الحب الحقيقي 196
نسائم الأمل تتنازع مع رياح الشك
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، وبعد أن صلت نورا صلاة الاستخارة، جلست في غرفتها وهي تتأمل مستقبلها. كانت تشعر ببعض الارتياح بعد حديث والدتها مع والدها، ومعرفتهم بأن طارق هو ابن الحاج إبراهيم. هذا وحده كان قد أزال بعض الغموض، ووضع الأمور في نصابها الصحيح من الناحية الاجتماعية. ولكن قلبها كان لا يزال يحمل بقايا قلق. هل سيقبل والدها بهذا الارتباط دون تحفظات؟ وهل ستتمكن والدتها من رؤية ما تراه هي في طارق؟
كانت تحلم بليلة أخرى مع طارق، ليست كليلة اللقاء الأول، بل كليلة يتشارك فيها الأفكار، وتتبادل فيها الوجوه نظرات صادقة. ولكنها كانت تعلم أن هذه اللقاءات يجب أن تتم في إطار شرعي، وأن أي تقدم يجب أن يكون عبر العائلتين.
في هذه الأثناء، كان الحاج محمود قد بدأ بالفعل في جمع المعلومات عن عائلة طارق. لم يكن الأمر يتعلق بالتشكيك، بل كان يتعلق بالحرص على ابنته. كان رجلاً يثق في أبناء بلده، ولكن الأمان كان غريزته الأولى. اتصل ببعض أصدقائه القدامى الذين يعرفون الحاج إبراهيم وعائلته جيداً.
"مرحباً بك يا أبو أحمد. كيف حالك؟" "أهلاً يا محمود. الحمد لله. ما أخبارك؟" "بخير، والحمد لله. كنت أود أن أسألك عن عائلة الحاج إبراهيم، تحديداً عن ابنه طارق." "طارق؟ الشاب المهذب؟ ما شاء الله، شاب على خلق ودين. سمعته طيبة جداً. لقد درس في الخارج، ولكنه لم ينسَ دينه وقيمه. عائلة الحاج إبراهيم من العائلات المحترمة جداً، والمعروفة بالاستقامة." "هذا ما سمعته، وهذا ما جعلني أطمئن قليلاً. ولكني أردت أن أتأكد. سمعت أنهم قد يتقدمون لخطبة نورا." "حقاً؟ هذا خبر سار جداً. سأكون سعيداً لو حدث هذا. فالعائلتان ستكونان متكاملتين. أعرف نورا جيداً، وهي فتاة رائعة. أظن أنها ستكون زوجة مثالية لطارق." "شكراً لك يا أبو أحمد. كلماتك هذه رفعت الكثير من الهم عن كاهلي."
انتهت المكالمة، وشعر الحاج محمود بارتياح أكبر. لقد تأكد له أن عائلة طارق على قدر كبير من الاحترام، وأن الشاب نفسه يتمتع بسمعة ممتازة. كانت هذه المعلومات كافية ليبدأ في التفكير بإيجابية أكبر في هذا الموضوع.
بعد يومين، تلقت الحاجة زينب اتصالاً من السيدة ليلى. "السلام عليكم يا زينب. كيف حالك؟" "وعليكم السلام يا ليلى. الحمد لله. أخبراك؟" "جيدة، الحمد لله. علمت أن هناك اهتماماً بين ابنك طارق وابنتنا نورا. أتصل بكِ لأرى ما هي الخطوة التالية." شعرت الحاجة زينب بالسعادة، ولكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها. "نعم، نورا تحدثت معي عن هذا الشاب. وهي معجبة به. ولكننا لم نصل إلى مرحلة رسمية بعد." "بالتأكيد. ولكن طارق، وبعد استشارة والدته، يرغب في التقدم بشكل رسمي. ويريد أن يعرف متى يمكننا أن نزوركم، أو أن نطلب يد نورا." "هذا ما يتمناه قلبي. طارق شاب سمعته طيبة، وعائلته محترمة. ولكننا نحتاج إلى وقت قليل لاستشارة زوجي، الحاج محمود، وإعلامه بالرغبة الرسمية." "بالتأكيد. سننتظر. ولكن ما هو رأي الحاج محمود؟ هل لدى أي تحفظات؟" "لقد تحدثت معه، وهو يشعر ببعض القلق بشأن ما هو مجهول، ولكن بعد أن عرف أن طارق هو ابن الحاج إبراهيم، ارتاح قليلاً. سأحدثه مجدداً بعد أن تصلكم هذه الرغبة الرسمية." "جيد جداً. إذن، هل يمكننا أن نتوقع زيارة قريباً؟" "سأحدثكِ فور أن نتفق على موعد مناسب. فقط، أريد أن تتأكدي من أن طارق لديه استعداد تام للتعامل مع هذا الأمر بحكمة وروية. فالعائلات مختلفة، والثقافات قد تكون متنوعة." "وهذا هو ما يميز طارق. هو شاب حكيم، ولا يخشى التحديات. سنكون صبورين، وسنقدم طلبنا بكل احترام."
