الزوجة الصالحة 194
همسات الماضي وعزيمة الحاضر
بقلم سارة العمري
كانت نسمة العشاء تحمل معها عبير الياسمين المتسلل من بساتين الحاج عبد الرحمن، يتخلله شذا البخور الذي اعتادت أمينة استخدامه في شرفتها العلوية. جلست أمينة، وقد اتكأت على وسادة مخملية، تتأمل سماء المدينة التي بدأت تتوشح بلون الشفق الغامق. في يدها مصحف صغير، أهدته إياها جدتها في يوم زفافها، كانت تقرأ فيه بتمعن، وكأنها تستمد منه السكينة في خضم ما تعتمل به نفسها.
منذ لقائها الأخير بسامي، وعلى الرغم من مرور أيام قليلة، شعرت أمينة باضطراب داخلي لم تعهده من قبل. لم تكن تعلم إن كان السبب هو كلماته الحانية التي لامست أوتار قلبها، أم نظراته التي حملت وعداً بمستقبل لم تكن تتجرأ حتى على تخيله؟ كانت سامي رجلاً نبيلاً، بعيداً عن صخب الحياة وضوضائها، يتمتع بعلم وفهم لا يمتلكه الكثيرون. حديثه عن كتاب الله وسنّة نبيه، عن أهمية الرحمة والمودة في بناء الأسرة، كان كقطرات الندى على أرض عطشى.
لكن صورة زوجها السابق، محمود، كانت تلقي بظلالها بين الحين والآخر. لم تكن تلك الذكريات مؤلمة بالمعنى الحرفي، فالسنوات التي قضتها معه كانت قد مرت كغيمة عابرة، لم تترك أثراً عميقاً، أو ربما استطاعت أن تنسج حولها جداراً صلباً من اللامبالاة. كان زواجاً تقليدياً، بارداً، خالياً من الود والرحمة التي أمر الله بهما بين الزوجين. لم تجد فيه شريكاً للحياة، بل مجرد شخص يشاركها مساحتها، ويؤدي واجباته بفتور. رحيلها عنه كان خياراً أملته عليها قناعاتها الراسخة بحق كل إنسان في السعي نحو سعادته، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن حياة رتيبة.
انقطع شرودها بقدوم والدتها، الحاجة زينب، التي كانت تحمل صينية عليها طبق من التمر وبعض الفواكه المجففة. جلست بجانبها، وقالت بصوت هادئ لكنه مفعم بالحب: "ما الذي يشغل بالك يا ابنتي؟ أراكِ سرحتِ بعيداً."
ابتسمت أمينة ابتسامة خفيفة، وقالت: "لا شيء يا أمي، مجرد أفكار عابرة."
قبّلت الحاجة زينب يد ابنتها بحنان، وقالت: "الأفكار العابرة قد تكون مقدمة لأحداث عظيمة. أنا أعرفكِ يا أمينة، قلبكِ كبير ويحمل الكثير. هل الأمر يتعلق بالفرصة الجديدة التي جاءت إلى بابنا؟"
ترددت أمينة قليلاً، ثم قالت: "لقد كان السيد سامي رجلاً فاضلاً يا أمي. حسن الخلق، طيب الكلام. تحدثت معه، وشعرت براحة ما. لكنني... لا أعرف. هل أنا مستعدة حقاً؟"
تنهدت الحاجة زينب، وقالت: "الاستعداد يا ابنتي، ليس دائماً شيئاً نكتسبه بالكامل. أحياناً هو خطوة نخطوها بالإيمان والتوكل على الله. أنتِ امرأة قوية، تعلمتِ الاعتماد على نفسكِ، لكنكِ أيضاً بحاجة لمن يشارككِ الحياة، لمن يشد أزركِ في الأوقات الصعبة، ويشارككِ فرح الأيام الحلوة. رأيتُ فيه يا أمينة، نظرة احترام وتقدير، وهي أمور نفتقدها في هذا الزمان."
"لكن يا أمي، كيف لي أن أثق؟ لقد مرت تجربتي الأولى..."
قاطعتها الحاجة زينب بحزم لطيف: "كل تجربة تعلمنا درساً. تجربتكِ الأولى لم تكن فشلاً، بل كانت محطة عبور. أما سامي، فهو ليس محموداً. هو رجل يملك فهماً دينياً عميقاً، وشخصية مبنية على أسس متينة. ثم إن أهله أناس طيبون، عرفتهم لسنوات، بيت عائلة صالح."
ارتشفت أمينة قليلاً من كوب الشاي الذي قدمته لها والدتها، وأردفت: "أخشى أن أتسرع، أو أن أتخيل ما ليس موجوداً."
