الحب الحقيقي 196
قيود العادات ووهج الأماني
بقلم مريم الحسن
كانت رائحة القهوة العربية الممزوجة بهيلٍ فواحٍ تملأ أرجاء الديوان، تبعث في النفس طمأنينةً ودِفئًا، وكأنها صدىً لتاريخٍ عريقٍ توارثته الأجيال. جلس أحمد، وقد غابت شمسُ يومٍ آخرٍ تاركةً خلفها سماءً تتلون بأحمرَ خجول، وعيناه تتأملان انعكاسَ ماضٍ يلوحُ في الأفق، حاضرٌ بقوةٍ يثقلُ كاهله. كان قد اعتادَ على هذه اللحظات الهادئة، لحظاتٍ يصفّي فيها ذهنه، لكن اليوم، كان هناك ما يكدر صفوه، ظلٌّ ثقيلٌ يخيمُ على روحه، يمنعه من استشعارِ سكينتها المعهودة.
تنهدَ بصوتٍ خافتٍ، لم يسمعه سوى صدى أنفاسه. كان الأمرُ يتعلقُ بعماد. لم يكن عمادٌ بالنسبة له مجرد صديقٍ أو ابنٍ لأحدِ كبارِ العائلة، بل كان كأخٍ أصغر، تربى معه، وتقاسما أحلامَ الطفولةِ ومشاغباتها. كان يرى فيه الخيرَ والنبلاء، لكنه في الآونةِ الأخيرة، كان يشعرُ بأن شيئًا ما قد تغير. تسرّبَ إليه خبرٌ، كسمٍ بطيء، عن انغماسِ عمادٍ في أمورٍ لا تليقُ بمكانته، أمورٌ تُغضبُ الربَّ وتُورثُ الندم.
تذكرَ حديثهُ الأخيرَ مع عماد، حينما لمحَ في عينيه لمعةً زائفة، بريقَ سعيٍ وراءَ ما لا يُرضي الله. حاولَ أحمدُ أن ينصحه، أن يُشيرَ إلى الطريقِ المستقيم، لكن عمادًا، وقد اعتلت وجهه ابتسامةٌ باهتة، أبدى تجاوبًا ظاهريًا، يخفي خلفه تمردًا صامتًا. "يا عم أحمد، الحياةُ قصيرة، فلماذا نحرمُ أنفسنا من لذائذها؟" كانت كلماته كطعنةٍ باردة، أصابتْ قلبَ أحمد الذي يؤمنُ بأن اللذةَ الحقيقيةَ تكمنُ في رضى الخالقِ وطاعته.
شعرَ أحمدٌ بالثقلِ يتزايد. لم يكن الأمرُ مجردَ نصيحةٍ عابرة، بل كان قلقًا عميقًا على مستقبلِ شابٍ كان يراهُ أملًا للمستقبل. كانت العاداتُ السيئةُ كالسجنِ الذي يلتفُّ حولَ الروح، يسرقُ منها نقاءها ويُطفئُ نورَها. كان يعلمُ جيدًا، من واقعِ تجاربَ مريرةٍ عاشها هو نفسه في شبابه، كيف يكونُ الانجرافُ وراءَ الشهواتِ وهمٍ سرعانَ ما يتبدد، مخلفًا فراغًا لا تُسدهُ كنوزُ الدنيا.
وقفَ أحمدُ متوجهًا نحو النافذةِ المطلةِ على الحديقةِ الفسيحة. كانت أشجارُ الزيتونِ الشامخةِ تقفُ كشهودٍ صامتين على قصصِ الحبِّ والوفاء، وعلى صراعاتِ النفسِ التي لا تنتهي. فكرَ في زوجتهِ الحبيبة، أمينة، وفي ابنتهم الوحيدة، سارة، التي كانت تزهرُ كل يومٍ كوردةٍ في بستانِ حياتهم. كان يتمنى أن ترى سارةٌ في عمادٍ صورةَ الشابِّ المسلمِ الذي يفتخرُ به، لا صورةَ من ضلَّ الطريق.
"هل أتدخل؟ هل أواجهه؟" تساءلَ بصوتٍ مسموعٍ هذه المرة، وقد مزقَ الصمتَ الداخلي. كانت الحدودُ دائمًا ما تشكلُ تحديًا. كيفَ له أن يُعالجَ جرحًا عميقًا دونَ أن يزيدَ من ألمه؟ كيفَ له أن يُضيءَ له الطريقَ دونَ أن يُعميهِ نورُه؟ كان يعرفُ أن عمادًا يعيشُ في عالمٍ يختلفُ عن عالمه، عالمٍ تتداخلُ فيه رغباتٌ وشبهاتٌ يصعبُ التفريقُ بينها.
