الزوجة الصالحة 194

أشباح الماضي وصراع الحاضر

بقلم سارة العمري

بعد لقاء سامي، شعرت أمينة بارتياح نسبي، لكنها لم تخفِ عن نفسها أنها ما زالت تملك بعض التحفظات. لم يكن الأمر يتعلق بسامي بحد ذاته، فقد بدا لها رجلاً صالحاً، بكل ما للكلمة من معنى. بل كان الأمر يتعلق بتلك الأشباح القديمة التي كانت لا تزال تتسلل إلى مخيلتها، تلقي بظلالها على أحلامها الوردية.

في إحدى الليالي، وبينما كانت تتصفح ألبوماً قديماً للصور، وقعت عينها على صورة لها مع محمود، زوجها السابق، في حفل زفافهما. كان وجهها شاباً، مليئاً بالأحلام والتفاؤل، بينما كان وجه محمود خالياً من أي تعبير، وكأنما يؤدي واجباً لا يكترث به. تذكرت في تلك اللحظة كم كانت تبحث عن كلمة حب، عن لفتة حانية، عن مشاركة حقيقية في الحياة. لكن كل ما وجدته كان صمتاً وجموداً.

كانت هذه الذكريات، وإن كانت غير مؤلمة عاطفياً، إلا أنها تركت أثراً من الحذر العميق في قلبها. لقد علمتها أن شكل الزواج قد يكون جميلاً من الخارج، لكنه قد يكون فارغاً من الداخل. وقد تعلمت أيضاً أن الوحدة، حتى في ظل وجود شريك، هي أشد أنواع الألم.

في اليوم التالي، وبينما كانت أمينة في السوق لشراء بعض الحاجيات، سمعت صوتاً يناديها: "أمينة! هل هذه أنتِ؟"

استدارت، لتجد أمامها سارة، زميلتها في العمل القديم. كانت سارة امرأة مرحة، ذات روح خفيفة، لكنها كانت أيضاً معروفة بإفراطها في نقل الأخبار والتفاصيل.

"سارة! يا له من لقاء غير متوقع!" قالت أمينة، وهي تعانقها.

"كيف حالكِ يا عزيزتي؟ لم أركِ منذ زمن طويل." قالت سارة، وعيناها تتفحصان أمينة بفضول. "أرى أنكِ ما زلتِ جميلة كما أنتِ. ألم تتزوجي مرة أخرى؟"

ترددت أمينة للحظة، ثم قالت: "لا، لم أتزوج بعد. ولكني... تلقيت طلباً."

"اوه! قولوا لي كل شيء!" قالت سارة بحماس، وقد بدأت عيناها تلمعان ببريق الفضول.

لم ترغب أمينة في إثارة حديث واسع، خاصة وأنها لم تتخذ قراراً نهائياً بعد. لكن سارة كانت تصر. "يا أمينة، أخبريني. من هو؟ هل هو من علية القوم؟ هل هو غني؟"

شعرت أمينة بضيق. لم تكن هذه هي الأمور التي تشغل بالها. قالت: "إنه رجل طيب، خلوق، متدين."

"متدين؟ اه، هذا جيد. ولكن هل هو وسيم؟ هل لديه مستقبل؟" استمرت سارة في طرح أسئلتها، وكأنها تجري مقابلة عمل.

شعرت أمينة بأنها تنجرف نحو دوامة لم ترغب فيها. كانت تعلم أن سارة، رغم طيبة قلبها، كانت تفتقر إلى الحكمة في التعامل مع الآخرين. أدركت أن أي تفاصيل ستشاركها معها، ستتحول إلى حديث المدينة.

"سارة، دعيني أصارحكِ. أنا ما زلت في مرحلة التفكير. الرجل الذي تقدم لي رجل محترم، وأنا لم أتخذ قراري بعد. أرجو منكِ أن تتفهمي ذلك." قالت أمينة بجدية، محاولة وضع حد للموضوع.

