الحب الحقيقي 196
همسات القدر في سوق العطارين
بقلم مريم الحسن
كانت رائحة الزعفران والهيل تفوح من أركان سوق العطارين، ممزوجة بعبق البخور الذي يعتلي ببطء نحو سماء القاهرة المبكرة. وقفت نور، وقد تغلغلت هذه الروائح في أعماق روحها، معلنةً عن بداية يوم جديد، يومٍ حمل في طياته ترقباً وتساؤلاتٍ أثقلت قلبها. كانت قد مرت أسابيع منذ لقائها الأول مع أحمد، تلك المقابلة التي لم تكن تتوقعها، والتي قلبت هدوء حياتها المنظمة رأسًا على عقب.
كان أحمد قد وعدها بلقاءٍ آخر، لقاءٍ يبحث فيه الجادون عن سبلٍ واضحةٍ لربط القلوب. ورغم أن وعده كان مباشرًا ولم يحمل أي لبس، إلا أن غياب أحمد عن الأنظار كان يزرع في نفسها شعورًا بالاختلاط بين الأمل والقلق. هل نسي؟ هل وجد أسبابًا للتراجع؟ أم أن الحياة، تلك الماكرة المتغيرة، قد وضعت أمامه عقباتٍ غير متوقعة؟
سارت بين الأكشاك الملونة، تتفحص الأعشاب الطبية والبهارات النادرة، مستخدمةً شغفها بالأعمال اليدوية والعلاج بالأعشاب كمهربٍ مؤقتٍ من دوامة الأفكار. كانت قد أتقنت فن صناعة الزيوت العطرية والمستحضرات الطبيعية، واكتسبت شهرةً طيبةً بين رواد السوق. اليوم، كان عليها أن تلتقي بالسيدة فضيلة، إحدى زبائنها الدائمين، لشراء كميةٍ من الورد المجفف لتحضير ماء الورد البلدي.
"صباح النور يا بنتي!" هتفت السيدة فضيلة بصوتٍ دافئ، وقد بدت ابتسامتها واسعةً كعادتها. "ماذا اشتقتِ اليوم؟ أرى أنكِ تبحثين عن سرٍ جديدٍ لجمالكِ؟"
ابتسمت نور ابتسامةً خجولة، متناولةً كيسًا من الورد الأحمر القاني. "صباح النور يا خالتي. مجرد تفاصيل صغيرة لعملي، هذا الورد بالذات له سحرٌ خاص في تركيباتي."
"بارك الله في يديكِ وعملكِ. سمعتُ عن نجاحكِ الباهر في معرض المنتجات الطبيعية الأخير. ابنة خالتي، فاطمة، كانت هناك واشترت منكِ كريمًا للوجه. تقول إنه أعاد لها شبابها!"
شعرت نور بالدفء يغمرها عند سماع هذا الثناء. كانت تبذل قصارى جهدها لتقديم الأفضل، وكان هذا الاهتمام من الناس دافعًا لها للاستمرار. "الحمد لله، هذا من فضل ربي. أنا سعيدةٌ جدًا لأنها أحبته."
وبينما كانت تتبادل أطراف الحديث مع السيدة فضيلة، لاحظت سيارةً سوداء لامعة تقف على مقربةٍ من السوق. لم تكن سيارةً مألوفة في هذا المكان الضيق. ثم، ومن بين زحام الناس، رأت أحمد يترجل منها. كان يرتدي ملابس أنيقة، تحمل بصمةً واضحةً من الذوق الرفيع، لكن نظراته كانت تبدو متعبةً بعض الشيء، كأنما يحمل همومًا تفوق أوزان البهارات في السوق.
تجمدت نور في مكانها للحظة، وقلبها يخفق بسرعةٍ لم يعهدها. هل جاء ليبحث عنها؟ أم أنها مجرد مصادفة؟
أحمد، بدوره، التقط نظراتها، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على شفتيه. اقترب منها بخطواتٍ مدروسة، متجاوزًا الباعة والزبائن. "نور؟" نادى باسمها، بصوتٍ كان فيه خليطٌ من الارتياح والترقب.
