الزوجة الصالحة 194

أصداء الماضي المدفون

بقلم سارة العمري

بعد تلك المواجهة الصادمة، استأذنت عائشة الحاج محمود، وانسحبت إلى غرفتها، تحمل على عاتقها ثقل الحقيقة التي انكشفت. لم يعد صباح الجمعة ذاك ذاك الصباح الهادئ الذي اعتادت عليه. لقد انقلب عالَمها رأسًا على عقب، وتركتها الحقيقة مجردة، مكشوفة، أمام رياح الحياة العاتية. جلست على طرف سريرها، وعيناها زائغتان، تتنقلان بين أرجاء الغرفة التي كانت شاهدة على الكثير من أحلامها وخططها. الآن، تبدو كل هذه الأحلام باهتة، وكل هذه الخطط موضع شك.

راحت تتقصى أطراف الوشاح الذي كانت أمها ترتديه دائمًا، تتذكر تلك اللحظات التي كانت تجلس فيها بجوارها، تستمع إلى حكاياتها، وتشعر بدفء حضنها. كيف كانت أمها، تلك الروح الطيبة، تحمل كل هذا الألم في صدرها؟ كيف استطاعت أن تخفي كل تلك الأسرار، وأن تبتسم، وأن تعيش؟

"هل كان الأمر يتعلق بي؟" تساءلت بصوت خافت، كأنها تحدث نفسها. "هل كان كل هذا من أجلي؟"

تذكرت والدها، الرجل الذي أحبته بعمق، الرجل الذي رسمت في مخيلتها صورته كرجل مثالي. ثم تذكرت والدتها، المرأة التي كانت تمثل لها رمزًا للصبر والقوة. والآن، اكتشفت أن الصورة لم تكن كاملة، وأن هناك فراغات كبيرة، وفجوات مظلمة، لم تكن تعرف بوجودها.

"ولكن خالد... لم يكن يعرف؟" كررت سؤالها للحاج محمود، وصوتها يمتلئ بالألم. لم يكن صمته كافيًا. كانت بحاجة إلى يقين، أو إلى نفي. لكن الحاج محمود، ذلك الرجل الحكيم، اختار الصمت، وهذا الصمت بحد ذاته كان كافيًا لإجبارها على استنتاج ما كانت تخشاه.

كيف يمكن أن يكون زواجها من خالد، ذلك الشاب الذي أحبته بصدق، والذي شعرت معه بالأمان والسكينة، قد تم بهذه الطريقة؟ هل كان حبها له حبًا حقيقيًا، أم كان مجرد هروب، محاولة لبناء حياة جديدة فوق أنقاض ماضٍ مجهول؟

اتجهت نحو خزانة ملابسها، وفتحتها ببطء. نظرت إلى فستان زفافها الأبيض، الذي كان يمثل في يوم من الأيام بداية سعيدة، بداية لعمر جديد. الآن، بدا لها كرمز لخدعة كبيرة. هل كانت ترتدي هذا الفستان وهي تعلم، أو تشك، في حقيقة ما كان يحدث؟

"لا"، قالت بصوت حازم، محاولة إقناع نفسها. "لم أكن أعلم. لم يكن لدي أي شك. لقد أحببت خالد، وكان يحبني. لقد كان الأمر نقياً."

لكن هل كان نقيًا؟ هل يمكن لأي شيء أن يكون نقيًا، حينما يكون مبنيًا على أساسٍ لم يُكشف بالكامل؟

بعد لحظة، قررت أن تتحدث مع خالد. لم تستطع الانتظار أكثر. كانت بحاجة إلى أن تسمع منه، أن ترى في عينيه، إن كان هناك أي أثر للحقيقة التي اكتشفتها. اتصلت به، لكنه لم يرد. حاولت مرة أخرى، ومرة أخرى. كان هاتفه مغلقًا، أو ربما كان يتجنبها. هذا الشعور بعدم القدرة على الوصول إليه زاد من قلقها.

انتقلت إلى نافذة الغرفة، ونظرت إلى الخارج. رأيت الشمس وهي ترتفع في السماء، تضيء العالم بلطف، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن بالنسبة لها، كان كل شيء قد تغير.

"ماذا أفعل الآن؟" تساءلت. "هل أواجه خالد؟ أم أواجه أمي؟"

فكرة مواجهة أمها بدت مستحيلة. كيف لها أن تواجه تلك المرأة التي اكتشفت الآن أنها عاشت حياة لم تكن تعرفها؟ كيف لها أن تنظر في عينيها، وقد أصبحت ترى فيها الآن وجه امرأة تحمل أسرارًا كثيرة، أسرارًا لم تكن مستعدة لها.