لكن سارة لم تعتد على هذه الصرامة. قالت بلهجة متعاطفة مصطنعة: "لا يا أمينة، لا تفهميني خطأ. أنا فقط أريد لكِ السعادة. سمعتُ أن طليقكِ محمود قد تزوج مرة أخرى. هل سمعتِ الخبر؟"

تصلبت أمينة. لم تكن تتوقع أن تسمع هذه المعلومة، خاصة من سارة. نظرت إليها بذهول، وقالت: "محمود؟ تزوج؟"

"نعم، سمعتُ أنه تزوج من امرأة أصغر منه بكثير، ولها أطفال. يبدو أنها تزوجته لمصلحة ما. لا أعرف التفاصيل بالضبط." قالت سارة، وهي تتناول قطعة حلوى من على الطاولة.

شعرت أمينة بقشعريرة تسري في جسدها. لم تكن تشعر بالغيرة، بل بالدهشة. هل كان محمود قد وجد سعادته بهذه السرعة؟ هل كانت هذه المرأة الجديدة قادرة على إسعاده، بعد أن عجزت هي عن ذلك؟

"شكراً لإخباري يا سارة." قالت أمينة ببرود، ورغم أن كلماتها كانت هادئة، إلا أن داخلها كان يعج بالأسئلة.

"على الرحب والسعة يا عزيزتي. إذا احتجتِ لأي شيء، فلا تترددي. أنا هنا دائماً." قالت سارة، وهي تبتسم ابتسامة واسعة، وكأنها لم تفعل شيئاً.

بعد أن انصرفت سارة، ظلت أمينة واقفة في مكانها، تفكر. لم يكن خبر زواج محمود مؤلماً، لكنه أثار فيها شيئاً. أثار فيها تساؤلات حول طبيعة العلاقات، وحول السعادة. هل السعادة مجرد اختيار؟ هل هي مجرد توافق؟

عاد إلى ذهنها حديث سامي عن المودة والرحمة. هل كان سامي يبحث عن تلك المشاعر التي كانت تفتقدها في زواجها السابق؟ هل كان هو الرجل الذي سيستطيع أن يزرعها في قلبها؟

في تلك الليلة، لم تستطع أمينة النوم. ظلت تتقلب في فراشها، وصورة محمود مع زوجته الجديدة تتراءى أمام عينيها. لم تكن خائفة من أن تفشل تجربتها مع سامي، بل كانت خائفة من أن تكون قد فقدت شيئاً لا تستطيع استعادته. كانت تخاف أن تكون قد أغلقت باباً، بينما كان باب آخر يوشك أن يفتح.

استيقظت في وقت متأخر من الليل، وقامت لتصلي. في صلاتها، رفعت يديها، ودعت الله أن يريها الحق حقاً ويرزقها اتباعه، وأن يريها الباطل باطلاً ويرزقها اجتنابه. سألت الله أن يمنحها القوة والشجاعة لاتخاذ القرار الصحيح.

"يا رب، إذا كان سامي خيراً لي، فاجعله سبباً لسعادتي، وإذا كان غير ذلك، فاصرفني عنه واصرفه عني. أرني الطريق الصحيح، وأعني على سلوكه."

في تلك اللحظات الهادئة، وبين سكون الليل، شعرت أمينة بأن هناك قوة خفية تدفعها نحو سامي. لم تكن قوة حب عارم، بل قوة ثقة، قوة إحساس بأن هذا الرجل يمكن أن يكون الملجأ الذي تبحث عنه، وأن هذا الزواج قد يكون فرصة لإعادة بناء حياتها على أسس أقوى وأكثر ثباتاً.

لكن تلك الأشباح القديمة، كانت لا تزال تهمس في أذنيها، محذرة إياها من تكرار نفس الخطأ. كان صراع الحاضر مع الماضي يدور رحاه داخلها، ولم تكن تدري كيف سينتهي.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%