روحي تعشقك 197
الخطوة الأولى نحو المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
تعدَّتْ أيامُ الترددِ والشكِّ، وبدأَ "أنسٌ" يشعرُ بأنَّ الوقتَ قد حانَ لاتخاذِ خطوةٍ جديةٍ. لم يستطعْ أنْ ينسى نظرةَ "لميس" البريئةَ، وابتسامتَها التي تضيءُ أيَّ مكانٍ. كانتْ رؤيتُها في كلِّ مساءٍ، يتخللُها حديثٌ قصيرٌ معَ جدتِها، كافيةً لتغذيةِ روحهِ المشتعلةِ بالحبِّ.
بعدَ استشارةِ والدتِهِ، قررَ "أنسٌ" أنْ يطلبَ يدَ "لميس" رسميًا. كانَ يعلمُ أنَّ هذا القرارَ لن يمرَّ دونَ عقباتٍ، خاصةً معَ وجودِ خلافاتِ العائلةِ، لكنَّهُ كانَ مصممًا على أنْ يكونَ صادقًا معَ مشاعرِهِ، وأنْ يسعى لبناءِ مستقبلٍ مبنيٍّ على المودةِ والتقوى.
في يومٍ مشمسٍ، توجهَ "أنسٌ" معَ والدتِهِ ووالدهِ إلى منزلِ الحاجةِ "فاطمة". كانتْ الأجواءُ مفعمةً بالحماسِ والترقبِ. ارتدى "أنسٌ" أفضلَ ثيابِهِ، ووضعَ عطرًا هادئًا، واستعدَّ نفسيًا لمواجهةِ أيِّ تحدٍّ.
استقبلتهم الحاجةُ "فاطمة" بابتسامتِها المعهودةِ. "أهلاً بكم، تفضلوا. أنتم أهلُ الدارِ." جلسَ الجميعُ في الصالونِ الكبيرِ. كانَ "خالدٌ" و"سعاد" قد حضرا أيضًا، وبدتْ "لميس" أكثرَ هدوءًا ولكنْ بعينيْنِ لامعتينِ.
بعدَ تبادلِ الأحاديثِ الوديةِ، تقدمَ "أنسٌ" نحو "خالدٍ"، الذي كانَ يجلسُ في مقعدِهِ المعتادِ. "يا عمي خالد، أودُّ أنْ أتحدثَ معك في أمرٍ هامٍّ." بدأَ "أنسٌ" بنبرةٍ تحملُ الوقارَ والاحترامَ. نظرَ "خالدٌ" إليهِ، وعلاماتُ الاستفهامِ بدأتْ ترتسمُ على وجهِهِ. "لقد تشرفتُ بالتعرفِ على ابنتِكم "لميس"، وأرى فيها الزوجةَ الصالحةَ التي طالما حلمتُ بها. إنَّ أخلاقَها، ودينَها، وذكاءَها، كلها صفاتٌ تجعلُها الزوجةَ المثاليةَ. لذا، آتي اليومَ طالبًا يدَها لابنتِكم، راجيًا أنْ توافقَ على هذا الارتباطِ."
كانَ الجوُّ صامتًا لبرهةٍ. تنفسَ "أنسٌ" بعمقٍ، ينتظرُ ردَّ "خالدٍ". نظرَ "خالدٌ" إلى "لميس" التي كانتْ تحدقُ بالأرضِ، ثمَّ إلى "سعاد" التي كانتْ تراقبُ الموقفَ بتركيزٍ. "يا بني، نحنُ نثقُ بكَ، ونرى فيكَ الشابَّ الصالحَ. ولكنَّ الزواجَ مسؤوليةٌ كبيرةٌ، وتكوينُ أسرةٍ يتطلبُ تفاهمًا عميقًا. هل أنتَ حقًا مستعدٌ لهذهِ الخطوةِ؟ وهل أنتَ مستعدٌ للتحدياتِ التي قد تواجهُكما، خاصةً معَ الظروفِ التي قد تكونُ خارجةً عن إرادتِنا؟"
كانَ سؤالُ "خالدٍ" يحملُ في طياتِهِ إشارةً إلى مشكلةِ عائلةِ "أنسٍ". "يا عمي خالد، أنا واثقٌ من مشاعري تجاهَ "لميس"، وواثقٌ من قدرتي على بناءِ مستقبلٍ سعيدٍ معَها. أما عنِ التحدياتِ، فأنا أؤمنُ بأنَّ التفاهمَ، والدعمَ المتبادلَ، والتسليمَ لأمرِ اللهِ، هيَ مفاتيحُ التغلبِ على أيِّ صعوبةٍ. وأنَّ حبَّنا الصادقَ سيكونُ درعَنا وسندَنا." أجابَ "أنسٌ" بحماسٍ وثقةٍ.
