الفصل 12 / 25

روحي تعشقك 197

لقاء القدر بين الأزقة العتيقة

بقلم ليلى الأحمد

هبَّ نسيمٌ عليلٌ يحملُ معه عبيرَ الياسمينِ المتسللِ من أزقةِ القاهرةِ العتيقةِ، يداعبُ خصلاتِ شعرِ "لميس" التي كانت تجلسُ بجوارِ نافذةِ غرفتها المطلةِ على بساتينِ الرمانِ التي بدأت تزهرُ. كان قلبُها يخفقُ بعنفٍ، ليسَ من حرارةِ الصيفِ القادمةِ، بل من ثقلِ التفكيرِ وقلقِ المستقبلِ. منذُ ذلكَ اللقاءِ المباركِ في مجلسِ جدتها، حيثُ طافتْ عيناها بعيني "أنسٍ" الشابِّ الوقورِ، لم تهدأْ روحُها. كانتْ كلماته، وطريقته المهذبة، ونظراته التي تحملُ احترامًا وتقديراً، قد ارتسمتْ في ذاكرتها كلوحةٍ فنيةٍ بديعةٍ.

كانت "لميس"، الفتاةُ الهادئةُ والرقيقةُ، ذاتَ الحسِّ الفنيِّ المرهفِ، ترى العالمَ من خلالِ عدسةِ الألوانِ والأشكالِ. كانتْ مهنتُها كمهندسةِ ديكورٍ، تعكسُ ميولَها نحوِ الجمالِ والتناسقِ. لكنَّ قلبَها، رغمَ كلِّ جمالِ ما حولها، كانَ يبحثُ عن جمالٍ أعمق، عن رفقةٍ تُعانقُ روحَها، عن شريكِ حياةٍ يُشاركُها أحلامَها وقيمَها.

وفي الطرفِ الآخرِ من المدينةِ، في مكتبِهِ الأنيقِ الذي تفوحُ منهُ رائحةُ القهوةِ والورقِ القديمِ، كان "أنسٌ" منهمكًا في عملِهِ كمحامٍ شابٍّ طموح. كانتْ أوراقه مبعثرةً أمامه، لكنَّ عقله كانَ في مكانٍ آخر. صورةُ "لميس" ذاتِ العيونِ الواسعةِ والباسمةِ، ترتسمُ أمامهُ في كلِّ لحظةٍ. لم يكنْ "أنسٌ" شابًّا عابرًا، بل كانَ يمتلكُ رؤيةً واضحةً للحياةِ، ورغبةً صادقةً في بناءِ أسرةٍ على أسسٍ متينةٍ من المودةِ والاحترامِ.

كانَ لقاؤهما الأولُ، وإنْ كانَ قصيرًا، قد تركَ في نفسيهما أثرًا عميقًا. شعورٌ غريبٌ بالألفةِ والانسجامِ، تلاقى فيهِ نبضُ القلبِ معَ همسةِ الروحِ. تذكَّرَ "أنسٌ" كيفَ أُعجبَ بذكاءِ "لميس" وحيائها، وكيفَ أدهشتهُ ثقافتُها الواسعةُ رغمَ صغرِ سنها. وشعرتْ "لميس" في حضرةِ "أنسٍ" بالأمانِ والطمأنينةِ، كما لو أنَّ الأقدارَ قد اختارتْ لهما بعضهما البعض.

لكنَّ الطريقَ لم يكنْ مفروشًا بالورودِ. فقد كانتْ هناكَ عوائقُ، وتحدياتٌ لم تظهرْ بعدُ بكاملِ قسوتها. جدةُ "لميس"، الحاجةُ "فاطمة"، المرأةُ ذاتُ القلبِ الكبيرِ والحكمةِ المتجذرةِ، كانتْ ترى في "أنسٍ" الزوجَ المثاليَّ لحفيدتِها. لكنَّ والدي "لميس" كانا لهما رأيٌ آخر، رأيٌ لم تكن "لميس" تفهمُ أبعادهُ كاملةً.

"لميس، هل أنتِ مستعدةٌ للخروجِ؟" نادتْ والدتها "سعاد" من خارجِ الغرفةِ. نهضتْ "لميس" بتثاقلٍ، وألقتْ نظرةً أخيرةً على البساتينِ، ثمَّ استدارتْ نحوَ المرآةِ، تعدلُ من حجابِها الأبيضِ الناصعِ. كانتْ ترتدي ثوبًا فضفاضًا باللونِ الأخضرِ الهادئِ، يبرزُ جمالَ عينيها ويسلطُ الضوءَ على رقتها.