"أحمد؟" خرجت الكلمة منها همسًا، وكأنها تخشى أن يتبخر هذا اللقاء إن رفعته.
"لم أكن أتوقع أن أراكِ هنا." قال وهو يقف أمامها، وعيناه تلمعان بفضولٍ هادئ. "كنتُ آمل أن أجدكِ. هل تسمحين لي ببعض الوقت؟ لدي ما أود قوله."
شعرت نور بلحظةٍ من التردد. كان قلبها يهتف بالموافقة، وعقلها يحذرها من الاندفاع. لكن في عينيه، رأت صدقًا لم تستطع تجاهله. "بالتأكيد، تفضل." قالت، ثم التفتت للسيدة فضيلة. "عذرًا يا خالتي، هل يمكننا إكمال حديثنا لاحقًا؟"
"لا بأس يا ابنتي، افعلي ما يمليه عليكِ قلبكِ." ردت السيدة فضيلة بعينين تدركان ما يجري.
ابتعدت نور مع أحمد قليلًا، إلى زاويةٍ أهدأ قرب نافورةٍ قديمة. الهواء كان مشبعًا برائحة الماء والياسمين المتسلق على الجدران. "ما الذي أتى بكَ إلى هنا، أحمد؟" سألت، محاولةً الحفاظ على هدوئها.
نظر أحمد إلى يديه للحظة، ثم رفع رأسه لينظر إليها. "أتيتُ لأبحث عنكِ. لم أكن أريد أن أتأخر أكثر من ذلك. ظروفٌ مفاجئةٌ ألمت بي، وعلقتني في دوامةٍ من الأعمال التي لم أكن أتوقعها. لكنني لم أنسَ وعدي."
"ظروف؟" سألت نور، بلهجةٍ خفيفةٍ من القلق. "هل كل شيء على ما يرام؟"
تنهد أحمد. "الأمور معقدةٌ بعض الشيء، نور. هناك أمورٌ عائليةٌ خاصةٌ جدًا. والدي، رحمه الله، ترك لي إرثًا كبيرًا، ولكنه أيضًا ترك لي أعباءً وتحدياتٍ لم أكن مستعدًا لها. لديّ بعض الشركاء القدامى لوالدي، وهم يحاولون فرض رأيهم في كل شيء. الأمر برمته يتطلب مني تركيزًا شديدًا، ولكنني لا أريد أن أترككِ تنتظرين دون تفسير."
انحنى قليلاً، ممسكًا بيدها بلطف. لم تكن لمسةً شهوانية، بل كانت لمسةً تحمل احتراما وتأكيدًا. "أنا لا أبحث عن علاقةٍ عابرة، يا نور. وما رأيته فيكِ، وما شعرت به تجاهكِ، جعلني أدرك أنكِ شريكةٌ تستحق أن تعرف ما يجري، وأن تشاركني الطريق إذا ما قدر لنا ذلك. هل ما زلتِ مهتمةً؟"
تغلغل دفء لمسته في روحها. لم تكن الكلمات وحدها كافية، بل الطريقة التي قال بها، والصدق الذي بدا في عينيه، هو ما جعل قلبها يميل. "نعم، أحمد. ما زلتُ مهتمةً. وأنا أقدر صراحتك."
"لديّ خطة." استأنف أحمد، وعيناه تلمعان بلمعةٍ من التصميم. "هناك أمرٌ متعلقٌ بإحدى الشركات القديمة، وهو السبب الرئيسي لهذا التأخير. سأحاول أن أحسم هذا الأمر في أقرب وقتٍ ممكن. أريد أن أتفرغ لكِ، لنتحدث بجديةٍ أكبر، ونضع أساسًا متينًا لمستقبلنا، إن شاء الله."
"وماذا عن هذه المشاكل؟" سألت نور، معبرةً عن قلقها الحقيقي. "لا أريدك أن تحمل همومًا كثيرة."
