الزوجة الصالحة 194
وشاح الذاكرة المتوهج
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الفجر الأولى، رقيقة كوشاح حريري، لتلامس نوافذ منزل الحاج محمود. داخل غرفتها، كانت عائشة تستشعر هذا التسلل بخفوت، فقد ألقت بظلال كثيفة على يقظتها أحداث الأمس. لم يكن الصمت المعتاد لصباح يوم الجمعة مريحًا لها، بل كان يحمل ثقلاً من الأسئلة التي تتراكم كغيوم داكنة في سماء روحها. لقد انقشع ستار الجهل أخيرًا، تاركًا إياها وجهاً لوجه مع حقيقة جلبت معها مزيجاً من الألم والصدمة، وشيئاً من الفهم لم تكن مستعدة له.
تذكرت كلماتها الأخيرة للحاج محمود، تلك الكلمات التي خرجت من أعماق قلبها المفطور، كلمات حملت مزيجاً من الاتهام والحزن: "لم أكن أتصور أبداً، يا عمي، أن أرى أمي بهذا الحال، وأن أسمع ما سمعت." لم يرد الحاج محمود، بل صمت مطبق، صمت أبلغ من ألف كلمة، صمت أكد لها كل ما كانت تشك فيه، بل كل ما حاولت تجاهله طوال حياتها. كان وجهه، الذي لطالما رأت فيه سكينة الأتقياء، يحمل الآن تعب السنين وهمومًا لم تكن تعرف كنهها.
نهضت عائشة من فراشها، وقلبها يدق بعنف كطبل حرب قديم. كانت بحاجة إلى إجابات، إجابات لا يملكها سوى الحاج محمود. لكن هذه المرة، لم تكن تبحث عن تفاصيل الماضي، بل عن معنى الحاضر، عن فهم عميق للمواقف التي قادتها إلى هنا. انزلقت قدميها على بلاط الغرفة البارد، ثم اتجهت نحو باب غرفته، مترددة للحظة. هل كان هذا الصباح هو الوقت المناسب لمواجهة أخرى؟ هل ستتحمل روحها المزيد من الأثقال؟
فتحت الباب بهدوء، لتجد الحاج محمود جالسًا على طرف سريره، يقرأ من مصحف قديم، يديه ترتعشان قليلاً. لمعت عيناه عندما رآها، لمعة أشفقت عليها أكثر مما أخافها.
"صباح الخير، يا عمي"، قالت بصوت خافت، حاولت أن تخفي فيه رجفة الخوف.
"صباح النور يا ابنتي"، أجاب بصوت حنون، وإن كان يحمل مسحة من الإرهاق. "هل استيقظتِ مبكرًا؟"
"لم أنم كثيرًا"، اعترفت. "كنت أفكر."
تقدمت واعتلت وجهه نظرة قلق. "في ماذا تفكرين يا عائشة؟"
جلست بجانبه على السرير، وشعرت برائحة البخور والمسك التي تعودت عليها منذ نعومة أظفارها تفوح من ثيابه. "في كل شيء، يا عمي. في أمي، في حياتها، وفي كل ما تفضلت بإخباري به أمس. لقد كشف لي ستارٌ ما كنت أرى، وما كنت أرغب في رؤيته."
أغلق الحاج محمود المصحف ووضعه بجانبه. "الحياة يا عائشة، مليئة بالمنعطفات التي لا نتوقعها. والقدر له حكمة، حتى وإن بدت لنا قاسية."
"ولكن، يا عمي"، بدأت عائشة، وتجمعت الدموع في عينيها، "كيف لأمي، تلك المرأة التي عرفتُها بالصبر والإيمان، أن تفعل ما فعلته؟ كيف تركتني؟ كيف تخفتت حياتها حتى وصلت إلى هذا الحد؟"
تنهد الحاج محمود بعمق، وتملل في جلسته. "الحزن يا ابنتي، قنطار. عندما يثقل، قد يحطّم أعظم القلوب. وأمك، يا عائشة، حملت أثقالاً لو حملتها الجبال لانحنت. لم تكن حياتها سهلة أبدًا."
