روحي تعشقك 197
همس الريح على شرفات الأمل
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات المساء الدافئة تحمل معها عبق الياسمين والفل، تداعبه أوراق النخيل في حديقة منزلهم الوارف، وكأنها تتلو آيات سكينة على روحها المضطربة. وقفت "ليلى"، الشابة التي لم تتجاوز ربيعها الثاني والعشرين، على شرفة غرفتها المطلة على بستانها الفسيح، تحتضن بين يديها كتابًا قديمًا، لكن عينيها كانتا تتوهان بعيدًا، تلاحقان خيوط الأفكار المتشابكة في صدرها. لم يكن الكتاب هو ما يشغلها، بل ما يخفيه ذلك الكتاب، وما تخفيه الأيام القادمة.
كانت تلك الليلة ليلة استثنائية، ليلة تجمع شمل العائلة بعد غياب طويل. عاد أخوها الأكبر "أحمد" من غربته، يحمل معه بشائر الخير وخطوات واسعة نحو مستقبل مرموق. لكن عودة أحمد لم تكن الخبر الوحيد الذي أضاء أسماعهم. فقد حمل معه أيضًا، وبإصرارٍ لا يلين، رغبةً عميقةً في رؤية أخته الصغرى تستقر. استقرارٌ لم تكن "ليلى" تنكره، بل كانت تنتظره، لكن توقيته، وشخص من سيكون سبب استقرارها، كانا محور قلقها الأعمق.
تذكرت حوارها مع والدتها قبل قليل، وهي تضع طبقًا من التمر المجدول وعصير الليمون المنعش على طاولة خشبية منحوتة بعناية. "ليلى يا ابنتي، غدًا سيكون ضيفنا المميز. شابٌ من عائلةٍ كريمة، من خيار الشباب، وقد عرفته أم أحمد جيدًا. سيأتي لخطبتك، أليس هذا ما نتمناه جميعًا؟" كانت نبرة والدتها تحمل مزيجًا من الفخر والأمل، ونبرة "ليلى" حملت ما هو أعمق، مزيجًا من التقدير والاحترام، وشيءٌ من الرضا الهادئ.
لم تكن "ليلى" فتاةً تعرفها الحياة بطولها وعرضها، بل كانت غارقةً في بحر من العلم والمعرفة، تستقي من معين الكتب، وتنهل من عبير التاريخ والأدب. كانت ترى العالم من خلال عدسةٍ فلسفيةٍ دقيقة، تبحث عن الجوهر والمعنى فيما يمر بها. تزكية والدتها للشاب كانت كافيةً لتمحو أي شكٍ حول خلقه ودينه، لكنها لم تمحُ ذلك الشعور الغامض الذي يتسلل إلى روحها، شعورٌ كأنه يذكرها بأن هناك قلبًا آخر، لم تخترعه أفكارها، ولم ترسمه أحلامها.
ارتدت "ليلى" حجابها الحريري، الذي نسجته يداها بخيوطٍ ذهبيةٍ برّاقة، وحاولت أن ترتب أفكارها المتناثرة. والدها، رجلٌ وقورٌ صاحب بصيرةٍ نافذة، دائمًا ما كان يراقبها بعينٍ حانية، يشجعها على طلب العلم، ويرشدها إلى صواب الطريق. طالما قال لها: "العلم هو نورٌ لا ينطفئ، والفهم هو مفتاح القلوب." ولعل فهمها لطبيعة الزواج، ولأهمية بناء أسرةٍ على أسسٍ سليمة، هو ما جعلها تقبل بمسألة الخطوبة هذه، دون أن ترفضها أو تعترض عليها.
تلاشت ذكريات الحاضر لتنساب إلى ماضٍ أعمق. تذكرت أيام طفولتها، حين كانت تجلس مع جدتها، تستمع إلى قصص الأولين، وتروي لها الجدة عن أصالة القيم، وعن معنى الوفاء، وعن رحلة الحب الحلال التي تبدأ بخطوةٍ مباركة. كانت جدتها، رحمها الله، امرأةً فريدة، تحمل في عينيها حكمة السنين، وفي كلماتها دفء المحبة. كانت تقول لها دائمًا: "الحب الحقيقي لا يظهر في نظراتٍ خاطفة، ولا في كلماتٍ معسولةٍ عابرة، بل ينمو في بيوتٍ مبنيةٍ على المودة والرحمة، ويتجذر في قلوبٍ تتلاقى على الإيمان والطاعة."