"القلب يميل يا ابنتي، ولا يمكننا إجباره. لكن الأهم هو أن يكون هذا الميل في طاعة الله، وأن يبنى على أسس صحيحة. تحدثي إليه مرة أخرى، استمعي جيداً، واسألي الله الهداية. ولا تنسي، أن والدكِ رحمه الله، كان يثق بحدس أمهاتكم. وأنا كأم، أشعر أن في هذا الرجل خيراً لكِ."
تسللت عبارة "والدكِ رحمه الله" إلى مسامع أمينة، لتفتح أبواباً من الحنين إلى أبيها الذي كانت له مكانة عظيمة في قلبها. كان رجلاً يحترم مشاعر زوجته، ويستشيرها في أمور حياتهم، ويعاملها كقرينة وشريكة. كانت ترى في أبيها نموذجاً للرجل المسلم الذي يجمع بين القوة والحنان، وبين القيادة والرفق.
في زاوية أخرى من المدينة، في مكتبه الصغير الذي تفوح منه رائحة الكتب القديمة والقهوة العربية، كان سامي يراجع بعض الوثائق المتعلقة بمشروعه التجاري الجديد. كانت عيناه اللامعتان تعكسان ذكاءً وحزماً، لكن خلف هذا الجدية، كان هناك طيف من الأفكار يدور في ذهنه، لم يكن له علاقة بالعمل.
لقد وقع في حب أمينة منذ اللحظة الأولى لرؤيتها. لم تكن مجرد امرأة جميلة، بل كانت تحمل في ملامحها وقاراً، وفي عينيها عمقاً، وفي حديثها حكمة. كانت تمثل كل ما يبحث عنه في شريكة حياته: امرأة صالحة، ذات خلق ودين، قادرة على بناء بيت مسلم سعيد.
كانت تجربته السابقة، وإن لم تكن بنفس مرارة تجربة أمينة، قد علمته الكثير. لقد رأى كيف يمكن للزواج أن يصبح مجرد عقد، إن غابت عنه المودة والرحمة. لقد رأى زوجات يصارعن الوحدة داخل بيوتهن، رجالاً يمارسون القوامة بسلطوية لا يقرها الدين. لذلك، سعى جاهداً لأن يكون زوجاً يفهم معنى الشراكة، وأن يختار زوجة ترى في الزواج تعهداً بالمودة والتفاهم.
تذكر حديثه مع أخيه، وليد، الذي كان يشجعه على التقدم لخطبة أمينة. قال وليد له: "يا سامي، أمينة فتاة عرفتها منذ صغرها، تربت في بيت طيب، وتملك من الأدب والخلق ما يجعلها خير زوجة. رأيت فيها ما لم تره أنت. إنها كنز، فلا تتردد."
كان لسامي أسبابه التي جعلته يتردد قليلاً في البداية. لم يكن يريد أن يتسرع، أو أن يضغط على أمينة. كان يعلم أنها مرت بتجربة صعبة، وأنها تحتاج إلى وقت لتستعيد ثقتها. لكن شوقه إليها، ورغبته في بناء مستقبل معها، كانا يدفعانه للأمام.
أغلق سامي ملفاته، وأخذ هاتفه. تردد للحظة، ثم كتب رسالة لأمينة: "أيتها السيدة أمينة، آمل أن تكونوا بأفضل حال. لقد فكرت كثيراً في حديثنا الأخير، وأحببت أن أؤكد لكِ أنني ما زلت على رأيي. أرى فيكِ الخير كله، وأتمنى أن تمنحيني فرصة لنتحدث أكثر، لعل الله يجمع قلوبنا على ما يحب ويرضى. هل تسمحين لي بزيارة الغد، للاطمئنان عليكم، وللاستماع إلى ردكِ؟"
أرسل الرسالة، وشعر بقلبه يخفق بقوة. لم يكن يعلم ما ستكون إجابتها، لكنه كان واثقاً بأن قلبه قد اختار، وأن الله هو المدبر.
في تلك الأثناء، كانت أمينة قد استلمت الرسالة. قرأتها مراراً، وشعرت بوخز خفيف في صدرها. لم تكن تدرك لماذا، لكنها كانت تشعر بأن حياتها على وشك أن تتغير. كانت تلك الهمسات التي يرسلها الماضي، تتنافس مع عزيمة الحاضر التي تدفعها نحو مستقبل واعد، مستقبل قد يكون مع سامي.
ارتفعت يدها تدعو: "اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، واهدني إلى سبيل رشدك. اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنها لا يملكها إلا أنت."
لم تكن تعرف بعد، أن غداً سيحمل معه ليس فقط إجابتها، بل أيضاً بداية فصل جديد، فصل ستتداخل فيه خيوط القدر، وتتجسد فيه معاني الوفاء والرحمة.