في تلك اللحظة، تلقت رسالة نصية على هاتفها. كانت من خالد. "عائشة، أنا آسف، لا أستطيع التحدث الآن. لدي أمر مهم جدًا. سنتحدث لاحقًا. كن قويًا."

"كن قويًا". هذه الكلمات، التي كان يرسلها لها دائمًا في أوقات الشدة، بدت الآن كصدى مخيف. هل كان خالد يعلم؟ هل كان هذا "الأمر المهم" الذي جعله يتجنبها، متعلقًا بما اكتشفته؟

شعرت عائشة بأنها تقف على حافة هاوية. أمامها عالم من الحقائق المظلمة، وخلفها عالم من الوعود المكسورة.

قررت أن تذهب إلى منزل أمها. ربما تجد هناك بعض الإجابات، أو ربما تجد نفسها في مكان أكثر هدوءًا للتفكير. ارتدت ملابس بسيطة، ونزلت إلى الأسفل. وجدت الحاج محمود يجلس في غرفة المعيشة، يتحدث مع زوجته. رفعت يدها مودعة، وخرجت.

الطريق إلى منزل أمها كان مألوفًا، ولكن الآن، كل شيء بدا مختلفًا. الأشجار، المباني، حتى وجوه المارة. كان كل شيء يحمل ظلال الماضي، ظلال الحقيقة المخفية.

عندما وصلت، طرقت الباب. فتحته أمها، وعلى وجهها ابتسامة مرهقة. "أهلاً بكِ يا ابنتي. تفضلي."

دخلت عائشة، وشعرت بأن الهواء في المنزل ثقيل، يحمل أسرارًا قديمة. جلست في غرفة المعيشة، ونظرت إلى أمها. كانت تبدو أكبر سنًا، وعلى وجهها خطوط من التعب والحزن.

"كيف حالكِ يا أمي؟" سألت عائشة، محاولة أن تكون نبرتها طبيعية.

"الحمد لله"، أجابت أمها، وجلست قبالتها. "ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟ هل كل شيء على ما يرام؟"

"كنت أريد أن أراكِ"، قالت عائشة، وقلبها يخفق بقوة. "أردت أن أتحدث معكِ."

"تفضلي يا ابنتي. أنا أسمعكِ."

صمتت عائشة للحظة، تجمع شتات أفكارها. ثم قالت، بصوت ثابت: "يا أمي، لقد تحدثت مع عمي الحاج محمود بالأمس. وقد كشف لي عن أمور كثيرة."

ارتعش وجه أمها قليلاً، واختفت الابتسامة. اتسعت عيناها، ونظرت إلى عائشة بعمق. "ماذا قال لكِ؟"

"قال لي عن حياتكِ. عن الأيام الصعبة. عن... عن ما حدث بعد وفاة أبي."

تمتمت أمها بكلمات غير مفهومة، ثم قالت بصوت خافت: "لقد حاولنا أن نحميكِ. حاولنا أن نجعلكِ تعيشين حياة طبيعية."

"ولكن، يا أمي"، قالت عائشة، والدموع بدأت تتجمع في عينيها، "لم أعرف. لم أعرف أنكِ مررتِ بكل هذا. لم أعرف أنكِ... تركتِ المنزل. لم أعرف... أنكِ قد تزوجتِ."

تجمدت أمها للحظة، ثم انحنى رأسها. "لقد كان ذلك... قرارًا صعبًا."

"ولماذا لم تخبريني؟" سألت عائشة، ونبرتها بدأت ترتفع. "لماذا تركتني أعيش في جهل؟"

"كنت أخشى عليكِ، يا ابنتي. أخشى عليكِ من أن تشعري بالعار. أخشى عليكِ من أن تحملي عبئًا لم ترتكبيه."

"ولكن الآن؟ الآن عرفت كل شيء. الآن أشعر بالعار. أشعر بالخجل. أشعر بأن حياتي كلها... مبنية على كذبة."

"ليست كذبة، يا عائشة. إنها... ظروف. ظروف قاهرة. لقد حاولتُ أن أبني لكِ مستقبلًا. أن أضمن لكِ حياة كريمة. أن أبعد عنكِ كل خطر."

"وماذا عن خالد؟ هل كان يعلم؟" سألت عائشة، وقلبها يتألم.

نظرت أمها إليها، ثم أدارت وجهها. "لقد... تم الترتيب. تم الترتيب لكل شيء. كان لابد من ذلك."

"ترتيب؟ تقصدين أن زواجنا كان ترتيبًا؟"

"لقد كان... محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لقد كان لضمان استقراركِ. لقد كان لضمان سعادتكِ."

