روحي تعشقك 197
عطر الزهور ولحن الوعد
بقلم ليلى الأحمد
صباحٌ جديدٌ أشرق على منزل آل "عبد الرحمن"، محملاً بشمسٍ ذهبيةٍ تبعث الدفء والأمل. استيقظت "ليلى" قبل أن يوقظها نور الصباح، وقد استقرت روحها إلى حدٍ ما، متسلحةً بصلاة الفجر ودعاءٍ مستجاب. ارتدت ثوبًا فضفاضًا بلون السماء الصافية، وأسدلت شعرها الطويل خلف ظهرها، ثم توجهت إلى غرفة الطعام حيث اجتمعت عائلتها لتناول الإفطار.
كانت الأحاديث متدفقة، تعكس سعادة العائلة بلم شملها. أحمد، الأخ الأكبر، كان يسرد مغامراته في الغربة، وصعوبات العمل، ولكنه كان يؤكد دائمًا على عظمة التجربة التي صقلت شخصيته. كان حديثه مليئًا بالحكمة والنضج، وكان والدهم، الشيخ "عبد الرحمن"، ينظر إليه بفخرٍ واعتزاز، يتدخل ببعض الأسئلة التي تثري الحوار وتكشف عن عمق تفكير الشاب. أما والدتها، السيدة "فاطمة"، فكانت تتفنن في إعداد أشهى المأكولات، وتراقب ابنيها بقلبٍ عامرٍ بالحب.
"ليلى، ألم تسمعي خبرًا عن زميلتكِ "سارة"؟" سألت والدتها، وهي تقدم لها طبقًا من الجبن الطازج. "لا يا أمي، لم أتحدث معها منذ فترة. انشغلنا جميعًا بأمورنا." أجابت "ليلى" بصوتٍ هادئ. "نعم، لقد سمعتُ أن خطبتها كانت في الأسبوع الماضي. شابٌ من عائلةٍ طيبة." أضافت السيدة "فاطمة" وهي تبتسم، وكأنها تذكيرٌ ضمنيٌ لما سيحدث اليوم.
شعرت "ليلى" ببعض التوتر، لكنها تغلبت عليه بجرعةٍ من الثقة المستمدة من إيمانها. لقد سمعت عن الشاب الذي سيأتي لخطبتها، "خالد"، من عائلةٍ معروفةٍ بالكرم والأصالة، ومن أقارب جدتها من جهة الأم. كانت جدتها، السيدة "عائشة"، هي من اقترحت هذا الزواج، وأثنت كثيرًا على أخلاق "خالد" وتدينه.
لم تكن "ليلى" تعرف "خالد" شخصيًا، سوى من خلال أحاديث جدتها. كانت تتصور شابًا ملتزمًا، هادئًا، يحمل في عينيه تلك البصيرة التي تتحدث عنها جدتها. لكن كيف سيبدو اللقاء الأول؟ وكيف ستكون تلك اللحظات التي تتلاقى فيها أرواحٌ لم تعرف بعضها من قبل؟
بعد الإفطار، توجهت "ليلى" إلى غرفتها لتستعد. اختارت ثوبًا أزرق سماويًا، مطرزًا بنقوشٍ بسيطةٍ راقية، وارتدت حجابًا بلونٍ أبيض ناصع. أخذت تنظر إلى صورتها في المرآة، تحاول أن ترسم على وجهها ابتسامةً هادئة، تعكس استعدادها للقاء. تذكرت نصيحة جدتها: "المرأة الحكيمة هي التي تتزين بوقارها، وتتحدث بلطفها، وتصغي بقلبها."
حوالي الساعة الحادية عشر صباحًا، بدأ الضيوف بالوصول. كان المنزل يعج بالحركة والترحيب. كانت "ليلى" في غرفة النساء، مع والدتها وجدتها وبعض قريباتها. كانت تسمع أصوات الرجال في الخارج، أصواتٌ تعكس الود والاحترام.
وصلت سيارةٌ فارهة، خرج منها رجلٌ ذو هيبةٍ ووقار، تبعه شابٌ في منتصف العقد الثاني، طويل القامة، ذو ملامحٍ عربيةٍ أصيلة. كانت تلك هي المرة الأولى التي تراها فيها "ليلى" بشكلٍ مباشر، وإن كانت قد رأت صورته في السابق. بدا "خالد" شابًا مهذبًا، ينظر حوله بعينين تحملان الكثير من الهدوء والتأمل.
بعد تقديم واجب الضيافة، دخل والد "ليلى" بصحبة والده "خالد" والغالبية من الرجال إلى غرفةٍ مخصصةٍ للاجتماعات، حيث سيتم الحديث في الأمر الرسمي. بقيت النساء في الصالة الرئيسية، حيث تدور الأحاديث بينهن، ويتشاركن الأحاديث حول العائلتين.