"ولكن لم تخبريني شيئًا. لماذا صمتت كل هذه السنوات؟" تساءلت بنبرة فيها شيء من اللوم.
"كان ذلك لحمايتكِ، يا ابنتي. لحمايتكِ من ألمٍ ربما لم تكوني مستعدة لتحمله. ولحماية سمعة العائلة. فالناس لا يرحمون، والظروف قاسية."
"ولكن ألمي الآن أكبر، يا عمي. أن أرى أمي بهذا الحال، وأن أعرف أن كل هذا حدث ولم أعلم به، وأنك كنت تعرف ولم تخبرني... هذا أشبه بطعنة جديدة."
"كان القرار أصعب مما تتخيلين. كانت هناك خيارات، وكل خيار له تبعاته. اخترتُ الأقل ضررًا، حسب ما رأيتُ بعيني. لكن يبدو أن القدر كان له رأي آخر."
"هل كان هناك شخص آخر؟" تساءلت عائشة، وجاء السؤال مفاجئًا حتى لنفسها. كانت مجرد لمحة، مجرد ظل عابر في ذاكرتها، صورة غامضة.
نظر الحاج محمود إليها بحذر. "ماذا تقصدين؟"
"أتذكر... أشياء قليلة. أصوات، كلمات... همسات. هل كان هناك رجل في حياة أمي غير أبي؟"
ارتعش الحاج محمود قليلاً، وشحب وجهه. لم يتوقع هذا السؤال، لم يتوقع أن تكون ذكريات عائشة قد حفَظت شيئًا.
"كان هناك... شخص ما"، قال بصوت متقطع. "لكن الأمر كان معقدًا للغاية. لم يكن بالطريقة التي تفكرين بها. كانت هناك ظروف خاصة، و... لم يكن لقاءً عاديًا."
"ظروف خاصة؟ رجل؟" ألحّت عائشة، وشعرت بأن خيوط قصة قديمة جدًا بدأت تتكشف. "أمي لم تكن لتفعل شيئًا خارج الشرع، يا عمي. أنت تعلم ذلك."
"بالتأكيد. لم يكن هناك شيء مما يدنس الطهر. لكن... كانت هناك محاولات. كان هناك... شخص حاول التقرب منها بشكل غير مشروع، بعد وفاة أبيك بفترة قصيرة. كانت في أضعف حالاتها، والحزن قد استولى عليها. لقد حاولتْ أن تقاوم، وأن تتذكر الله. لكن... الظروف لعبت دورها."
"ماذا فعلت؟" سألت بصوت متجمد.
"لقد... استعانت بشخص. شخص وثقت به. ليحميها، وليبعد عنها هذا الرجل. و... حدث ما حدث. لقد تضمنت القصة أحداثًا مؤسفة، أدت إلى... إلى نتائج لم نكن نتمناها."
"حدث ما حدث؟ وما الذي حدث يا عمي؟" شعرت عائشة بأن قلبها يتجمد. "ما الذي حدث بالضبط؟"
"لقد... أُجبرت أمك على مغادرة منزلها. لحمايتها. ولحمايتكِ أنتِ أيضًا. لقد استغرق الأمر وقتًا طويلاً لتهدأ الأمور. ولتستقر. لقد تحملت هي كثيرًا. وتحملت أنا كثيرًا. لقد كان كل ذلك... من أجل الصالح العام. من أجل ألا تنهار العائلة أكثر."
"مغادرة المنزل؟ أبي توفي، ثم تركت أمي المنزل؟ ولماذا؟ ولمن؟" تصاعدت نبرة عائشة، وكأنها تحمل عاصفة لم تهدأ. "لم أعرف كل هذا."
"كان لابد من ذلك. كان هناك تهديد، يا عائشة. تهديد مباشر. لم يكن الأمر مجرد حزن، بل كان هناك من يريد استغلال ضعفها. و... لقد تدخل طرف ثالث، ساعد في حل الأزمة. لكن بثمن."
