الحب الحقيقي 196
بين الرغبة واليقين
بقلم مريم الحسن
كانَ العميدُ أحمدُ قد اعتادَ على صخبِ الحياةِ اليوميةِ في مكتبهِ، على وقعِ الأوراقِ المتطايرةِ، ورنينِ الهاتفِ الذي لا يكادُ يتوقف. لكنَّ جلستهُ اليومَ كانتْ مختلفة. كانَ يشعرُ بفراغٍ غريبٍ يملأُ أركانَ المكتب، وكأنَّ كلَّ شيءٍ فيهِ باتَ صامتًا، مترقبًا.
كانَ عمادٌ قد حضرَ إلى المكتبِ قبلَ قليل، بناءً على طلبٍ منه. لم تكنْ هذهِ الزيارةُ الأولى، لكنَّها كانتْ تحملُ في طياتها ثقلًا أكبر. كانَ عمادٌ قد بدأَ يتسللُ إلى حياةِ أحمدَ بشكلٍ لم يكنْ يتوقعه. ليسَ كابنٍ لأحدِ كبارِ العائلةِ فحسب، بل كشخصٍ باتَ أحمدُ يشعرُ بمسؤوليةٍ تجاهه.
"اجلسْ يا بني." قالَ أحمدُ بصوتٍ بدا أهدأَ مما شعرَ بهِ في داخله.
جلسَ عمادٌ، وقد اعتلتْ وجهَهُ علاماتُ الإرهاقِ والتعب، وإنْ كانَ يحاولُ إخفاءَها. كانَ شعرهُ فوضويًا، وملابسهُ تبدو وكأنها لم تُكوى منذُ أيام. كانتْ عيناهُ غائرتينِ، تحملانِ نظرةً شاردةً، كمن يبحثُ عن شيءٍ مفقود.
"كيفَ حالكَ يا عماد؟" سألَ أحمدُ، محاولًا كسرَ جدارِ الصمتِ المتزايد.
"بخيرٍ، الحمدُ لله." أجابَ عمادٌ بصوتٍ خافت، لم يكنْ يخلو من فتور.
تنهدَ أحمدُ. لم يكنْ يصدقُ هذهِ الإجابة، ولكنهُ لم يردْ أن يبدأَ بالهجوم. "هل أنتَ بخيرٍ حقًا؟ أرى في عينيكَ شيئًا من العناء."
ارتعشَ عمادٌ قليلًا، ثمَّ قالَ: "لا شيءَ يا عم أحمد. فقط بعضُ ضغوطِ العمل."
"ضغوطُ العملِ لا تجعلُ المرءَ يبدو هكذا." قالَ أحمدُ بصرامةٍ لطيفة. "يا عماد، نحنُ كعائلةٍ واحدة. ما يُصيبُ واحدًا منا، يُصيبُ الآخرين. وأنا، بما رأيتكَ فيهِ من خيرٍ ونبلاء، أشعرُ بأنَّني مسؤولٌ عنك."
أخيراً، انكسرَ جدارُ عماد. انخفضتْ رأسهُ، وتجمعتْ في عينيهِ دموعٌ لم يستطعْ كبحها. "يا عم أحمد، أنا... أنا لا أعرفُ ماذا أفعل."
"ماذا حدثَ يا بني؟ تحدثْ معي، بصراحة."
"لقد... لقد انزلقتُ." قالَ عمادٌ بصوتٍ متهدج. "في طريقٍ مظلم، طريقٍ ظننتهُ ممتعًا، لكنه لم يكنْ سوى وهمٍ. أصبحتُ أسيرًا لشيءٍ أخشاهُ، شيءٌ ينهشُ روحي."
كانَ أحمدُ يتوقعُ هذا الاعتراف، لكنَّ سماعهُ من عمادٍ مباشرةً، وبكلِّ هذهِ الصراحة، كانَ مؤثرًا. "أتتحدثُ عن المخدرات؟" سألَ بهدوءٍ، وإنْ كانَ قلبهُ يعتصرُ ألمًا.
أومأَ عمادٌ برأسه، وشلالُ الدموعِ ينهمرُ على خديه. "لقد بدأتُ بشيءٍ بسيط، ثمَّ أصبحَ الأمرُ أكبرَ مني. لقد فقدتُ السيطرة."
"ولماذا لم تتحدثْ إليَّ، أو إلى والدكَ؟"
"خجلتُ. وخفتُ. خفتُ من نظرتكم، من خيبةِ أملكم. ووالدي... هو رجلٌ طيب، لكنه يرى فيَّ الأملَ دائمًا. لم أردْ أن أُحطمه."