كانت "ليلى" تشعر بقلبها يخفق، لكنها لم تشعر بالخوف. كان شعورًا مختلطًا، مزيجٌ من الفضول، والترقب، والأمل. استمعت إلى جدتها وهي تتحدث عن "خالد" وعن صفاته الحميدة، وكيف أنه حافظٌ للقرآن، وموظفٌ مجتهدٌ في شركةٍ مرموقة، وحفيدٌ لوالدٍ صالح.
مر الوقت ببطءٍ وثقل. كانت "ليلى" تحاول أن تنظم أفكارها، وترتب مشاعرها. في أحدى اللحظات، دخلت السيدة "فاطمة"، والدتها، والغبطة بادية على وجهها. "يا ابنتي، لقد طلب والدكِ أن تأتي لتقديم واجب الضيافة. سيكون لقاؤكما الأول."
شعرت "ليلى" بتيارٍ من الكهرباء يسري في عروقها. أمسكت بيد والدتها، ونهضت معها. قلوبهن كنّ تدق بنفس الإيقاع. ذهبتا نحو الغرفة التي يجلس فيها الرجال.
عندما دخلت "ليلى" الغرفة، توقفت الأنظار للحظة. كان "خالد" واقفًا مع الرجال، ووجهه يرتسم عليه بعض الارتباك والترقب. نظر إليها، وقد لمعت عيناه بريقٌ خافتٌ لم تفهمه "ليلى". ابتسمت ابتسامةً خفيفة، محاولةً أن تخفي أي علامةٍ على التوتر.
قدمت الضيافة، ثم جلست بجوار والدتها. كان الحديث يدور بين الرجال، وحاولت "ليلى" أن تستمع جيدًا، وتتابع ما يدور. كان والدها يتحدث بلسانٍ واثق، يعبر عن موافقته على الخطوبة. وكان والد "خالد" يرد بكلماتٍ تحمل الشكر والامتنان.
لم يدم هذا الوضع طويلاً. اقترح والد "خالد" أن يتحدث الشاب مع "ليلى" على انفراد، لبعض الوقت، ليتعرفا على بعضهما البعض بشكلٍ أفضل. تردد والد "ليلى" قليلاً، لكنه وافق بعد أن رأى إيماءةً من زوجته، التي كانت تثق في تربيتها لابنتها.
خرجا من الغرفة، وتوجها إلى الحديقة الخلفية. كان الجو لطيفًا، والزهور تفوح بعطرها. كانت "ليلى" تشعر بأنها تسير في حلمٍ جميل. جلسا على مقعدٍ حجريٍ تحت ظل شجرةٍ زيتونٍ عتيقة.
"مساء الخير، يا "ليلى"." بدأ "خالد" بصوتٍ هادئ، يشوبه بعض الخجل. "مساء النور، يا "خالد"." ردت "ليلى" بصوتٍ مماثل، وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها. "أشكركم على حسن الاستقبال. ويسعدني أن أرى أن عائلة السيد عبد الرحمن كريمةٌ مثلما سمعنا." "الشكر لكم على تفضلكم بزيارتنا." ردت "ليلى" بلطف. "لقد تحدثت والدتي كثيرًا عنكِ، وعن ذكائكِ وعلمكِ. وقالت إنكِ فتاةٌ فريدة." ابتسمت "ليلى" ابتسامةً حقيقية هذه المرة. "والدتكِ كريمةٌ جدًا. وأنا أيضًا سمعت عنك الكثير من صفات الخير."
تحدثا عن أمورٍ بسيطة في البداية، عن الكتب، وعن الهوايات، وعن أحلامهما. اكتشفت "ليلى" أن "خالد" ليس مجرد شابٍ ملتزم، بل هو شخصٌ عميق التفكير، يملك شغفًا بالعلم، ورغبةً في فهم الحياة. وكان "خالد" بدوره، يبدو منبهرًا بثقافة "ليلى" واتزانها.
كان اللقاء قصيرًا، لكنه حمل في طياته الكثير. عندما عادا إلى الداخل، كان الكل ينتظرهما. نظرت "ليلى" إلى والدها، وإلى والدتها. كان في عينيهما علامات الرضا.
لم تعلن الخطوبة رسميًا في ذلك اليوم، لكنها كانت بمثابة وعدٍ جميل. غادر الضيوف، وبقيت "ليلى" تتأمل ما حدث. كان عطر الزهور ما زال يفوح في الهواء، وكان لحن الوعد يتردد في قلبها. لم تكن تعرف ما يحمله المستقبل، لكنها شعرت بنوعٍ من الطمأنينة، وببدايةٍ جديدة.