الحب الحقيقي 196
همس الأسرار في جنح الليل
بقلم مريم الحسن
عاد أحمد إلى قصره القديم، الذي يكتنفه صمتٌ ثقيلٌ يكسره فقط صوت عقارب الساعة الكبيرة في بهوه. لم يكن هذا القصر مجرد منزل، بل كان متحفًا من الذكريات، ومركزًا للصراعات الخفية. كانت جدرانه الشاهقة تحمل تاريخ عائلته، وتاريخ والده، الذي ترك خلفه إمبراطوريةً تتهاوى بفعل أيديٍ جشعة.
كانت لقاؤه بنور في سوق العطارين بمثابة نسمةٍ منعشةٍ في جوٍ خانق. أضاءت روحه المتعبة بضوءٍ جديد، ضوءٌ يدعوه للأمل والتفكير في المستقبل. لكنه لم ينسَ المهمة التي دفعته للذهاب إلى هناك. كانت هناك أسئلةٌ عالقةٌ في ذهنه، أسئلةٌ تتعلق بوالدته، وأسرارٌ دفنت معها.
بعد أن استقر في مكتب والده الفخم، الذي تفوح منه رائحة الجلد المعتق والتبغ القديم، فتح أحد الأدراج الخشبية المزخرفة. كان يعرف أن والده كان رجلًا يحب حفظ الأشياء، وربما كان يحتفظ ببعض الوثائق الهامة. بعد البحث لبعض الوقت، عثر على مجلدٍ جلديٍ قديم، بدا وكأنه لم يمسه أحدٌ منذ سنوات.
فتح المجلد بعناية. كانت الأوراق بداخله صفراء، وعليها خطوطٌ تبدو عتيقة. كانت معظمها فواتير، وسجلاتٌ مالية، ورسائلُ عملٍ قديمة. لكن في الجزء السفلي من المجلد، وجد ملفًا صغيرًا، مكتوبًا بخطٍ مختلف، أكثر انسيابيةً وأنثوية. كان هذا الملف يحمل عنوانًا باهتًا: "مقتنياتٌ خاصةٌ – م. أ."
"م. أ." كان حرفا اسم والدته، مريم الأحمد.
فتح الملف بحذر. بداخله، وجد صورًا قديمةً لوالدته، كانت شابةً وجميلةً، تبتسم بخجلٍ في الصور. كانت صورًا تعكس براءةً وحياةً هادئة، حياةٌ تختلف تمامًا عن الواقع الذي عاشه هو. ثم، تحت الصور، وجد رسالةً مطويةً بعناية. كانت مكتوبةً بخط يد والدته.
"إلى ابني الغالي أحمد،" بدأت الرسالة. "إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أعد بجانبك، وأن القدر قد حكم عليّ بالرحيل قبل الأوان. لا تحزن يا بني، فحياتي كانت قصةً مكتوبةً قبل أن تبدأ، ومسيرتي كانت مرسومةً قبل أن أخطو خطواتي الأولى."
توقف أحمد عن القراءة للحظة، يشعر بغصةٍ في حلقه. كانت كلمات والدته مؤلمةً، تحمل ثقل نهايةٍ مبكرة.
"أعلم أنك ستتساءل عن الكثير من الأمور، يا بني. هناك أسرارٌ حملتها معي، أسرارٌ دفعت ثمنها غاليًا. والدك، الرجل العظيم الذي أحببته، كان لديه من الأعداء أكثر مما تتخيل. ولم يكن دائمًا شجاعًا في مواجهة الظلم، بل كان أحيانًا يستسلم للواقع. لكنني، بطريقتي الخاصة، كنت أحاول أن أقاوم."
"هناك رجلٌ في حياتنا، كان صديقًا لوالدك، ولكنه كان يخفي نواياً شريرة. لقد حاولتُ أن أفضح أمره، وأن أحمي عائلتنا منه. لكنه كان أقوى مني، وأكثر مكرًا. لقد استخدم ضعفي، ووضعني في موقفٍ لا أحسد عليه."
"أعلم أنني تركتك وحيدًا، يا بني، ولكن أقسم لك، أن موتي لم يكن طبيعيًا. لقد كان تدبيرًا منه. هو من سعى للتخلص مني، ليبعدني عن طريق والدك، وليضعف موقف عائلتنا. ولكنه لم يستطع أن يسيطر على كل شيء. والداك، أحباك حبًا يفوق كل شيء، وسعيا لضمان مستقبلك."
"في هذا الملف، ستجد بعض الأدلة، يا بني. وثائقٌ تثبت تورطه. أتمنى أن تجد الشجاعة لتواجهه، وأن تأخذ حقنا. لا تدع اسمه يلوث سمعة والدك. واعلم أنني أحببتك أكثر من روحي، وأنني دائمًا معك."
"والدتك المخلصة، مريم."
انهت والدته رسالتها. شعر أحمد بأن قلبه يتجمد. لم يكن يتخيل أن وفاة والدته كانت مؤلمةً إلى هذا الحد، وأنها كانت نتيجةً لمكيدةٍ وخيانة.
بدأ يتفحص الوثائق الموجودة في الملف. كانت عبارة عن صورٍ لعقودٍ ماليةٍ مشبوهة، ورسائلٌ تهديديةٌ موقعةٌ باسمٍ كان مألوفًا له. كان هذا الاسم هو اسم أحد الشركاء القدامى لوالده، الرجل الذي كان يحاول الآن فرض سيطرته على أعماله.
"خالد بك!" تمتم أحمد باسم الرجل، وقد غلي الدم في عروقه. لم يكن يتوقع أبدًا أن يكون هذا الرجل هو المسؤول عن مأساة والدته.
