الزوجة الصالحة 194
الياقوتة والغبار
بقلم سارة العمري
كانت رائحة البخور العطري، ممزوجة بعبق الهيل والقهوة العربية الأصيلة، تتسرب عبر مسام الخيمة الوارفة، تداعب حواسها وتوقظها من سباتها العميق. فتحت "ليلى" عينيها ببطء، لتستقبلها ستائر الحرير الباهتة التي تتراقص مع نسمات الصباح العليلة، مشيرة إلى بداية يوم جديد في رحاب هذه الأرض المباركة. لم تكن مجرد خيمة، بل كانت مملكتها الصغيرة، ملاذها الهادئ الذي تنسج فيه أحلامها وتستعيد فيه أنفاسها بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.
جلست على فراشها الوثير، وسحبت وشاحها الحريري الموشى بخيوط الذهب ليغطي كتفيها، تفكر فيما يحمله لها هذا اليوم. لقد أتت إلى هذه الواحة الصحراوية الهادئة، بعد زواج لم يكن اختيارها، بل قدراً فرض عليها. كانت "ليلى" ابنة شيخ قبيلة عريقة، معروفة بجمالها وذكائها، لكن النصيب ساقها إلى قصر بعيد، وإلى رجل لم تعرف عنه شيئاً سوى اسمه، "أمير".
تنهدت بعمق، وشعرت ببعض الوخز في قلبها. لم تكن تتوقع حياة هانئة، لكنها لم تكن تتخيل أيضاً هذا الشعور بالغربة، بهذا الحجم. كانت "أمير" رجلاً مهيباً، معروفاً بحكمته وكرمه، لكنه كان أيضاً غامضاً، تكتنفه هالة من الجدية والسكون. لم تكن هناك كلمة قاسية، ولا نظرة ازدراء، بل كان هناك فراغ، فراغ يملأ كل زاوية في حياتها الجديدة.
قامت من فراشها، وتوجهت نحو نافذة الخيمة، لتكشف لها عن مشهد بديع. كانت الشمس قد بدأت تشرق، مترفةً بضوئها الذهبي على الكثبان الرملية المتموجة، تاركةً وراءها ظلالاً طويلة ورقيقة. كانت السماء بلون أزرق لا نهائي، خالٍ من الغيوم، كلوحة فنان قدير. في الأفق البعيد، كانت تلوح أبنية القصر الفخم، يتلألأ بياضه الناصع تحت أشعة الشمس، وكأنه جوهرة وسط بحر من الرمال.
"صباح الخير يا روح الصحراء"، همست لنفسها، والابتسامة ترتسم على شفتيها. كانت الصحراء، بكل قسوتها وجمالها، قد أصبحت جزءاً منها، تعكس نقاءها وصمتها، وتمنحها القوة والصبر.
أنهت "ليلى" استعداداتها، وارتدت ثوباً فضفاضاً بلون الياقوت، يتناسب مع لون عينيها العميقتين. كان الثوب بسيطاً، لكنه يحمل أناقة لا تخفى، مزيناً ببعض التطريزات الخفيفة على الأكمام والياقة. أمسكت بعقدها المفضل، عقد من الياقوت الأحمر، تدلى على صدرها، كنقطة دم نابضة بالحياة على قماش السكينة.
خرجت من الخيمة، لتجد خادمتها المخلصة، "مريم"، في انتظارها. كانت "مريم" امرأة عجوز، تحمل على وجهها آثار السنين، لكن عينيها كانتا تفيضان بالحب والوفاء.
"صباح النور يا سيدتي"، قالت "مريم" بصوتها الدافئ، وانحنت قليلاً. "لقد أعددت لكِ شاي الأعشاب الذي تحبينه."
"شكراً لكِ يا مريم"، قالت "ليلى" بامتنان. "أشعر بأنني بحاجة إلى دفء الشاي اليوم."
سارتا معاً باتجاه مكان مخصص لتناول الإفطار، حيث كانت المائدة الصغيرة مرصعة بالأطباق الشهية. خبز طازج، تمر غني، جبن محلي، وزيتون مخلل. كل شيء بدا بسيطاً، لكنه يحمل طعم الأصالة والضيافة.
بينما كانت "ليلى" تتناول طعامها، استطاعت أن ترى من بعيد، بعض الخدم وهم يقومون بإصلاح أحد الأسوار المتهدمة بالقرب من بوابات القصر. لاحظت أن القصر، على الرغم من فخامته، بدا عليه بعض الإهمال في بعض أركانه، وكأن هناك أمراً ما يشغل بال سيده.
"هل هناك أي أخبار من المدينة يا مريم؟"، سألت "ليلى" وهي تتناول قطعة من التمر.
"لا شيء جديد يا سيدتي"، أجابت "مريم" بتفاجؤ. "كل شيء على حاله."
"لا، ليس هذا ما أعنيه"، قالت "ليلى" بابتسامة خفيفة. "أقصد، هل هناك أي أخبار عن أمير؟ متى سيعود؟"
ترددت "مريم" لبرهة، ثم قالت بحذر: "لم يردني شيء يا سيدتي. يبدو أنه مشغول ببعض الأمور الهامة."
