الحب الحقيقي 196
ظلال الشك وومضات الرجاء
بقلم مريم الحسن
كانتْ صلاةُ الفجرِ قد انجلتْ، وتركتْ خلفها هدوءًا سميكًا يلفُّ أنحاءَ المدينةِ النائمة. لكنَّ قلبَ سارةَ لم يكنْ هادئًا. كانتْ تتقلبُ في فراشها، وعيناها مفتوحتانِ على سقفِ الغرفةِ الذي لطالما كانَ ملاذَ أحلامها. اليوم، كانتْ الأحلامُ أشدَّ وأعقد.
مرَّتْ الأيامُ منذُ لقائها الأولِ بعليٍ، الشابِّ الذي اقتحمَ حياتها كشمسٍ فجرٍ مفاجئة، تاركًا خلفه أثرًا من النورِ والدفء. كانتْ تذكرُ تلكَ النظرةَ الأولى، حينما التقيا في مكتبةِ الأستاذِ الجامعي، وكأنَّ القدرَ قد أدارَ عجلةَ الزمنِ ليجمعهما في تلكَ اللحظةِ المباركة. كانتْ كلماته، وإنْ قليلة، قد تركتْ في روحها أثرًا عميقًا. حديثهُ عن شغفهِ بالعلومِ الشرعية، عن حلمه بالعودةِ إلى خدمةِ مجتمعه، قد لامسَ وترًا حساسًا فيها.
لكنَّ التفكيرَ في عليٍ لم يكنْ وحدهُ ما يُقلقُ سارة. كانتْ هناكَ همومٌ أخرى، كظلٍّ باهتٍ يتبعُ أثرَ النور. همومٌ تتعلقُ بعائلتها، وبمستقبلها. كانَ والدها، أحمد، قد بدأَ مؤخرًا في إظهارِ علاماتِ قلقٍ متزايدةٍ تتعلقُ بعماد. كانتْ سارةُ تسمعُ الهمساتِ، ترى الوجوهَ المتجهمةَ، وتشعرُ بأن هناكَ سرًا يُدارى عنهم، سرًا قد يُلقي بظلاله على مستقبلهم جميعًا.
تذكرتْ عشاءً عائليًا قبلَ بضعةِ أيام. كانَ الأجواءُ متوترة، وإنْ حاولَ الجميعُ إظهارَ البهجة. كانَ عمادٌ حاضرًا، يبدو شاحبًا، وعيناهُ تحملانِ فراغًا غريبًا. سمعتْ والدها يتحدثُ مع عمادٍ بصوتٍ خفيض، محاولاً استيضاحَ بعضَ الأمور، لكنَّ عمادًا كانَ يتهربُ، ويُقدمُ أعذارًا واهية. "ربما هو متعبٌ فقط، يا أبي." قالتْ سارةٌ في محاولةٍ لتخفيفِ الاحتقان، لكنَّ والدها نظرَ إليها بنظرةٍ تحملُ الكثيرَ من الأسى، وكأنَّه يقولُ لها: "الأمرُ أعمقُ من ذلك."
كانتْ سارةُ تؤمنُ بأنَّ الأسرةَ هي أقوى حصنٍ يمكنُ أن يحتميَ به المرء. كانتْ ترى في علاقةِ والديها، أحمدَ وأمينة، نموذجًا مثاليًا للحبِّ الحلال، المبنيِّ على الاحترامِ والتفاهمِ والدعمِ المتبادل. كانتْ تتمنى أن تجدَ مثلَ هذا الحبِّ في حياتها، حبًا يُرضي اللهَ ويُرضي الأهل.
