الفصل 11 / 25

روحي تعشقك 197

نورٌ يتسللُ بينَ غصونِ الأملِ

بقلم ليلى الأحمد

كانَ المساءُ قدْ مدَّ خيوطَهُ المخمليةَ على أرجاءِ المدينةِ، وارتسمتْ نجومُ السماءِ كسحائبَ فضيةٍ في عتمةِ الليلِ. في بيتِ الحاجِّ أحمدَ، كانَ الجوُّ يتسمُ بالهدوءِ والترقبِ. تستعدُّ العائلةُ لاستقبالِ ضيوفٍ لهم مكانةٌ خاصةٌ في قلوبهم، وضمنَ لقاءٍ يحملُ في طياتهٍ مصيرَ علاقةٍ بدأتْ تنمو في ربوعِ المودةِ والاحترامِ.

"يا أمَّ زينبَ"، قالَ الحاجُّ أحمدُ وهوَ يُرتّبُ وسائدَ المجلسِ. "هلْ أنتِ مستعدةٌ؟ لقدْ أوشكَ السيدُ سعيدٌ ويوسفُ على الوصولِ." "نعم يا عزيزي. كلُّ شيءٍ على ما يرامَ. صفاءُ تبدو متوترةً قليلاً، ولكنَّها سعيدةٌ أيضاً."

دخلتْ صفاءُ، ترتدي ثوباً أنيقاً بلونِ السماءِ الصافيةِ، وقدْ ارتسمَ على وجهها خجلٌ طبيعيٌّ يزدادُها جمالاً. ألقتْ نظرةً على والدتها، ثمَّ على والدها، وشعرتْ ببعضِ الطمأنينةِ.

"مساءُ الخيرِ يا أبي، مساءُ الخيرِ يا أمي." "مساءُ النورِ يا ابنتي"، قالَ الحاجُّ أحمدُ مبتسماً. "كوني على طبيعتكِ. هؤلاءِ أخوةٌ وأهلٌ."

دقتْ جرسُ البابِ، فانتعشَ القلبُ وترقرقَ الدمُ في العروقِ. فتحَ الحاجُّ أحمدُ البابَ، وظهرَ السيدُ سعيدٌ، بوجهه البشوشِ، وابتسامتهُ التي تفيضُ كرمًا، ويوسفُ يقفُ خلفهُ، تبدو على وجههِ علاماتُ الجديةِ ممزوجةً ببعضِ الرهبةِ.

"أهلاً وسهلاً بالسيدِ سعيدٍ ويوسفَ"، قالَ الحاجُّ أحمدُ بترحيبٍ حارٍّ. "تفضلوا، البيتُ بيتكم."

تبادلَ الجميعُ التحياتِ، ثمَّ جلستْ العائلتانِ في المجلسِ. بدأتْ الأحاديثُ تتطايرُ، خفيفةً في البدايةِ، ثمَّ بدأتْ تتعمقُ. كانَ السيدُ سعيدٌ، بخبرتهِ الطويلةِ، يوجهُ الحوارَ بلطفٍ، مُبيّناً الأهميةَ التي يوليها لعائلةِ الحاجِّ أحمدَ.

"يا أبا إبراهيمَ"، قالَ السيدُ سعيدٌ. "نحنُ نُقدّرُ لكَ هذهِ الاستضافةَ الكريمةَ. وعلاقتنا بعائلتكم ليستْ وليدةَ اليومِ. لقدْ نشأنا في جوارِ الخيرِ والصلاحِ."

"الشكرُ للهِ أولاً، ثمَّ لكَ يا أبا يوسفَ. نحنُ نقدرُ لكم اهتمامكم بصفاءَ. وهيَ، كما تعلمونَ، نورُ عيوننا."

ابتسمَ السيدُ سعيدٌ وقالَ: "وها نحنُ هنا اليومَ، نُكملُ ما بدأهُ القلبُ والعقلُ. يوسفُ، وهوَ ابني، شابٌّ أُشهدُ اللهَ على صلاحِهِ وتقواهُ. وقدْ أخبرني برغبتهِ في التقدمِ لخطبةِ ابنتكم، الآنسةِ صفاءَ."

نظرَ يوسفُ إلى صفاءَ، التي كانتْ قدْ نزلتْ إلى المجلسِ، وجلستْ في مكانها المخصصِ للنساءِ، وهيَ ترتدي حجابها وتُلقي بنظراتٍ خجولةٍ. شعرَ قلبُه بحرارةٍ غريبةٍ، وكأنَّ كلَّ ذرةٍ في جسدهِ تستجيبُ لحضورهَا.

أجابَ الحاجُّ أحمدُ بجديةٍ، ولكنَّ عينيهِ كانتا تلمعانِ بالرضا: "نحنُ نُرحّبُ بهذهِ الفكرةِ، يا أبا يوسفَ. صفاءُ فتاةٌ صالحةٌ، ورؤيةُ شبابٍ أمثالِ يوسفَ يتطلعونَ إليها هوَ ما يُفرحُ قلوبَنا."