"ثمن؟ ما هو الثمن؟"
"أن تتنحى أمك جانبًا. وأن تختفي لفترة. وأن تترك كل شيء خلفها. لقد فعلت ذلك من أجلكِ، يا ابنتي. ومن أجل أن تظل صورتها نقية أمام الناس، وأمام نفسها. لقد وافقت على عرض... لم يكن سهلاً عليها. عرضًا تضمن... الانفصال عن الماضي."
"الانفصال عن الماضي؟ هل تقصدين... أن تتزوج؟" سألت عائشة، وكان السؤال يخرج منها ببطء، وكأنها تسير في دروب موحشة.
تنهد الحاج محمود، ونظر بعيدًا. "لقد كانت هناك ترتيبات. ترتيبات معقدة. الهدف كان حمايتها. وضمان مستقبلها. لقد اتخذت قرارًا صعبًا. قرارًا سيظل يطاردها. ويطاردنا جميعًا."
"وهل... هل كانت تلك الترتيبات مع شخص تعرفه؟ هل كان ذلك الشخص هو والد...؟" لم تكمل عائشة جملتها، لكن عيني الحاج محمود اتسعتا قليلاً، وكأنه أدرك ما تفكر فيه.
"ماذا تقصدين يا عائشة؟" سأله بصوت متوتر.
"لقد... تذكرت شيئًا. مجلة قديمة وجدتها في صندوق أوراق أمي. كانت بها صورة رجل... وكان معها ورقة تقول: 'تاريخنا المشترك'."
صمت الحاج محمود طويلاً، ثم قال بصوت أشبه بالهمس: "لم يكن هناك رجل واحد. كانت هناك... ظروف. ظروف قاهرة. أرادت أمك أن تحمي نفسها. وأن تبدأ من جديد. وأن تنسى كل شيء. لقد فعلت ما فعلته، ولم يكن الأمر سهلاً عليها أبدًا."
"ولكن، يا عمي"، قالت عائشة، وقد تبللت عيناها بالدموع، "لماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني أعيش في وهم؟"
"كنت أخشى عليكِ، يا ابنتي. أخشى عليكِ من هذا الألم. ومن هذه الحقيقة. كانت أمكِ دائمًا تقول: 'لا تجعلي ابنتي تشعر بالعار. لا تجعليها تحمل عبئًا لم ترتكبه'. ولهذا، فضلتُ الصمت. حتى تتكشف الأمور في وقتها المناسب."
"وقت مناسب؟ هل كان هذا هو الوقت المناسب؟ أن أعرف كل شيء الآن؟ أن أرى أمي في هذا الحال؟"
"القدر له مساراته، يا عائشة. ونحن نسير فيها. لقد كشفت لكِ الآن كل شيء. بما أن الأمر بات واضحًا. بما أنكِ أصبحتِ قوية بما يكفي لتحمل الحقيقة."
"قوية؟ هل أنا قوية؟" تساءلت عائشة، وصوتها يرتجف. "أشعر وكأن أرضًا قد انشقت تحت قدمي. أمي... هي ليست كما ظننتها. والحياة... تبدو مختلفة تمامًا."
"لا تجعلي الأمر يحطّمكِ يا ابنتي. أمكِ امرأة عظيمة، مهما حدث. لقد مرت بما مرت به، ولكنها لم تفقد إيمانها. ولم تفقد قيمها. لقد حاولت أن تحافظ على ما تستطيع الحفاظ عليه. وهذا بحد ذاته بطولة."
"ولكن، يا عمي"، قالت عائشة، وقد بدأت تفهم أبعادًا جديدة للموقف، "إذا كان ما حدث قبل زواجي من خالد، فإن... فهل هذا يعني أن...؟"
صمت الحاج محمود، ولم يرد. كان صمته بمثابة إقرار، إقرار بما كانت تخشاه عائشة. كانت ترى الآن خيوطًا متشابكة، خيوطًا تربط ماضي أمها بحاضرها، وبمستقبلها. "فهل يعني هذا أن خالد...؟" سألت مرة أخرى، وعيناها مثبتتان على وجه الحاج محمود، تبحثان عن كلمة واحدة، كلمة قد تفسر كل شيء.