"يا بني، خيبةُ الأملِ الحقيقيةُ هي أن ترى شابًا مثلكَ يضيعُ هكذا. الخجلُ لا يجبُ أن يكونَ حاجزًا أمامَ طلبِ المساعدة. والعائلةُ وُجدتْ لتكونَ سندًا، لا للحكمِ واللوم."
"ولكنَّني فشلتُ. فشلتُ في كلِّ شيء."
"الفشلُ ليسَ نهايةَ الطريق، يا عماد. الفشلُ هو أن تستسلمَ. المهمُّ هو أن تقررَ أن تبدأَ من جديد. وأنْ تسعى جاهدًا لتصحيحِ مسارك."
"ولكن كيف؟ لقد أصبحتُ مدمنًا. لا أستطيعُ التوقف."
"بالإرادةِ، يا بني. وبطلبِ العونِ من الله. والدعاء. والدعاءُ لهُ قوةٌ عظيمةٌ لا يدركها إلا من جربها. وبعدَ ذلك، نحتاجُ إلى مساعدةٍ متخصصة. هناكَ مراكزُ للعلاج، أطباءُ متخصصون. يمكننا أن نبحثَ عن الحلولِ معًا."
وقفَ أحمدُ وقامَ باحتضانِ عمادٍ بقوة. "أنا معك، يا بني. لن أترككَ وحدك. سنمرُّ بهذهِ التجربةِ معًا. الأهمُّ الآنَ هو أن تكونَ صادقًا مع نفسك، ومعنا."
شعرَ عمادٌ بدفءٍ غريبٍ يتسللُ إلى روحه. كانتْ هذهِ اللحظةُ الأولى منذُ زمنٍ طويلٍ يشعرُ فيها بأنَّه ليسَ وحيدًا. بأنَّ هناكَ من يُؤمنُ به، ومن يُريدُ لهُ الخيرَ حقًا.
"شكرًا لك، يا عم أحمد. شكرًا من كلِّ قلبي." قالَ عمادٌ وهو يبكي، لكنَّ هذهِ المرةَ كانتْ دموعَ ندمٍ ورجاء.
"لا تشكرني. اشكرْ اللهَ الذي هداكَ إلى طريقِ التوبة. والآن، لنبدأْ بالخطواتِ الأولى."
جلسَ أحمدُ مع عمادٍ لفترةٍ طويلة، يتحدثانِ عن خططِ العلاج، وعن أهميةِ التغييرِ الجذريِّ في حياته. وعدهُ أحمدُ بالدعمِ الكامل، وسريةِ الأمرِ قدرَ الإمكان. وأخبرهُ بأنَّه سيتحدثُ مع والدِ عمادٍ، ولكنَّ بطريقةٍ لا تزيدُ من الضغطِ عليه، بل تُشجعهُ على التعاون.
عندما غادرَ عمادٌ المكتب، شعرَ وكأنَّه قد حملَ جبلًا من الهمومِ عن كاهله. لم تكنْ المشكلةُ قد حُلتْ بعد، لكنَّه شعرَ بأنَّه قد اتخذَ الخطوةَ الأولى نحو التغيير. كانتْ هذهِ الخطوةُ صعبةً، مؤلمةً، لكنها كانتْ خطوةً نحو النور.
وبقيَ أحمدُ جالسًا في مكتبه، يتأملُ ما حدث. كانَ يعلمُ أنَّ المعركةَ طويلةٌ وشاقة. لكنَّه كانَ يؤمنُ بقوةِ الإرادةِ البشرية، وقوةِ رحمةِ الله. أدركَ أنَّ ما يجمعُ الناسَ ليسَ مجردَ المصالح، بل هو الحبُّ في الله، والاهتمامُ ببعضهم البعض. كانَ ما يفعلهُ مع عمادٍ جزءًا من مسؤوليةٍ أكبر، مسؤوليةِ بناءِ مجتمعٍ قويٍّ متماسك، مُتمسكٍ بقيمهِ الأصيلة.
نظرَ إلى ساعته، وتذكرَ أنَّ لديهِ موعدًا مع محامٍ لمناقشةِ بعضِ الأمورِ المتعلقةِ بوقفٍ خيريٍّ جديدٍ ينوونَ إنشاءه. كانَ يتمنى أن يتمكنوا من مساعدةِ أكبرِ عددٍ من الشبابِ مثلِ عماد، لإنقاذهم من براثنِ اليأسِ والإدمان.
أغلقَ أحمدُ عينيهِ للحظة، ورفعَ يديهِ بالدعاء. "اللهمَّ اهدهم، واشفهم، وقوِّ عزيمتهم. واجعلنا سببًا في صلاحهم."