روحي تعشقك 197
همساتُ الماضي ووعودُ المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
في جنباتِ القصرِ العتيقِ، حيثُ تتشابكُ عبقُ الماضي ورونقُ الحاضرِ، كانَ يجلسُ الحاجُّ أحمدُ معَ زوجتهِ أمِّ زينبَ في صمتٍ مهيبٍ، لا يكسرُهُ سوى صوتُ ارتجافِ قطراتِ المطرِ على زجاجِ النوافذِ. لقدْ كانتْ تلكَ الليلةُ تحملُ ثقلَ القراراتِ، ونفحاتٍ منْ قلقٍ مبهمٍ لاذَ بقلبِ الحاجِّ أحمدَ.
"يا أمَّ زينبَ"، بدأَ الحاجُّ أحمدُ بصوتٍ خفيضٍ، يحملُ بينَ طياتهٍ حكمةَ السنينِ. "لقدْ استمعتُ لحديثِكِ عنْ صفاءَ، وعنْ حيرتها. وقلبُ الأبِ لا يطمئنُّ إلا إذا رأى ابنتَهُ مطمئنةً."
"وهلْ تعتقدُ أنَّ صفاءَ ليستْ مطمئنةً؟" سألتْ أمُّ زينبَ، وعينانِها تعكسانِ اهتماماً شديداً. "طمأنينةُ صفاءَ تكمنُ في قلبها. ورغمَ أنها تبدو سعيدةً بفكرةِ الارتباطِ بيوسفَ، إلا أنَّ هناكَ ما يُثقلُ روحها. أعرفُ هذا القلقَ الذي يغزوها، وهوَ قلقُ المسؤوليةِ، وقلقُ المستقبلِ. ولكنْ، هناكَ أيضاً قلقٌ آخرٌ، يرتبطُ بأحوالِ بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ."
"أتخشى أنْ تكونَ المشاكلُ الماليةُ سبباً في إعاقةِ هذا الزواجِ؟" "ليسَ فقطْ، بلْ أخشى أنْ تكونَ تلكَ المشاكلُ قدْ أصبحتْ عبئاً ثقيلاً على الشيخِ نفسهِ، مما قدْ يجعلهُ يرى هذا الارتباطَ كعبءٍ إضافيٍّ، وليسَ كمصدرِ سعادةٍ."
تنهدتْ أمُّ زينبَ وقالتْ: "ولكنَّ يوسفَ شابٌّ واعدٌ، وأبوهُ رجلٌ كريمٌ. أتمنى أنْ يكونَ هناكَ حلٌّ. فالحلالُ أسهلُ ما عندَ اللهِ."
"أتفقُ معكِ. ولكنْ، علينا أنْ نكونَ مستعدينَ. إذا كانَ تقديرُ اللهِ أنْ يتمَّ هذا الارتباطُ، فعلينا أنْ نجعلَ لهُ سبيلاً. سأقومُ بزيارةِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ غداً، وسأتحدثُ معه بصراحةٍ. أريدُ أنْ أفهمَ طبيعةَ تلكَ المشاكلِ، وأنْ أرى كيفَ يمكنُ لنا أنْ نُعينَ، إنْ كانَ في ذلكَ خيرٌ لنا ولهم."
"هذا قرارٌ حكيمٌ يا زوجي. ولكنْ، لا تجعلْ قلقكَ يُؤثرُ على صفاءَ. دعها تعيشُ هذهِ الفترةَ بسلامٍ." "أبشري، لنْ أُثقلَ عليها. بلْ سأُحاولُ أنْ أُطمئنها، وأنْ أُبيّنَ لها أنَّنا نقفُ معها."
في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ صفاءُ على صوتِ الآذانِ، تحملُ معها بشارةَ يومٍ جديدٍ. نظرتْ إلى السماءِ، التي كانتْ ترتدي وشاحاً منْ الغيومِ المتفرقةِ، تحملُ وعداً بنورٍ قادمٍ. استعدتْ لارتداءِ حجابها، وذهبتْ لتُساعدَ والدتها في إعدادِ الفطورِ.
"صباحُ الخيرِ يا أمي"، قالتْ صفاءُ وهيَ تبتسمُ. "صباحُ النورِ والبركةِ يا حبيبتي"، أجابتْ أمُّ زينبَ، وعينانِها تشعانِ حباً. "اليومَ، سيقومُ والدكِ بزيارةِ بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ."
تجمدتْ صفاءُ للحظةٍ. شعرتْ بقلبها يقفزُ في صدرها. "حقاً؟ ولماذا؟" "ليتحدثَ معه بصراحةٍ عنْ بعضِ الأمورِ. عنْ أحوالِ بيتِهِ، وعنْ أمرِكِ. لا تقلقي يا ابنتي، والدكِ رجلٌ حكيمٌ."
شعرتْ صفاءُ بمزيجٍ منَ الخوفِ والأملِ. هلْ سيُفهمُ قصدُهم؟ هلْ سيُفسرُ عرضُ المساعدةِ على أنهُ تدخلٌ؟ "أتمنى أنْ يكونَ كلُّ شيءٍ على ما يرامَ يا أمي."
"توكلْنا على اللهِ يا ابنتي. ولنْ يُضيعَ اللهُ عبادَهُ الصالحينَ."
بعدَ ساعاتٍ، وصلَ الحاجُّ أحمدُ إلى بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ. استقبلهُ الشيخُ بحفاوةٍ بالغةٍ، وبدتْ على وجههِ علاماتُ التعبِ والهمِّ. جلسا في مجلسِ البيتِ، وبدأتْ الأحاديثُ تتطرقُ إلى أمورِ الحياةِ العامةِ.
