الفصل 18 / 25

الحب الحقيقي 196

أسرار العائلة وخيوط العنكبوت

بقلم مريم الحسن

عادت سارة إلى غرفتها، وقلبها يضطرب كفراشة محاصرة. الكلمات التي تفوه بها بدر كانت كالصواعق، قد تضيء جوانب مظلمة، لكنها في الوقت نفسه تبعث الخوف في النفس. "صلة قديمة"، "اختلاف في النسب"، "التزامات عهد". كانت هذه العبارات ترسم مشهدًا معقدًا، يكشف عن طبقات خفية من تاريخ عائلة آل فخر الدين، طبقات لم تكن سارة ولا بدر على دراية بها.

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على حدائق القصر، كان الشيخ جلال يجلس في مكتبه، يستقبل أحد كبار السن في العائلة، وهو عم محمود، الذي كان يعتبر بمثابة حارس لأسرار العائلة. كان وجه عم محمود مليئًا بتجاعيد السنين، وعيناه تحملان بريقًا حكيمًا، ولكنه كان يخفي وراءه ثقلًا من المعرفة.

"يا شيخ جلال،" بدأ عم محمود بصوت خفيض، "لقد استدعيتني، وأعلم أن الأمر جلل. قضية بدر وسارة، أليس كذلك؟"

أومأ الشيخ جلال برأسه. "نعم يا عم محمود. لقد اكتشفت مؤخرًا ما أدى إلى هذا الموقف. قضية جدة... تتطلب منا التزامًا."

"أعلم،" قال عم محمود، ثم صمت للحظة. "لقد سمعت الهمسات، وشعرت بأن هناك شيئًا سيظهر. تلك القصة... ليست بجديدة، ولكنها كانت مدفونة بعمق. قصة الجدة "ليلى". كانت من بلاد بعيدة، تحمل معها أسرارًا، وسمعة... قديمة. زواجها من جدك الأكبر، الشيخ سليمان، كان له شروط. شروط لم تكن مجرد كلمة، بل كانت عهدًا مكتوبًا."

"ما هي هذه الشروط بالتحديد يا عم محمود؟" سأل الشيخ جلال، وقد شعر بالفضول يتزايد، وبالقلق يتضاعف. "الوثائق التي وجدتها كانت غامضة، وتشير إلى التزام بالحفاظ على صفاء نسب العائلة، وعدم الاختلاط بذات الأصول."

"الصفاء، يا شيخ جلال، لم يكن يتعلق بالعرق أو اللون، بل بالوفاء لقسم أقسمه جدك سليمان،" أوضح عم محمود. "لقد كان مضطرًا، في بداية حياته، لقبول هذا الزواج، ولكنه لم يكن يرغب في ذلك. ولذلك، اشترط في وثيقة الزواج، التي كتبها بنفسه، أن أي زواج مستقبلي لأبنائه وأحفاده، من ذوات الأصول التي تشبه أصول الجدة ليلى، ممن يحملن نفس الندبة الروحية، أو ما يشابهها، ممن اضطروا لقبولها في وقت ما، لن يكون مبروكًا. بل سيعتبر مخالفًا للعهد، وسيضعف من قوة العائلة."

ذهل الشيخ جلال. "ندبة روحية؟ ما هذا الكلام يا عم محمود؟"

"لقد كانت الجدة ليلى، يا شيخ جلال، تحمل في قلبها جرحًا عميقًا، سببه ظلم لحق بها في قومها. وقد أقسمت، عند زواجها، بأنها لن تسمح بأن يمر نفس الظلم على نسلها. وكان جدك سليمان، حبًا لها، أو خوفًا منها، قد تعهد بالحفاظ على نسلها من أي ظلم مشابه. وهذا التعهد، تبلور في شكل هذا الالتزام. أي امرأة تحمل في روحها نفس الاستعداد للتضحية، أو نفس الصبر على الظلم، أو ما شابه، فإن زواجها بأحد أحفاد سليمان يعتبر ممنوعًا، احترامًا لهذا العهد. وهذا ليس مجرد منع، بل هو حماية لهذه العائلة من تكرار نفس المصير."

