الفصل 16 / 25

روحي تعشقك 197

رحلة الغموض وعقدة الماضي

بقلم ليلى الأحمد

امتدت أصابع ليليان، وهي تحتضن غصن الزيتون المزين بأوراق فضية، لتلمس رقعة من قماش قديم، بالٍ، يحمل نقوشًا لم تفهمها تمامًا. كانت قد عثرت عليه مدسوسًا بعناية فائقة داخل صندوق خشبي قديم، مهمل في زاوية علّية المنزل الكبير الذي استقبلها كعروس. الهواء في العلية كان ثقيلاً، مشبعاً برائحة التراب والذكريات القديمة. كل ما في المكان كان يصرخ بصمت حكايات لم تُروَ بعد، وأسرار مدفونة تحت طبقات من الزمن.

شعرت ليليان ببرودة غريبة تتسلل إلى أطراف أناملها، برودة لم تكن من برد الشتاء، بل من ثقل ما قد يكون هذا القماش. كانت قد جاءت إلى بيت زوجها، المهندس خالد، باحثة عن حياة جديدة، عن استقرار، وعن الحب الذي وعدها به. لكن منذ دخولها هذا البيت، كان شبح الماضي يخيم على أرجائه، يهمس بخفايا لم تكن مستعدة لاستقبالها.

كانت قد بدأت تشعر بأن هذه الزيارة لم تكن مجرد لقاء عائلي عادي، بل كانت محاولة لفك رموز لعائلة غامضة، ولرجل، خالد، الذي اكتشفت مؤخرًا أنه يحمل أعباءً تفوق ما أظهر لها. لم يكن خالد كما بدا لها في بداية لقائهما. كانت عيناه الواسعتان، اللتان تعكسان ذكاءً وحزمًا، تخفيان أحيانًا حزنًا عميقًا، وهمًا يشبه غيمة رمادية تبتلع نور الشمس.

بعد أن قضت ساعات في تفحص محتويات العلية، لم تجد سوى أوراق صفراء، صورًا باهتة، وأشياء مهملة. لكن هذا القماش، بنقوشه الشرقية العتيقة، وخيوطه الذهبية التي لا تزال تحتفظ بلمعان خافت، قد لفت انتباهها بشكل استثنائي. كان ملمسه ناعمًا، لكنه كان يبعث إحساسًا بالقوة، كأنه يحمل قصة شعب أو حضارة.

نزلت ليليان من العلية، حاملةً معها القماش المطوي بعناية، وعقلها يتوهج بالأسئلة. وجدته يجلس في ركن المكتبة، يتصفح كتابًا جلديًا سميكًا. كان ضوء المصباح البرتقالي يلقي بظلاله على وجهه، مبرزًا خطوط التعب حول عينيه.

"خالد؟" نادت بصوت حنون، حاولت فيه أن تخفي قلقها المتزايد.

رفع رأسه، وابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "نعم يا ليليان؟ هل وجدتِ شيئًا شيقًا في العلية؟"

تقدمت منه، ووضعت القماش على المكتب أمامه. "هذا. وجدته مخبأً هناك. لا أدري ما هو، لكنه غريب جدًا."

نظر إلى القماش، ثم إلى ليليان، وبدت على وجهه علامات دهشة ممزوجة بقلق خفي. تناوله بأصابع مرتجفة قليلاً، وبدأ يفحص نقوشه. صمت طويل ساد الغرفة، صمت أثقل من أي كلام.

"من أين لكِ هذا؟" سأل أخيرًا، وصوته كان يحمل نبرة لم تسمعها من قبل، نبرة خوف دفين.

"قلت لك، وجدته في العلية، بين الأغراض القديمة."

لم يرد خالد. كان عيناه مثبتتين على القماش، وكأنه يرى فيه أشباح الماضي تتجسد. لفتت ليليان انتباهه إلى بعض النقوش، "هذه الرموز، هل تعرفينها؟ تبدو كأنها لغة قديمة."

أجاب خالد بتردد، "ربما... إنها تشبه بعض النقوش التي رأيتها في كتب الآثار القديمة، لكنها ليست مألوفة تمامًا."

ازداد قلق ليليان. كانت تعلم أن خالداً لديه شغف بالتاريخ والآثار، وكان يمتلك مكتبة واسعة تضم كتبًا نادرة. أن يقول إنه ليس مألوفًا، يعني أن الأمر استثنائي.

"هل هناك شيء مهم بخصوص هذا القماش؟" سألت مباشرة، لم تعد تحتمل الغموض.

