نظرت نور حولها، إلى الطبيعة الهادئة، إلى غروب الشمس الذي يلون السماء. شعرت بأنها تقف أمام خيار صعب. الماضي الذي حاول يداويه، والمستقبل الذي يبدو الآن غير مؤكد. هل يمكن لهذه القصة أن تعود إلى مسارها الصحيح؟ هل يمكن للحب القديم أن يزهر من جديد؟

"أحتاج بعض الوقت للتفكير." قالت نور أخيراً، وهي تشعر بأنها فقدت بعضاً من قوتها. "هذا الأمر ليس بالسهل. سأتحدث مع جدتي، وسأفكر ملياً."

"أتفهم ذلك تماماً. لن أضغط عليكِ. سأنتظر ردكِ. ولكن أرجوكِ، لا تجعلي الماضي يمنعكِ من رؤية المستقبل. مستقبل يمكن أن يكون جميلاً جداً." قال عبد الرحمن، وهو ينهض.

"شكراً لك على هذه الصراحة." قالت نور، وهي تنهض أيضاً.

"الشكر لكِ أنتِ على إعطائي هذه الفرصة. وأتمنى أن أراكِ قريباً." قال عبد الرحمن، ثم ابتعد ببطء، تاركاً نور وحيدة مع أفكارها المتزاحمة.

نظرت نور إلى الأفق، والقلب يعتصرها. لقد عادت الخيارات، وعادت معها التساؤلات. هل ستستطيع أن تغفر؟ هل ستستطيع أن تثق؟ وهل الحب القديم كافٍ لبناء مستقبل جديد؟ شعرت بأن هذه اللحظة كانت مجرد بداية، وأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%