"يا أبا إبراهيمَ"، قالَ الحاجُّ أحمدُ بنبرةٍ تحملُ الودَّ والصراحةَ. "لقدْ لاحظتُ أنَّ هناكَ بعضَ الهمومِ تلقي بظلالها على وجهكَ. هلْ تسمحُ لي بأنْ أشارككَ في هذا الثقلِ، إنْ كانَ هناكَ ما يُثقلُ قلبكَ؟"
نظرَ الشيخُ عبدُ الرحمنِ إلى الحاجِّ أحمدَ، وشعرَ بصدقِ كلماته. "جزاكَ اللهُ خيراً يا أبا إبراهيمَ. نعم، هناكَ بعضُ الصعوباتِ التي تواجهني. ديونٌ قديمةٌ، وتجارةٌ تراجعتْ. أحاولُ أنْ أُدبّرَ أمري، ولكنَّ الأمرَ ليسَ سهلاً."
"وأنا هنا يا أبا إبراهيمَ. أرى فيكَ رجلاً كريماً، وصاحبَ دينٍ. أريدُ أنْ أُبيّنَ لكَ أنَّنا، كعائلةٍ، مستعدونَ للمساعدةِ، إنْ كانَ في ذلكَ خيرٌ لنا ولكم. وإذا كانَ زواجُ صفاءَ منْ يوسفَ في تقديرِ اللهِ، فلا ينبغي أنْ تكونَ المشاكلُ الماليةُ حاجزاً."
ارتعشَ صوتُ الشيخِ عبدِ الرحمنِ وهوَ يقولُ: "كلماتكَ هذهِ بلسمٌ على جروحي يا أبا إبراهيمَ. لقدْ كنتُ أخشى أنْ تكونَ هذهِ الأمورُ سبباً في تأجيلِ هذا الارتباطِ، أو حتى في إلغائهِ. ولكنَّ رؤيتكَ هذهِ تبثُّ فيَّ الأملَ."
"وما هيَ طبيعةُ تلكَ الديونِ؟" سألَ الحاجُّ أحمدُ بجديةٍ. "ربما يمكنُ أنْ نجدَ حلاً مناسباً. نحنُ لا نبتغي إلا وجهَ اللهِ، وأنْ نُسهمَ في بناءِ أسرةٍ مباركةٍ."
بدأَ الشيخُ عبدُ الرحمنِ يشرحُ تفاصيلَ المشاكلِ الماليةِ، والحاجُّ أحمدُ يستمعُ باهتمامٍ، ويُدوّنُ بعضَ الملاحظاتِ. كانَ يعلمُ أنَّ الأمرَ يتطلبُ حكمةً، وتدبيراً، ودعاءً.
في تلكَ الأثناءِ، في بيتِ يوسفَ، كانَ والدُهُ، السيدُ سعيدٌ، قدْ عادَ منْ سفرهِ. اجتمعَ بالابنِ، وبدأَ يوسفُ يُحدّثهُ عنْ خطوتهِ تجاهَ صفاءَ.
"يا أبي"، قالَ يوسفُ، "لقدْ استخرتُ اللهَ، وشعرتُ بالراحةِ. أودُّ أنْ أتقدَّمَ لخطبةِ صفاءَ. ولكنْ، سمعتُ أنَّ هناكَ بعضَ المشاكلِ الماليةِ في بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ."
عبسَ السيدُ سعيدٌ قليلاً. "هذا ما كنتُ أخشاهُ. سمعتُ بعضَ الأقاويلِ. ولكنْ، هلْ أنتَ متأكدٌ منْ قراركَ؟" "نعم يا أبي. قلبي مطمئنٌ. وأعتقدُ أنَّنا، بتعاوننا، يمكنُ أنْ نُعينَهم على تجاوزِ هذهِ الصعوباتِ."
"حسناً يا بني. إذاً، سأتحدثُ معَ الحاجِّ أحمدَ، وأرى ما هوَ الحلُّ. لنْ نقبلَ أنْ تكونَ مشاكلُ المالِ سبباً في عرقلةِ زواجٍ مباركٍ. سنُرتّبُ لقاءً بينَ العائلتينِ، وسنُوضّحُ موقفنا."
كانَ يوسفُ يشعرُ بالارتياحِ. رأى في والدِهِ رجلاً حكيماً، يُقدّرُ الأمورَ بعمقٍ.
عندَ عودةِ الحاجِّ أحمدَ إلى بيتِهِ، استقبلتهُ زوجتهُ بلهفةٍ. "كيفَ كانَ اللقاءُ يا عزيزي؟" "كانَ لقاءً طيباً يا أمَّ زينبَ. الشيخُ عبدُ الرحمنِ رجلٌ صبورٌ، ولكنهُ مُرهقٌ. لقدْ وضّحتُ لهُ أنَّنا مستعدونَ للمساعدةِ. كما أنَّ السيدَ سعيداً، والدَ يوسفَ، أبدى استعداداً للمساعدةِ أيضاً."
"الحمدُ للهِ. هذا خبرٌ يُفرحُ القلبَ." "نعم. غداً، سأتحدثُ معَ السيدِ سعيدٍ، وسنُرتّبُ لقاءً عائلياً شاملاً. أتمنى أنْ تكونَ هذهِ الخطواتُ فاتحةً خيرٍ على الجميعِ."
في غرفةِ صفاءَ، كانتْ تسمعُ الحديثَ منَ بعيدٍ، وتشعرُ بأنَّ الغيومَ التي كانتْ تُثقلُ سماءَ روحها بدأتْ تتلاشى. كانَ الأملُ يتسللُ إلى قلبها، وكأنَّ نسيمَ الفجرِ قدْ أزاحَ ستائرَ الليلِ. كانَ المستقبلُ يبدو واعداً، مليئاً بوعودِ الحبِّ الحلالِ، والسترِ، والعفافِ.