"سأتعامل معها. هي مجرد مرحلةٌ عابرة. المهم الآن هو أن نحدد موعدًا. هل يمكنكِ الخروج معي للقاءٍ رسميٍ قريبًا؟ ربما عشاءٌ مع عائلتي، لنتعرف على بعضنا البعض بشكلٍ أفضل؟"
شعرت نور بارتباكٍ لطيف. لقاءٌ رسميٌ مع العائلة؟ كانت هذه خطوةٌ جريئة، لكنها كانت أيضًا دليلًا على جديته. "عليّ أن أتحدث مع والديّ أولاً. لم أكن أتوقع هذا التطور السريع."
"أتفهم." قال أحمد، ونظراته تحمل تعاطفًا. "فقط أعلميني بالوقت المناسب لهم. وأنا سأكون حاضرًا. أريد أن أبدأ بالتعريف بكِ لوالديّ، وأن أطلب منهم يدكِ بشكلٍ رسمي، إذا سمح الوقت بذلك."
اختلطت مشاعر نور بين الفرح والخجل. الكلمات كانت تتدفق من أحمد بقوةٍ وجدية، تملأها بالأمل. إن كان هذا هو الحب الحقيقي، فهو لا يأتي بالسهولة، ولكنه يأتي بالثبات والمواجهة.
"سأخبرك." قالت، وشعرت بأن شيئًا ما قد تغير في الهواء من حولهما. لم يعد مجرد لقاءٍ عابر، بل بدايةٌ لشيءٍ أكبر، شيءٍ يحمل وعدًا بالمستقبل.
"أشكركِ، نور." قال أحمد، وقد بدت عيناه تلمعان بامتنان. "أنا ممتنٌ لثقتكِ. وهذا سيعطيني دفعةً قويةً لتجاوز كل العقبات."
ثم، وكأنما تذكر شيئًا، أضاف: "في الحقيقة، لقد أتيتُ إلى هنا بسبب أحد الشركاء القدامى لوالدي. كان لديه موعدٌ مع شخصٍ يعمل في السوق، وسمعتُ اسمه. أردتُ أن أرى ما إذا كان هذا الشخص له علاقةٌ بوالدتي، أو بأي شيءٍ متعلقٍ بماضي والدي."
"والدتك؟" سألت نور، وقد استيقظ فضولها. لم يسمع عنها أحمد كثيرًا.
"نعم، والدتي. لقد توفيتُ وأنا صغيرٌ جدًا، ولم أتعلم الكثير عنها. لكن هذه المشاكل الأخيرة جعلتني أفكر في كل ما تركته. هناك سرٌ ما، نور. شيءٌ يتعلق بموتها، وشيءٌ يتعلق بهذه الشركات."
أحست نور برغبةٍ قويةٍ في فهم ما يدور في عقل أحمد. إن كان لديه ماضٍ يحمل أسرارًا، فهي مستعدةٌ لسماعها. "أتمنى أن تجد كل ما تبحث عنه، أحمد."
"وأنا أتمنى أن أجدكِ على طوال الطريق." قال، وقد وضع يده برفقٍ على يدها مرةً أخرى.
بينما كانت الشمس تتسلق في السماء، وتلقي بظلالها الطويلة على سوق العطارين، شعرت نور بأن حياتها قد اتخذت منعطفًا جديدًا. لم تعد مجرد فتاةٍ تعمل في مجالها، بل أصبحت جزءًا من قصةٍ أكبر، قصةٍ تحمل في طياتها الحب، والأمل، والأسرار.
"عليّ الذهاب الآن." قال أحمد، وقد رفع يده عن يدها. "ولكن هذا ليس وداعًا. أرجو أن تخبريني قريبًا."
"سأفعل." وعدت نور، وقلبها يخفق بلهفةٍ لم تعرفها من قبل.
شاهدت أحمد يبتعد، وعاد إلى سيارته السوداء. كانت رائحة البخور والورد لا تزال تحيط بها، لكن الآن، كانت تحمل معها وعدًا بغدٍ أجمل، وغدٍ يحمل بين طياته قصة حبٍ جديدة، قصة حبٍ حلال، مبنيةً على الصدق والجدارة.