"لقد كان قرارًا صعبًا"، قال الحاج محمود أخيرًا، وصوته بالكاد يُسمع. "قرارًا اتخذناه جميعًا، من أجل مصلحتكِ. ومن أجل أن نضمن لكِ حياة كريمة. لقد كان ذلك أفضل حل، في ظل الظروف."
"أفضل حل؟" تكررت عائشة الكلمة، وشعرت وكأنها تخرج من فم شخص غريب. "أفضل حل؟ أن تعيش ابنتكِ حياة كاملة مبنية على... على هذا؟"
"لم يكن الأمر سهلاً، يا عائشة. لم يكن الأمر هيناً. لقد كان هناك من يريد الشر. وكان هناك من يريد حمايتكِ. ولقد اخترنا الطريق الذي بدا لنا هو الأمثل. الطريق الذي يضمن لكِ السعادة."
"السعادة؟ أي سعادة؟" بكت عائشة بصوت عالٍ، وقد شعرت بأن حجابًا آخر قد سقط، كاشفًا عن واقع أليم. "لم أكن أعرف أن حياتي كانت كلها... كذبة. وأن زواجي كان... تلاعبًا بالقدر."
"ليس تلاعبًا، يا ابنتي. بل كان محاولة للخروج من دوامة. كان اختيارًا صعبًا، ولكنه كان ضروريًا. من أجل أن تنعمي بالحياة التي تستحقينها. حياة بلا خوف، وحياة بلا وصمة."
"ولكن خالد... هل كان يعلم؟"
نظر الحاج محمود إلى السماء، وكأنما يبحث عن إجابة هناك. "بعض الأمور، يا عائشة، لا يُقال عنها كل شيء. بل تُترك لتُفهم، أو لتُعاش."
"لا يمكنني أن أصدق هذا"، قالت عائشة، وقد استولت عليها موجة من اليأس. "لا يمكنني أن أصدق أن كل هذا قد حدث. وأنني كنت جاهلة بكل شيء."
"الجهل أحيانًا نعمة، يا ابنتي. والآن، بعد أن عرفتِ، أمامكِ خياران. إما أن تسمحي لهذا الأمر بأن يحطمكِ، أو أن تستجمعي قواكِ، وتواجهي الحياة بعقل وقلب مفتوحين. وتعرفي ما يجب عليكِ فعله."
لم يكن لدى عائشة إجابة. كانت تشعر وكأنها في دوامة، لا ترى لها نهاية. كانت تتذكر كلمات أمها، وهمساتها، ووجهها الشاحب. والآن، كل تلك الذكريات اكتسبت معنى جديدًا، معنى مؤلمًا، معنى يدفعها إلى التساؤل عن كل شيء. عن نفسها، وعن حياتها، وعن حبها. هل كان الحب وحده كافيًا؟ هل يمكن لحبٍ أن يبنى على أساسٍ كهذا؟
نظرت إلى الحاج محمود، ورأت في عينيه مزيجًا من الشفقة والإرهاق. لقد تحمل الكثير، وحاول أن يحميها. لكن هذه الحماية، التي بدت لها في البداية درعًا واقيًا، أصبحت الآن سجنًا. سجنًا من الأسرار.
"وماذا عن خالد؟" سألت بصوت خافت، وقد استقر فيها شعور باليقين المؤلم. "هل عرف خالد شيئًا؟"
لم يرد الحاج محمود. لم يجب. وصمته كان أبلغ من أي كلمة. لقد رسمت عائشة في مخيلتها صورة واضحة، صورة مؤلمة، صورة تجعل قلبها ينقبض. لقد فهمت. فهمت كل شيء. كانت تعلم الآن أن نقطة اللاعودة قد تم تجاوزها. وأن رحلتها الحقيقية، رحلة البحث عن الحقيقة، ورحلة البحث عن الذات، قد بدأت لتوها.