"ولكن، كيف يمكن التأكد من وجود هذه "الندبة الروحية"؟" تساءل الشيخ جلال، وشعر بأن الأمور تزداد تعقيدًا.

"هذا هو الجزء الأصعب،" أجاب عم محمود. "لا توجد علامة مادية. بل هو شعور، وإحساس، ورؤية. يرى بعض كبار العائلة، ممن لديهم بصيرة، هذه الأمور. وقد رأيت أنا، شخصيًا، في سارة، تلك الروح النقية، الشجاعة، والصابرة، والتي تحمل في طياتها ذلك القدر من العفوية والتسامح، الذي قد يتشابه مع ما حدث للجدة ليلى. لقد رأيت فيها امتدادًا لتلك الروح التي تعبت من الظلم. وهو ما جعلني أخشى هذا اليوم."

شعر الشيخ جلال بالدوار. لم يكن الأمر يتعلق بمسألة نسب بسيطة، بل كان يلامس جوانب روحية، وجوانب تتعلق بالوفاء بالعهود. كان هو، كشيخ للعائلة، مسؤولًا عن حماية هذا العهد.

في هذه الأثناء، كانت سارة قد طلبت من والدتها، السيدة فاطمة، أن تتحدثا على انفراد. كانت فاطمة، رغم قلقها على ابنتها، تحاول أن تبدو قوية.

"أمي،" بدأت سارة، وقد استجمعت شجاعتها، "هل لديكِ أي فكرة عن هذه القضايا التي يتحدث عنها بدر ووالده؟ عن تاريخ عائلتنا؟"

نظرت فاطمة إلى ابنتها بعينين ملؤهما الحب والقلق. "حبيبتي، تاريخ العائلات دائمًا ما يكون مليئًا بالقصص، بعضها سعيد وبعضها مؤلم. ولكن، ما علاقة هذا بنا؟"

"بدر يقول إن هناك صلة... قديمة."

"صلة؟" تكررت فاطمة، وقد شعرت بأن شيئًا غريبًا يحدث. "لا أذكر أننا تحدثنا عن أي صلة بعيدة مع عائلة آل فخر الدين، سوى علاقتنا الاجتماعية."

"بدر قال إن والده اكتشف أن الجدة... جدة جد بدر، كانت من أصول مختلفة، وأن هناك التزامًا يقضي بعدم الزواج من ذوات الأصول التي تحمل نفس... الندبة الروحية، أو ما شابه."

صدمت فاطمة. "ندبة روحية؟ ما هذا الكلام يا سارة؟ هل هو مزاح؟"

"لا يا أمي، إنه جاد. وبدر يقول إن والده يرى أنني قد أكون ممن ينطبق عليهن هذا الأمر."

بدأت فاطمة تفكر بعمق. لقد كانت تعرف عائلتها جيدًا، ولكنها لم تسمع يومًا بمثل هذه القصص. "يا ابنتي، لعل الأمر مجرد سوء فهم، أو مبالغة من قبل الشيخ جلال. لا تقلقي. أنتِ ابنتي، وأعرف قلبكِ الطيب. لا تحملين فيكِ أي سوء."

"ولكن يا أمي، إذا كان الأمر حقيقيًا، وإذا كان الشيخ جلال مقتنعًا به، فماذا نفعل؟" سألت سارة، وقد شعرت بضياع كبير.

"علينا أن نتحدث مع بدر مرة أخرى، وأن نستوضح كل شيء. وربما، علينا أن نلتمس مساعدة من شخص حكيم، يفهم هذه الأمور."

لم تكن فاطمة تعلم أن "الشخص الحكيم" الذي قد تحتاجه سارة، كان يجلس في مكتب مجاور، يفتح ملفات الماضي، ويكشف عن خيوط العنكبوت التي نسجت حول عائلة آل فخر الدين، والتي قد تمتد لتشمل سارة وبدر. لقد كانت الأسرار تتكشف، وكانت المعركة الحقيقية، لم تبدأ بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%