"نعم يا أمي، أنا جاهزةٌ" أجابتْ بصوتٍ خافتٍ، يحملُ في طياته بعضَ الترددِ. كانَ البرنامجُ المسائيُّ للعائلةِ يتضمنُ زيارةً لمنزلِ الحاجةِ "فاطمة"، حيثُ كانَ من المتوقعِ أنْ يحضرَ "أنسٌ" وعائلتهُ. كانَ هذا اللقاءُ ترتيبًا غيرَ مباشرٍ، لكنَّ "لميس" كانتْ تعلمُ في قرارةِ نفسها أنَّهُ لقاءٌ مقصودٌ.

نزلتْ "لميس" الدرجاتِ، لتجدَ والدتها ووالدها "خالد" ينتظرانِ عندَ البابِ. كانَ "خالدٌ" رجلًا صارمًا قليلًا، لكنَّ حبَّهُ لابنتِهِ كانَ لا يُضاهى. كانَ يرى في "لميس" امتدادًا لأحلامِهِ وطموحاتِهِ، ويخشى عليها من أيِّ شيءٍ قد يُعيقُ مسيرتَها.

"حفظكِ الله يا ابنتي" قالَ "خالدٌ" بابتسامةٍ خفيفةٍ، ممسكًا بيدِها. "أينَ أنتِ يا ابنتي؟ كدتُ أنْ أفقدَ الصبرَ" قالتْ "سعاد" بلهجةٍ تحملُ القليلَ من المزاحِ. ركبوا السيارةَ، متوجهينَ نحو بيتِ الجدةِ. كانتْ الشوارعُ تمتلئُ بالناسِ، والأسواقُ تعجُّ بالحياةِ. كانتْ القاهرةُ تتنفسُ عبقَ التاريخِ، وتعكسُ روحَ الأمةِ بأكملها.

عندَ وصولهم، استقبلتهم الحاجةُ "فاطمة" بابتسامتِها الدافئةِ وحضنِها المليءِ بالحنانِ. كانَ منزلُها يعجُّ بالحبِّ والألفةِ، تفوحُ منهُ رائحةُ الطعامِ البيتيِّ الشهيِّ. "أهلاً بكم يا أحبائي، لقد اشتقْتُ لكم كثيرًا" قالتْ بصوتٍ ملؤهُ السعادةُ.

جلستْ "لميس" بجوارِ جدتِها، تشعرُ بدفءِ وجودِها. كانتْ تعرفُ أنَّ جدتَها هيَ سندُها وملاذُها. "جدي، هل سيحضرُ السيدُ أنسٌ وعائلتُه اليوم؟" سألتْ "لميس" بفضولٍ، تحاولُ أنْ تبدو طبيعيةً. ابتسمتْ الحاجةُ "فاطمة" بذكاءٍ، وعينيها تلمعانِ. "نعم يا ابنتي، لقد أكدوا حضورهم. أعتقدُ أنَّ هذهِ فرصةٌ لنتعرفَ على بعضنا البعضِ بشكلٍ أفضل."

لم تكنْ "لميس" متأكدةً مما تشعرُ به. كانَ هناكَ خليطٌ من الترقبِ والفرحِ، معَ لمسةٍ من القلقِ. هل سيكونُ والدُها مستعدًا لهذهِ الخطوةِ؟ هل سيكونُ "أنسٌ" هوَ الشخصُ الذي تتمناهُ؟

وفي هذهِ الأثناءِ، كانَ "أنسٌ" يراجعُ بعضَ الأوراقِ في سيارتِهِ، بينما تنتظرُهُ والدتُه "أمينة" وشقيقتُه الصغرى "ليلى" في المصعدِ المؤديِّ إلى منزلِ الحاجةِ "فاطمة". كانَ "أنسٌ" يشعرُ بحماسٍ كبيرٍ، لكنَّهُ حاولَ أنْ يخفيَ ذلكَ وراءَ هدوئه المعهودِ. لقد سمعَ الكثيرَ عن "لميس" من جدتِها، وشعرَ أنها فتاةٌ مميزةٌ.

"أنس، هيا بنا، أمي وليلى تنتظرانِ" نادتْ والدتُه. "قادمٌ يا أمي" أجابَ، وأغلقَ حقيبةَ أوراقه.

بينما كانتْ الأنوارُ في منزلِ الحاجةِ "فاطمة" تتلألأُ، والضحكاتُ تترددُ في الأرجاءِ، كانتْ رياحُ القدرِ تحملُ معها أحداثًا ستُغيرُ مجرى حياةِ "لميس" و"أنسٍ" إلى الأبد. كانتْ هذهِ مجردُ بدايةٍ، بدايةٌ تحملُ وعودَ الحبِّ، لكنَّها تحملُ أيضًا ظلالَ التحدياتِ القادمةِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%