أتتْ أمينةُ تحملُ صينيةً عليها كوبانِ من الشاي، والبخارُ يتصاعدُ منهما برفق. "ماذا بك يا أحمد؟ تبدو مهمومًا." قالت بصوتها الهادئ، الذي كان دائمًا ما يبعثُ السكينةَ في قلبه.
جلستْ بجانبه، ولم تقل شيئًا، فقط وضعتْ يدها الصغيرةَ على يده الكبيرة. كان هذا الصمتُ المشتركُ أبلغَ من أي كلام. كانا يتفهمانِ بعضهما البعضَ بعمقٍ، بعلاقةٍ نسجتْ خيوطها على مدارِ سنواتٍ من الحبِّ والتفاهم.
"إنه عماد، يا أمينة." قالَ أحمدُ أخيرًا، وقد استجمعَ شتاتَ أفكاره. "أخشى عليه. يخيفني ما أسمعُ عنه."
نظرتْ إليه أمينةُ بعينينِ تشعانُ بالحكمةِ والتعاطف. "اللهُ يرى، يا أحمد. ولكنَّه أيضًا غفورٌ رحيم. ربما يحتاجُ إلى يدٍ حانية، إلى قلبٍ يفهمه."
"لكني لا أعرفُ كيفَ أصلُ إليه. يبدو أن هناكَ جدارًا قد بناه حولَ نفسه، لا يسمحُ لأحدٍ بالعبور."
"الجدرانُ تُبنى من الخوفِ والوحدةِ يا أحمد. ربما هو يخشى من حكمِ الناس، أو يشعرُ أنه وحيدٌ في صراعه."
فكرَ أحمدٌ في كلماتها. كان يعلمُ أن أمينةَ تمتلكُ قدرةً فريدةً على اختراقِ النفوس، على فهمِ ما لا يُقال. "ولكن ما الذي يمكنني فعله؟ هل أواجبهُ بما سمعت؟"
"الصبرُ مفتاحُ الفرج، يا عزيزي. ولا تُلقِ باللومِ جزافًا. حاوِلْ أن تقتربَ منه، أن تستمعَ إليه، دونَ أن تُصدرَ أحكامًا. وادعُ اللهَ له بالهداية."
ابتسمَ أحمدُ امتنانًا. كانت كلماتها كبلسمٍ على جرحٍ غائر. كان يعلمُ أن طريقهُ لن يكونَ سهلاً، لكنه لم يكن لييأس. كان عمادٌ جزءًا من نسيجِ عائلتهم، ولم يكن ليسمحَ بأن تتمزقَ تلكَ الخيوطُ بسهولة.
"سأحاول، يا أمينة. سأحاولُ أن أكونَ له الأخَ الذي يحتاجه." قالَ وهو يشعرُ بتجددِ العزمِ في قلبه.
نظرتْ إليه أمينةُ بعينينِ مليئتينِ بالحبِّ والفخر. "وأنا معك، يا أحمد. دائمًا."
شعرَ أحمدٌ بأن ثقلَ الهمِّ قد خفَّ قليلاً. كانت المشكلةُ عميقة، والحلولُ ليستْ واضحة، لكن وجودَ أمينةَ بجانبه، وتفهمها العميق، كانا كالنورِ الذي يضيءُ له دروبَ اليقين. أدركَ أن الصراعَ ليسَ مع عمادٍ فقط، بل مع تلكَ القيودِ الخفيةِ التي تُحكمُ قبضتها على أرواحٍ تبحثُ عن الضوء.
أخذَ أحمدٌ يحتسي قهوتهُ الممزوجةَ بمرارةِ القلقِ وحلاوةِ الأمل. كان يعلمُ أن الفصلَ القادمَ من حياةِ عمادٍ، ومن حياته هو أيضًا، لن يكونَ سهلاً. فصراعاتُ النفوسِ مع أهوائها، ومع ما يحيطُ بها من إغراءاتٍ، هي المعركةُ الأشدُّ ضراوةً، ومعركتهُ مع عمادٍ بدأتْ للتو.