لكنَّ الانجرافَ وراءَ الرغباتِ، أو الانغماسَ في ملذاتٍ زائلة، كانَ شيئًا تخشاهُ بشدة. كانتْ قد رأتْ من قبلُ كيفَ تُدمرُ بعضُ العاداتِ السيئةِ حياةَ أناسٍ طيبين، وكيفَ تُطفئُ بريقَ الأملِ في عيونهم. هل كانَ عمادٌ يمرُّ بشيءٍ من هذا؟ هل كانَ أسيرًا لشيءٍ لا يمكنُه التخلصُ منه؟
فكرتْ في عليٍ مرةً أخرى. كانتْ تتذكرُ في لقائهما الثاني، الذي كانَ صدفةً في حديقةِ الحيِّ، كيفَ تحدثَ عن أهميةِ تقوى اللهِ والبعدِ عن الشبهات. كانتْ كلماته تحملُ قوةً وإيمانًا، وكأنَّه كانَ يتحدثُ عن أمرٍ يخصُّه مباشرة.
"أرى فيكِ نورًا، يا سارة." قالَ لها عليٌ في تلكَ المناسبة، وقد ابتسمَ ابتسامةً دافئة. "نورَ إيمانٍ وحكمة. أتمنى أن يزدادَ هذا النورُ تألقًا."
شعرتْ سارةُ بخجلٍ لطيف، لكنَّ كلماته قد زرعتْ فيها شعورًا بالفخرِ والأمل. هل كانَ عليٌ يرى ما في قلبها؟ هل كانَ يرى صراعها الداخلي؟
فجأةً، رنَّ هاتفها. كانتْ أمينة. "صباح الخير يا ابنتي. هل استيقظتِ؟"
"صباح النور يا أمي. نعم، أنا مستيقظة."
"أتيتُ إليكِ، مع بعضِ الفطائرِ الطازجة. أردتُ أن أتحدثَ معكِ قليلًا."
شعرتْ سارةُ بفضولٍ ممزوجٍ بقلق. والدتها لا تزورها في هذا الوقتِ إلا إذا كانَ هناكَ أمرٌ مهم.
بعدَ دقائقَ معدودة، سمعتْ طرقَ الباب. فتحتْ لها والدتها، وفي يدها طبقٌ يفوحُ منهُ عبيرُ الزعترِ والجبن. جلستْ أمينةُ بجوارِ سارةَ على الأريكة، وقبلَ أن تبدأَ بالحديث، احتضنتها بقوة.
"ما الأمرُ يا أمي؟" سألتْ سارةُ بخوفٍ مكتوم.
"لا شيءَ يدعو للخوف، يا بنيتي. لكنَّني شعرتُ بأنَّكِ قد تكونينَ قلقةً قليلًا في هذهِ الأيام." قالتْ أمينةُ وهي تنظرُ إلى عيني ابنتها. "خاصةً بعدَ أن سمعتُ والدكِ يتحدثُ عن عماد."
تجمدتْ سارةُ للحظة. كانَ والدها قد شاركَ زوجتهُ قلقهُ. "نعم يا أمي. أنا قلقةٌ عليهِ جدًا. أرى التغييرَ فيه، وأخشى أن يكونَ قد انحرفَ عن الطريق."
"والدكِ قلقٌ جدًا. وهو على حق. سمعتُ بعضَ الهمساتِ التي لا تسرُّ. بعضُ الأمورِ التي لا تليقُ بشابٍ مثله، وشابٍ نعرفُ أنَّ عائلتهُ تتمسكُ بالأخلاقِ والقيم."
"هل الأمرُ خطيرٌ يا أمي؟" سألتْ سارةُ بصوتٍ مرتجف.
"الخطورةُ تكمنُ في الاستمرار، يا سارة. في الانغماسِ في ما يُغضبُ الله. الأدمانُ، بشتى أشكاله، هو سجنٌ يبتلعُ الإنسانَ دونَ أن يشعر. وقد سمعتُ أنَّ عمادًا قد يكونُ يعاني من بعضِ هذهِ الأمور."
شعرتْ سارةُ بالدموعِ تتجمعُ في عينيها. "ولكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ أبي يحاولُ، ولكنهُ لا يستطيعُ الوصولَ إليه."