كانت الوثائق في الملف تروي قصةً كاملةً من الخيانة والغدر. كانت تدور حول صفقاتٍ سريةٍ قام بها خالد مع شخصياتٍ مشبوهة، بهدف الاستيلاء على أموالٍ كبيرةٍ تخص والده، وباستغلال علاقتهما القوية. وعندما حاولت والدته كشف هذه الخيانة، قرر خالد التخلص منها.
شعر أحمد بأن العالم ينهار من حوله. كل ما كان يعتقده عن ماضيه، وعن عائلته، كان يتغير. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالشركات والأموال، بل بالانتقام، وبالكشف عن حقيقةٍ مؤلمة.
كانت هذه الأسرار هي السبب الذي دفعه للبحث في سوق العطارين. لقد سمع أن خالد كان لديه موعدٌ مع شخصٍ يعمل هناك، شخصٌ يدعى "الحكيم". كان يتوقع أن يكون هذا "الحكيم" هو الشخص الذي كان يتعامل معه خالد في صفقاته المشبوهة.
خرج من مكتبه، متوجهًا نحو السيارة. كانت مهمته الآن قد اتضحت. لم يعد الأمر مجرد حماية إمبراطورية والده، بل كشف حقيقةٍ مؤلمة، واستعادة كرامة والدته، وتحقيق العدالة.
في طريقه إلى السوق، كانت صور والدته وهي تبتسم براءةً تتراقص أمام عينيه. كان يراها شابةً قوية، لم تستسلم للظلم. ثم، يتذكر كلمات نور، وكيف أنها كانت دافعًا له للأمل. ربما كانت نور هي البداية لحياةٍ جديدة، حياةٌ خاليةٌ من الأسرار والخيانة.
وصل إلى سوق العطارين، حيث كانت الحركة لا تزال نشطةً رغم حلول المساء. بدأت الأضواء تتلألأ، وتفوح روائح الأطعمة والمشروبات. بحث عن "الحكيم"، وسأل بعض الباعة، حتى دلّوه على رجلٍ مسنٍ يجلس في زاويةٍ هادئة، تحيط به رائحة بخورٍ مميزة.
اقترب منه، واضعًا في اعتباره ما قد يحدث. "مساء الخير." قال أحمد بصوتٍ هادئ. "هل أنت الحكيم؟"
رفع الرجل رأسه ببطء، وعيناه تتأملانه بتمعن. "نعم، أنا هو. وماذا تريد مني أيها الشاب؟"
"أريد أن أعرف شيئًا عن خالد بك." قال أحمد، مباشرةً.
شعر أحمد بتغيرٍ مفاجئٍ في تعابير وجه الرجل. اختفت الابتسامة، وحل محلها قلقٌ خفي. "خالد؟ وما شأن خالد بك؟"
"أعلم أنه كان لديه موعدٌ معك." قال أحمد. "وأنا أريد أن أعرف ماذا كان يتفاوض عليه."
نظر الرجل حوله، ثم همس: "الأمر خطيرٌ جدًا. لا يجب أن تتحدث عن هذه الأمور هنا."
"أنا مستعدٌ لتحمل المخاطر." قال أحمد، وعيناه تشتعلان بالإصرار. "أريد أن أعرف الحقيقة."
"خالد بك ليس رجلاً عاديًا." قال الحكيم، بصوتٍ يرتجف قليلاً. "إنه متورطٌ في أمورٍ لا ينبغي الحديث عنها. لقد كان يتفاوض معي على شراء كميةٍ كبيرةٍ من مادةٍ نادرة، وهي مادةٌ تستخدم في صناعة بعض العقاقير الخطيرة."
"عقاقير خطيرة؟" سأل أحمد، متفاجئًا.
"نعم. مادةٌ يمكن استخدامها لأغراضٍ طبية، ولكنها أيضًا مادةٌ يمكن أن تكون قاتلةً إذا تم استخدامها بشكلٍ خاطئ. خالد بك كان يريدها لشيءٍ ما، شيءٌ لم يوضح لي. ولكنني أخشى أنه كان يخطط لشيءٍ سيء."
شعر أحمد بأن خيوط المؤامرة تتشابك. لم تعد والدته مجرد ضحية، بل ربما كانت هناك جرائمٌ أخرى ترتبط بخالد بك.
"هل تعلم أين يأخذ هذه المواد؟" سأل أحمد.
"لا أعلم." قال الحكيم. "ولكنني سمعتُ أنه يتعامل مع شخصٍ غامضٍ جدًا. شخصٌ لا يعرفه أحدٌ اسمه."
"هل لديك أي وصفٍ لهذا الشخص؟" سأل أحمد، بكل ما لديه من شغفٍ لمعرفة الحقيقة.
"لا. ولكن سمعتُ أنه يأتي في الليل، ويتحدث بلغةٍ غريبة. وله علامةٌ مميزةٌ في يده."
"علامةٌ؟"
"نعم، علامةٌ تشبه النجمة."
تذكر أحمد صورةً قديمةً لوالدته، كانت تحمل فيها قلادةً على شكل نجمة. هل كان هناك رابط؟
"شكرًا لك." قال أحمد، وقد امتلأ عقله بالأسئلة.
خرج من السوق، وعاد إلى سيارته. كانت السماء قد أظلمت تمامًا، والنجوم تتلألأ في الأعلى. كانت كلماته والدته لا تزال ترن في أذنيه، وكلمات نور تمنحه الأمل.
لم يعد لديه وقتٌ للتأخير. عليه أن يكتشف الحقيقة، ويكشف عن كل الأسرار. كانت معركةٌ مريرةٌ تنتظره، معركةٌ ضد الخيانة، وضد الظلام.