توقفت "ليلى" عن الأكل، وشعرت ببرودة خفيفة تسري في عروقها. لم تر "أمير" منذ أسبوع كامل. لقد غادر في رحلة عمل، ولم يترك سوى رسالة موجزة، يعد فيها بالعودة قريباً. لكن "قريباً" كانت كلمة مطاطية في قاموس "أمير"، الذي كثيراً ما كان يغوص في أعماق أعماله، ناسياً كل شيء آخر.
"آه، أمير"، تمتمت بصوت خفيض، وهي تعود لتنظر إلى الأفق. شعرت بأنها سفينة ضلت طريقها، تبحث عن مرساة في بحر واسع. لم يكن لديها سوى هذا القصر، وهذه الصحراء، وهذا الزوج الذي لا تعرفه.
فجأة، سمعت صوت صهيل خيل قوي، قادمة من بعيد. استدارت "ليلى" بسرعة، ورأت مجموعة من الفرسان يقتربون من القصر. كانوا يرتدون ملابس رسمية، ويحملون شعار القبيلة. في مقدمتهم، كان هناك رجل يمتطي جواداً أبيض أدهم، يبدو أنه يحمل رسالة هامة.
انتاب "ليلى" شعور غامض. هل هو رسول من "أمير"؟ أم أن هناك خبراً آخر ينتظرها؟
توقف الفرسان أمامها، ونزل الرجل الذي في المقدمة، وهو رجل ذو لحية بيضاء طويلة، يرتدي عباءة سوداء مطرزة. اقترب منها، وأنحنى قليلاً.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا سيدة القصر"، قال بصوت رصين. "معي رسالة عاجلة من حضرة أمير."
مد "ليلى" يدها المرتعشة قليلاً، لتسلم الرسالة. كانت مظروفاً مختوماً بختم "أمير" المميز، شعار الصقر. فتحت المظروف ببطء، وبدأت تقرأ الكلمات المكتوبة بخط غليظ ومنظم.
"ليلى حبيبتي،" بدأت الرسالة. "أعتذر عن غيابي الطويل. لقد واجهنا بعض المشاكل غير المتوقعة، وأجلت عودتي. أرجو منكِ الصبر. وأنا على ثقة بأنكِ ستكونين خير من يتولى الأمور في غيابي. اهتمي بنفسكِ، ولا تقلقي."
"ليلى حبيبتي"؟ هذه أول مرة يخاطبها بهذه الكلمات. كان هناك شيء في هذه الرسالة، يختلف عن رسائله السابقة. كان هناك شعور بالاعتماد، وبالثقة، وربما ... بشيء آخر.
لكن ما زاد من قلقها، هو الرسالة التي تلت ذلك، مكتوبة بخط آخر، يبدو أنه خط أحد رجال "أمير".
"يا سيدة القصر،" جاء فيها. "تلقينا خبراً بأن هناك قطاع طرق يعتزمون مهاجمة القافلة التي تحمل بعض بضائعنا الثمينة، والتي تعبر الطريق الغربي بعد يومين. حضرة الأمير يكلفكِ، نظراً لغيابه، باتخاذ كل ما يلزم لضمان سلامة القافلة. وقد أرسل معكِ بعض الحراس المدربين."
شعرت "ليلى" بأن العالم كله قد توقف. هي؟ تتولى أمراً كهذا؟ لم تكن سوى امرأة، تزوجت حديثاً، ولا تعرف شيئاً عن شؤون القبيلة والحروب.
نظرت إلى الرجل ذي اللحية البيضاء، وسألته بصوت مرتجف: "وهل هناك أي تفاصيل أخرى؟"
"للأسف يا سيدة القصر، لا يوجد المزيد"، أجاب الرجل. "حضرة الأمير يثق بكِ. ونحن رهن إشارتك."
اختنقت الكلمات في حلقها. ثق به؟ كيف يمكنها أن تثق بنفسها في هذا الموقف؟ نظرت إلى الكثبان الرملية الشاسعة، وإلى القصر المهيب، وإلى الحراس الذين يقفون بصلابة. شعرت بأنها أمام مفترق طرق، يجب أن تختار فيه طريقاً، طريقاً سيغير كل شيء.
لم يكن أمامها إلا القبول. لقد أصبحت زوجة "أمير"، وسيدة هذا القصر. ولابد لها أن تتصرف.
"حسناً"، قالت بصوت قوي، حاولت أن تظهره. "أنا موافقة. سأقوم بما يلزم."
وفي قلبها، كانت تدعو الله أن يمنحها القوة والحكمة، وأن يحميها من كل سوء. لقد بدأ فصل جديد في حياتها، فصل لم تتوقعه أبداً، فصل يحمل في طياته اليقين بأن مصيرها، ومصير هذه القبيلة، أصبح بين يديها، وأن عليها أن تثبت للعالم، ولنفسها، أنها أكثر من مجرد زوجة صالحة. إنها قادرة على تحمل المسؤولية، حتى لو كان الثمن غالياً.