في هذهِ الأثناءِ، تقدمتْ الحاجةُ "فاطمة" ووضعتْ يدَها على كتفِ "خالدٍ". "يا خالد، إنَّ "أنسًا" شابٌّ طيبٌ، ومن عائلةٍ طيبةٍ. لقد رأيتُ فيهِ ما لم ترهُ أنتَ. أرى فيهِ الشابَّ الذي سيُسعدُ "لميسَ" ويرعاها. ولا تنسَ يا بني، أنَّ اللهَ معَ الصادقينَ."
نظرتْ "سعاد" إلى ابنتِها، ورأتْ في عينيها شيئًا من الشوقِ والأملِ. أدركتْ أنَّ ابنتَها قد وجدتْ ضالتَها. "يا خالد، "لميس" ابنتُنا. وسعادتُها هيَ غايتُنا. إنَّ "أنسًا" يبدو شابًّا طيبًا، ولنا فيهِ ثقةٌ. إذا كانتْ "لميسُ" تريدهُ، فأنا أرى أنَّ هذا الارتباطَ مباركٌ."
ابتسمَ "خالدٌ" ببطءٍ. لقد رأى في ابنتِهِ وزوجتِهِ إيمانًا بهذهِ العلاقةِ. "إذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فبركاتُ اللهِ عليكم." قالَ "خالدٌ"، مشيرًا إلى "أنسٍ". "هل تقبلُ ابنتَنا "لميسَ" زوجةً لكَ، على كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِهِ؟"
شعرتْ "لميس" بأنَّ قلبَها سيتوقفُ من شدةِ الفرحِ. نظرتْ إلى جدتِها، ثمَّ إلى والديها، وأخيرًا إلى "أنسٍ" الذي كانَ ينظرُ إليها بعينينِ تلمعانِ بالحبِّ. "نعم، أقبَلُ" أجابتْ بصوتٍ ارتجفَ قليلًا.
انفجرتْ زغاريدُ الحاجةِ "فاطمة" و"ليلى" وملأتْ المكانَ بهجةً. عانقَ "أنسٌ" يدَ "لميسَ" بلطفٍ، وشعرَ بقشعريرةٍ تسري في جسدِهِ. كانتْ هذهِ اللحظةُ هيَ بدايةُ رحلةٍ جديدةٍ، رحلةِ بناءِ عشِّهما الزوجيِّ.
"أشكرُكِ يا عمي خالد، وأشكرُكِ يا خالتي سعاد. لن أخيبَ ظنَّكما." قالَ "أنسٌ" وهوَ يمسكُ بيدِ "لميسَ". "والآنَ، أنا مستعدٌ لترتيبِ التفاصيلِ، ووضعِ موعدٍ للخطبةِ الرسميةِ."
شعرتْ "لميس" بأنَّها تسيرُ على السحابِ. كانتْ تدركُ أنَّ الطريقَ لن يكونَ سهلًا، لكنَّها كانتْ تؤمنُ بأنَّ حبَّها لـ"أنسٍ" وقيمَها الدينيةَ ستكونُ خيرَ سندٍ لها.
لكنَّ هذهِ الفرحةَ لم تكنْ لتخلوَ من ظلالٍ خفيةٍ. في زاويةٍ أخرى من المدينةِ، وصلَ خبرُ الخطوبةِ إلى "كمالٍ"، عمِّ "أنسٍ". ارتسمتْ على شفتيهِ ابتسامةٌ ماكرةٌ. "لميس"، الفتاةُ التي قد تكونُ مفتاحًا لصالحهِ. خطوةٌ في الاتجاهِ الصحيحِ.