ثمَّ التفتَ إلى السيدِ سعيدٍ، وأبدى استعدادَهُ لمناقشةِ التفاصيلِ. "كما تعلمونَ، الزواجُ مسؤوليةٌ مشتركةٌ. وأنا، كأبٍ، يهمني أنْ تكونَ صفاءُ في بيتٍ سعيدٍ، وأنْ تجدَ السندَ والرفيقَ. سمعتُ أنَّ هناكَ بعضَ الضغوطِ التي تواجهُ بيتَكم."

كانتْ هذهِ النقطةُ هيَ بيتَ القصيدِ. استعدَّ السيدُ سعيدٌ للإجابةِ بصراحةٍ. "نعم يا أبا إبراهيمَ، هناكَ بعضُ التحدياتِ الماليةِ التي نحاولُ تجاوزها. ولكنْ، هذا لا يعني أنَّنا عاجزونَ. بالعكسِ، نحنُ نعملُ بجدٍّ لنتجاوزَها. وقدْ تحدثتُ معَ ابني، وهوَ على استعدادٍ لتقديمِ كلِّ ما يلزمُ. كما أنَّني، وبإذنِ اللهِ، سأُسهمُ في تسهيلِ الأمورِ."

"هذا كلامٌ يُريحُ القلبَ"، قالَ الحاجُّ أحمدُ. "فنحنُ لا نبتغي سوى سترِ بناتنا، وتيسيرِ أمورهنَّ. وإذا كانَ هناكَ تعاونٌ بينَ الأسرتينِ، فسيُصبحُ كلُّ شيءٍ أسهلَ."

بعدَ تبادلٍ طويلٍ منَ الأفكارِ، تمَّ الاتفاقُ على موعدٍ مبدئيٍّ لطلبِ اليدِ بشكلٍ رسميٍّ، معَ تحديدِ بعضِ التفاصيلِ الخاصةِ بالمهرِ، وتكاليفِ الزواجِ. بدا الأمرُ وكأنَّ اللهَ قدْ وضعَ البركةَ في هذا اللقاءِ، وأنَّ العقباتِ بدأتْ تتذوبُ أمامَ قوةِ النوايا الحسنةِ.

في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ صفاءُ النومَ. كانتْ تغرقُ في بحرٍ منَ السعادةِ الممزوجةِ بالرجاءِ. شعرتْ بأنَّ غيمةَ القلقِ قدْ بدأتْ تنجلي، وأنَّ شمسَ الأملِ قدْ بدأتْ تُشرقُ في سماءِ حياتها. نظرتْ إلى صورةِ يوسفَ التي كانتْ تحتفظُ بها سراً في دفترِها، ودعتْ اللهَ أنْ يُتمَّمَ لها على خيرٍ.

في بيتِ يوسفَ، كانَ الأبُ وابنهُ يتحدثانِ في غرفةِ المكتبِ. "يا بني"، قالَ السيدُ سعيدٌ، "لقدْ رأيتُ في عينِ صفاءَ البريقَ الذي يسرُّ القلبَ. وهيَ فتاةٌ طيبةٌ. ولكنْ، اعلمْ أنَّ مسؤوليةَ الزواجِ عظيمةٌ. عليكَ أنْ تكونَ لها السندَ، والحبيبَ، والصديقَ. وأنْ تُعينها على طاعةِ اللهِ."

"بإذنِ اللهِ يا أبي"، قالَ يوسفُ، وعيناهُ تلمعانِ بالإصرارِ. "سأكونُ لها خيرَ زوجٍ، وخيرَ سندٍ. لقدْ شعرتُ بالراحةِ والطمأنينةِ وهيَ بجانبي."

"هذا ما يُفرحُ قلبي. فالمالُ يأتي ويذهبُ، ولكنَّ العشرةَ الطيبةَ، والمودةَ الصادقةَ، هيَ ما تدومُ. والآنَ، علينا أنْ نستعدَّ لإعلانِ الخطوبةِ رسمياً."

بعدَ أيامٍ، جاءَ الخبرُ إلى بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ. كانَ الشيخُ يوسفَ، جدُّ يوسفَ الأكبرُ، قدْ سمعَ بالأمرِ، وأتى ليُباركهم.

"يا بني"، قالَ الشيخُ يوسفَ ليوسفَ، "رؤيةُ سعادتكَ هذهِ تُسعدني. صفاءُ فتاةٌ مباركةٌ، وأسرتها كريمةٌ. ولكنْ، اعلمْ أنَّ طريقَ الزواجِ ليسَ مفروشاً بالوردِ فقطْ، بلْ فيهِ أيضاً تحدياتٌ. كنْ لها خيرَ زوجٍ، وخيرَ رجلٍ. واعلمْ أنَّ طاعةَ اللهِ هيَ الأساسُ."

نظرتْ صفاءُ إلى يوسفَ خلالَ هذا اللقاءِ العائليِّ، وشعرتْ بقلبها ينبضُ بحبٍّ صافٍ، وبشوقٍ للقادمِ. بدا وكأنَّ نورًا جديدًا قدْ تسللَ إلى حياتها، يُبددُ الظلامَ، ويُبشّرُ بمستقبلٍ مشرقٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%