"سعادت؟ أي سعادة؟" رفعت عائشة صوتها، ولم تستطع كبت دموعها. "هل تظنين أنني سعيدة الآن؟ أنني مرتاحة؟ أنني مطمئنة؟"

"أنا آسفة يا ابنتي. آسفة على كل ما مررتِ به. وآسفة على كل ما لم أخبركِ به. لقد كانت خيارات صعبة. ولكنني كنت أتصرف بما أعتقده صحيحًا في ذلك الوقت."

"ولكن، يا أمي، ماذا عن الماضي؟ ماذا عن الرجل الذي...؟"

"لا تتحدثي عن ذلك"، قاطعت أمها بصوت متوتر. "لقد كان ذلك... حادثًا. حادثًا مؤسفًا. لم أكن أتحمل مسؤوليته. لقد اضطررت لفعل ما فعلت، لحماية نفسي. ولحماية مستقبلي."

"وماذا عن خالد؟ هل كان يعلم بكل هذا؟ هل كان جزءًا من هذا الترتيب؟"

"لقد... كان هناك اتفاق." قالت أمها بصوت هامس. "اتفاق بيني وبينه. لضمان استقراركِ."

"اتفاق؟" تكررت عائشة الكلمة، وكأنها طلقة تصيبها في الصميم. "اتفاق؟ إذن، كل ما بيننا... كان اتفاقًا؟"

"لم يكن كل شيء، يا عائشة. لقد كان هناك حب. ولكن... كان هناك أيضًا ضرورة."

"ضرورة؟ ما هي الضرورة التي تجعل امرأة تبيع ابنتها؟"

"لم أبعكِ يا ابنتي! لم أفعل ذلك! لقد حاولتُ أن أحميكِ! حاولتُ أن أمنحكِ الفرصة التي لم أحصل عليها أنا!"

"ولكن بهذا الثمن؟ بهذا الثمن من الأسرار والكذب؟"

"كانت الظروف أقوى مني. كانت الحياة أقوى مني. لم أكن أملك خيارات كثيرة."

شعرت عائشة بأن قلبها ينهار. كل ما بنته، كل ما آمنت به، كل ما أحبته، بدأ يتهاوى أمام عينيها. نظرت إلى أمها، ورأت فيها امرأة أخرى. امرأة قوية، ولكنها محطمة. امرأة عاشت حياتها في صراع، وحاولت أن تبني حياة ابنتها على أرض صلبة، حتى لو كان ذلك يعني دفن الكثير من الحقائق.

"وماذا الآن؟" سألت عائشة، وقد استولت عليها موجة من اليأس. "ماذا أفعل الآن؟"

"اصنعي قراركِ يا ابنتي. إما أن تتجاوزي هذا الأمر، وتعيشي حياتكِ، أو أن تسمحي له بأن يحطمكِ."

"كيف أتجاوزه؟ كيف أتجاوز حقيقة أن الرجل الذي أحبه، والذي أشك في أنني أحبه، قد يكون جزءًا من صفقة؟"

"الحب، يا عائشة، أعمق من مجرد اتفاق. ولكن، أحيانًا، يحتاج الحب إلى مواجهة الحقائق، ليصبح أقوى. أو ليُظهر ضعفه."

"ولكن، هل هناك أي أمل؟ هل هناك أي فرصة؟"

"الأمل موجود دائمًا، يا ابنتي. ولكن، عليكِ أن تبحثي عنه. وأن تخوضي المعركة بنفسكِ."

غادرت عائشة منزل أمها، وقلبها مثقل. كانت الحقيقة مؤلمة، ولكنها كانت ضرورية. كانت تفهم الآن لماذا أخفى الحاج محمود الأمر. لقد كان يحاول حمايتها. ولكن حماية ماضٍ بأكمله، يبدو أنها لم تعد كافية.

عادت إلى منزلها، وحملت معها عبء هذه المعرفة الجديدة. لم تعد تلك الفتاة البريئة التي كانت تحلم بحياة سعيدة. لقد أصبحت امرأة تعرف أن الحياة ليست دائمًا ما تبدو عليه. وأن هناك أسرارًا مدفونة، قد تظهر في أي لحظة، لتغير كل شيء.

نظرت إلى هاتفها، وشعرت برغبة قوية في مواجهة خالد. ولكن قبل أن تفعل ذلك، أدركت أنها بحاجة إلى وقت. وقت لجمع شتات نفسها. وقت لفهم ما حدث. ووقت لتقرر ما هو الطريق الصحيح، حتى لو كان مليئًا بالأشواك.

لقد بدأت معركتها الحقيقية، معركة البحث عن الحقيقة، ومعركة البحث عن نفسها. ومعركة، ربما، لمعرفة ما إذا كان حبها لخالد، حبًا حقيقيًا، أم مجرد جزء من اتفاق كبير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%