انتهت المكالمة، وشعرت الحاجة زينب أن الأمور بدأت تسير في الاتجاه الصحيح. ولكنها كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ بعد. كان عليها أن تساعد نورا في إقناع والدها، وأن تذلل أي عقبات قد تنشأ.
أما نورا، فقد تلقت الخبر بسعادة غامرة. كانت تعلم أن هذا التقدم الرسمي هو خطوة مهمة جداً. ولكنها كانت لا تزال قلقة بشأن رد فعل والدها. حاولت أن تتحدث معه بأسلوب لطيف، محاولة أن تشرح له ما تشعر به تجاه طارق، وكيف أن دين طارق وخلقه هما ما دفعها إلى الإعجاب به.
"يا أبي، أعرف أنك تريد لي الأفضل. وأنا أثق في حكمتك. ولكنني أشعر بأن طارق شخص مميز. هو شاب يذكرني بالله، ويشجعني على فعل الخير. هو ليس مجرد شاب عادي."
نظر إليها الحاج محمود بعينين تحملان مزيجاً من الحنان والقلق. "يا ابنتي، حب الشباب قنطرة لحب الزواج، ولكن لا يجب أن نندفع. أنا سعيد لأنكِ وجدتي شاباً كهذا. ولكن علينا أن نتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام. وأن هذا الارتباط سيكون مباركاً من جميع النواحي."
"وهل هناك ما يعيق هذا الارتباط يا أبي؟"
"ليس هناك ما يعيق، ولكن هناك ما يستدعي الحذر. سمعت عن عائلته، وهي عائلة محترمة. ولكننا لم نتعامل معهم من قبل. وأنا أريد أن أتأكد من أن كل شيء على ما يرام. وأن هذا الشاب يملك القدرة على تحمل المسؤولية. وعلى توفير حياة كريمة لكِ."
"أبي، طارق ليس شاباً عادياً. هو ابن الحاج إبراهيم، ولديه ثروة كبيرة، ولكن الأهم من ذلك، أنه يملك عقلاً راجحاً وقلباً سليماً."
"هذا ما تقوله والدتك، وهذا ما سمعته من أصدقائي. ولكنني أريد أن أرى بنفسي. أريد أن ألتقي به، وأن أتحدث معه. أريد أن أتأكد أن هذا الزواج سيكون مباركاً."
شعرت نورا بالارتياح. يبدو أن والدها قد بدأ يلين. كان هذا هو المطلوب. الآن، كل ما عليها فعله هو الانتظار، والصلاة، والدعاء أن يوفق الله هذه الخطوة.
في هذه الأثناء، كان طارق يشعر ببعض التوتر. لم يعتد على مثل هذه الأمور. كان يعيش حياته ببساطة، معتمداً على الله، وعلى أخلاقه. ولكن هذه الخطوة لم تكن مجرد خطوة شخصية، بل كانت تتعلق ببناء أسرة، بتكوين بيت مسلم. كان عليه أن يثبت لوالد نورا أنه رجل يستحق هذه الأمانة.
"أمي، هل أنتِ واثقة أنهم سيوافقون؟" سأل طارق والدته. "لماذا لا يوافقون يا بني؟ أنت شاب على خلق ودين، ومن عائلة طيبة. والفتاة، نورا، رأيت فيها ما يعجبني. إنها فتاة طيبة، متدينة. ما الذي قد يجعلهم يرفضون؟" "ولكن والدها، ألا تزال لديه بعض التحفظات؟" "بالتأكيد. الأب يخشى على ابنته. هذا طبيعي. ولكننا سنتعامل مع الأمر بحكمة، وسنثبت لهم أنك تستحق ثقتهم. لا تقلق."
شعرت نورا بأن بصيص الأمل بدأ ينير دروبها. كانت ترى أن العائلتين تبدآن في التلاقي، وأن العقبات بدأت تتلاشى. ولكنها كانت تعلم أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن هناك المزيد من الاختبارات تنتظرها.