"أبوكِ يحاولُ، وأنا أحاولُ. وأنتِ أيضًا، يا سارة، لديكِ دورٌ تلعبينه."
نظرتْ سارةُ إلى والدتها بدهشة. "أنا؟ وما هو دوري؟"
"أنتِ شابةٌ طيبةٌ، ذاتُ قلبٍ نقي. قد يكونُ عمادٌ يستمعُ إليكِ أكثرَ مما يستمعُ إلى غيرك. هو يعرفُ أنكِ شخصٌ لا يُصدرُ أحكامًا، وأنكِ تهتمينَ لأمره. ربما لو تحدثتِ معه، بأسلوبٍ لطيفٍ وغيرِ مباشر، عن أهميةِ السعادةِ الحقيقية، عن بركةِ الرزقِ الحلال، عن راحةِ الضمير... ربما يصلُ كلامكِ إلى قلبه."
فكرتْ سارةُ في الأمر. كانتْ فكرةً شجاعةً، لكنها تحملُ في طياتها شيئًا من الرجاء. كانتْ تحبُّ عمادًا كابنٍ لأحدِ كبارِ العائلة، وترى فيهِ مستقبلًا مشرقًا قد ضاعَ ضوءه.
"ولكن... كيفَ؟" سألتْ بخجل.
"ابدئي بالحديثِ عن نفسكِ، عن طموحاتكِ. ثم اسأليهِ عن طموحاته. دعيهِ يتحدث. حاولي أن تفهمي ما الذي يُزعجه. إذا شعرتِ بأنَّه يميلُ إلى الحديثِ عن أشياءَ سلبية، حاولي أن تُغيري الموضوعَ بلطفٍ إلى ذكرِ الله، أو ذكرِ الأقاربِ الصالحين، أو حتى ذكرِ ذكرياتٍ جميلةٍ لكم معًا في الماضي. الهدفُ هو أن تشعريهُ بأنَّ هناكَ من يهتمُّ به، وأنَّ الحياةَ ليستْ مجردَ لحظاتٍ عابرةٍ من اللذةِ الزائفة."
"وهل يجبُ أن أذكرَ لهُ ما يقولون؟"
"لا، ليسَ الآن. ليسَ بطريقةِ الاتهام. الصبرُ واللينُ هما المفتاح. فقط اجعليهِ يشعرُ بأنَّ الأبوابَ مفتوحةٌ أمامهُ دائمًا. وأنَّ هناكَ من يمدُّ يدَ العونِ لهُ إنْ احتاج."
نظرتْ سارةُ إلى والدتها، وشعرتْ بتجددِ القوةِ في روحها. كانَ الصراعُ داخليًا، وكانَ العلاجُ يتطلبُ حكمةً وصبرًا. أدركتْ أنَّ دورها يتجاوزُ مجردَ الانتظار. كانَ عليها أن تكونَ جزءًا من الحل.
"سأحاول، يا أمي. سأبذلُ قصارى جهدي."
"أعلمُ أنكِ ستفعلين، يا حبيبتي. أنتِ ابنتي، وأعرفُ معدنكِ الأصيل." قالتْ أمينةُ مبتسمةً، وهي تُعيدُ احتضانَ ابنتها. "واللهُ معَ الصابرين."
بقيتْ سارةُ بعدَ رحيلِ والدتها، وهي تحتسي قهوتها الصباحية. كانتْ الأفكارُ تتصارعُ في رأسها، ممزوجةً بمزيجٍ غريبٍ من القلقِ والرجاء. كانتْ تعرفُ أنَّ طريقَها لن يكونَ مفروشًا بالورود. فمعالجةُ أدمانٍ، أو انحرافٍ، تتطلبُ جهدًا خارقًا، ودعاءً مستمرًا. لكنَّها في الوقتِ نفسه، شعرتْ بوميضِ أملٍ في قلبها. أملٌ بأنَّ كلماتها، وإنْ كانتْ بسيطة، قد تكونُ شرارةً تُشعلُ نارَ التغييرِ في روحِ عماد.