شعرت "ليلى" ببردٍ يتسلل إلى أطراف أصابعها، رغم دفء الجو. تساءلت في سرها: هل ستجد في هذا الشاب الذي سيأتي غدًا، تلك المودة وذلك الرحمة؟ هل ستكون القلوب متآلفة، أم ستكون مجرد تلبيةٍ لرغبةٍ اجتماعية؟ أمسكت بقبضة باب شرفتها، وأغمضت عينيها، مستحضرةً دعاءها العميق: "اللهم ارزقني خيرًا مما أطلب، وأكثر مما أتمنى، واكتب لي الخير حيث كان."
نزلت من الشرفة، ودخلت إلى بهو المنزل الواسع. كانت الأضواء تتلألأ، والمائدة مزينةٌ بأشهى المأكولات، والضحكات تتعالى في أرجاء المكان. لم يكن هناك أي مظهرٍ يدل على قلق أو توتر، الكل كان مستمتعًا بعودة أحمد. لكن في قلب "ليلى"، كان هناك عالمٌ آخر، عالمٌ من الأسئلة والترقب، عالمٌ ينتظر بصيص نورٍ ليضيء له الطريق.
دخلت إلى حيث تتجمع النساء، فسارعت جدتها، والدة والدها، لاستقبالها بحرارة. "ليلى حبيبتي، لقد كنتُ أحدث أم أحمد عنكِ، وأقول لها: ابنتي هذه، أجمل وأذكى ما أنجبت. سيحبها ابنها حبًا جمًا، وسترين." ابتسمت "ليلى" ابتسامةً باهتة، لم تكن تعرف إن كانت تلك الابتسامة تعكس رضًا أم مجرد مجاملة.
تجاذبت أطراف الحديث معهن، واستمعت إلى أخبار أحمد، وخططه المستقبلية. أثنت على ذكائه وطموحه، وأبدت إعجابها بحكمته في التعامل مع الأمور. كان أحمد، برغم فارق السن، صديقها الأقرب، وملجأها في أوقات الضيق. لم تكن تخشى شيئًا بقدر خوفها من أن تخيب أمله، أو أن تجعله يشعر بالإحباط.
ارتفع صوت آذان العشاء، فتفرقت النساء لتلبية نداء الواجب. ذهبت "ليلى" مع والدتها إلى المسجد القريب. كان قلبها يخفق بقوة، ليس خوفًا من لقاء غدٍ، بل شعورٌ بالمسؤولية، ورغبةٌ صادقةٌ في أن تكون عند حسن ظن الجميع. وبعد أن صلت، رفعت يدها بالدعاء، دعاءً أعمق من أي كلام، دعاءٌ ينساب من قلبٍ يتوق إلى الطمأنينة والسكينة.
عادت إلى المنزل، لتجد أخاها أحمد واقفًا في الصالة، يتحدث مع والدهما. اقتربت منه، وقبلت يده. "أهلاً بعودتك يا أخي، أفتقدتك كثيرًا." ابتسم أحمد، وعانقها بحنان. "وأنا اشتقت إليكِ يا أختي. لقد وعدتكِ أن أعود وأرى سعادتكِ، والآن حان الوقت." كان في عينيه بريقٌ خاص، بريقٌ لم تفهمه "ليلى" تمامًا. هل كان هذا البريق متعلقًا بعودته فقط، أم بخطته التي يحملها لها؟
انتهى اليوم، وبدأت ليلى تستعد للنوم. جلست على سريرها، ونظرت إلى السماء من نافذتها. كانت النجوم تتلألأ بسكون، وكأنها تشهد على حوارٍ صامتٍ بينها وبين الكون. همست الريح على شرفات الأمل، تحمل معها رائحة الليل، ورائحة غدٍ مجهول. أغمضت عينيها، مستسلمةً لحلمٍ لطيف، تأمل أن يكون واقعًا أجمل.