تنهد خالد بعمق، ووضع يده على يدها التي كانت تمتد على القماش. "ليليان، هناك قصص في هذه العائلة... قصص معقدة، وحقائق مدفونة. هذا القماش... يبدو أنه مرتبط بجدتي."

"جدتك؟ لكن لم تقابلها قط."

"نعم، لكنها كانت شخصية غامضة. توفيت قبل ولادتي، وتركت وراءها الكثير من الأسرار. قيل إنها كانت تمتلك معرفة غريبة، وأنها كانت تهتم بالأشياء القديمة والرموز. لكن لم يذكر أحد قط هذا القماش."

بدأ خالد يتحدث، وصوته أصبح أكثر جدية. "لقد سمعت همسات عن كنوز، عن مخطوطات، عن إرث قديم. لكن كل هذا كان مجرد قصص متداولة، لم أكن أهتم بها كثيرًا."

"لكن الآن؟" أصرت ليليان.

"الآن... يبدو أن هذه القصص قد تكون تحمل حقيقة. هذه النقوش... تبدو كخريطة. أو كشيفرة."

ذهل خالد، ونظر إلى ليليان بعينين متسعتين. "هل تتذكرين تلك السيدة العجوز التي قابلناها في السوق الأسبوع الماضي؟ التي كانت تبيع الأعشاب والتوابل؟"

"نعم، ما علاقتها؟"

"لقد رأيت نفس النقوش على قلادتها، وإن كانت أصغر وأقل تعقيدًا. حينها لم أعطِ الأمر أهمية، لكن الآن..."

انقطع كلامه، وعاد ليبحث في أوراق على مكتبه. بدأ يرتب صورًا قديمة، رسومات، وملاحظات كان قد احتفظ بها منذ سنوات. كانت هذه الملاحظات تتعلق بمساعيه لفهم تاريخ عائلته، الذي كان غامضًا جدًا.

"لقد بحثت كثيرًا عن أصول عائلتي، عن تاريخها. وجدت أن أجدادي كانوا من قبائل قديمة، رحالة، عاشوا في أزمنة مضت. قيل إن لديهم علاقة بالأرض، وبالكنوز المدفونة. لكن كل هذا كان مجرد أساطير."

"لكن هذا القماش؟" كررت ليليان.

"هذا القماش، إذا كانت تخميناتي صحيحة، قد يكون المفتاح. قد يكون خريطة، أو دليلًا. لكن لغتها غامضة، ولا أفهمها تمامًا."

في تلك اللحظة، شعر خالد بشعور غريب، كأن شيئًا ما قد تغير في مسار حياته. كأن بابًا قد فُتح على عالم لم يكن يتوقعه. لم تعد مجرد قصة حب وزواج، بل أصبحت رحلة لاكتشاف حقيقة غائبة، لفك لغز طالما أحاط بأسرار عائلته.

"ليليان، أعتقد أننا في بداية شيء كبير." قال خالد، وعيناه تلمعان بعزم. "شيء قد يغير كل شيء نعرفه."

نظرت ليليان إلى خالد، ورأت فيه رجلًا لم تكن تعرفه. رجلًا يحمل عبء تاريخ بأكمله. وشعرت بأنها، رغم قلقها، قد وجدت نفسها متورطة في هذه الرحلة. لم تعد مجرد زوجة، بل شريكة في كشف الحقيقة.

"وماذا سنفعل الآن؟" سألت، وصوتها يحمل مزيجًا من الخوف والفضول.

"سنفعل ما يجب علينا فعله. سنحاول فهم ما يخبرنا به هذا القماش. سنبحث عن معنى هذه الرموز. قد تكون هذه رحلة خطرة، لكنها رحلتنا الآن."

أمسك بيدها بقوة، وشعر أنها تمنحه دفئًا وثباتًا. كانت هذه بداية شيء جديد، شيء لم يكن يتخيله. كان عليه أن يحميها، وأن يحمي نفسه، وأن يكشف ما تخفيه هذه الألغاز.

"هل أنتِ مستعدة؟" سألت عيناه.

نظرت ليليان إلى القماش، ثم إلى وجه خالد، ورأت فيه كل الأسرار التي لم تروَ بعد. "نعم، أنا مستعدة."

كانت هذه بداية الفصل الأول من رحلة الغموض، رحلة ستجرهم إلى أعماق الماضي، حيث تلتقي الحب بالخطر، وحيث الأسرار القديمة تعود لتطالب بحقوقها. لم يكن لديهما أدنى فكرة عن طبيعة هذه الرحلة، أو عن الثمن الذي قد يتعين عليهما دفعه. لكنهما كانا معًا، وهذا كان كافيًا لبدء المشوار.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%