الفصل 20 / 25

روحي تعشقك 197

غبار الماضي وعاصفة الحقيقة

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمة الهواء التي تعبر نافذة غرفتها في تلك الليلة تحمل معها وعداً بالهدوء، لكن روحها كانت تعصف بها رياح لم تعهدها من قبل. جلست "ليلى" بجوار النافذة، تتأمل النجوم المتناثرة في سماء المدينة التي اعتادت على سكونها. في يدها، كانت قابضة على رسالة قديمة، أوراق بالية تحمل خط يد أصبح الآن أثراً باهتاً للزمن. كل حرف فيها كان يلسع قلبها، كل كلمة تفتح جرحاً ظنت أنه قد اندمل.

قبل ساعات، عندما وطأت قدماها عتبة بيت جدتها المتواضع الذي يعج بالأسرار، لم تكن تتوقع أن يلقي الزمن بستار أسود كثيف على كل ما اعتقدت أنه حقيقة. كانت قد جاءت لزيارة عائلية، لجلب بعض السعادة لجدتها التي كبرت وشاخت، ولتجديد ذكريات الطفولة البريئة. لكنها وجدت نفسها في مواجهة مع شبح ماضٍ مدفون، شبح كاد أن يفتك ببريق حياتها.

كانت "أمينة"، جدتها، تتكئ على جدار الغرفة، ترتجف برفق كلما مرت نسمة بارد. عيناها العميقتان، اللتان اعتادتا على دفء الحنان، كانتا تحملان الآن ثقلاً لا يُحتمل. "يا ابنتي،" بدأت بصوت يرتعش، "هناك أمور كثيرة لم تكن تعرفينها، أسرار كانت عائلتنا تحتفظ بها لحمايتك، ولحماية سمعتها."

وقفت "ليلى"، ترفع الرسالة المرتعشة بين أصابعها. "تقصدين هذه، يا جدتي؟ رسالة من أبي؟ رسالة تتحدث عن... عن اتفاق؟ عن ترتيبات لم تكن ضمن معرفتي؟"

تنهدت "أمينة" طويلاً، وكأنها تتنفس للمرة الأولى منذ عقود. "لقد كان والدك رجلاً طيباً، لكن الظروف كانت أقوى منه. عندما وقع في ضائقة مالية كبيرة، لجأ إلى حل لم يكن موفقاً فيه. أراد أن يضمن لك مستقبلاً آمناً، لكنه فعل ذلك بطريقة... بطريقة جعلتنا نتحمل عبء ثقيل."

كانت كلمات جدتها تتساقط كالحجارة الثقيلة على أرض نفس "ليلى". كانت تتذكر والدها، ذلك الرجل الذي أحبته بلا حدود، الرجل الذي غرست فيه أمها حب الصدق والأمانة. كيف يمكن لرجل كهذا أن يدخل في "ترتيبات"؟

"ما هي هذه الترتيبات، يا جدتي؟" سألت بصوت خافت، بالكاد مسموع. "ماذا كتب أبي في هذه الرسالة؟"

اقتربت "أمينة"، وضعت يدها المرتعشة على يد "ليلى". "لقد استدان والدك من شخص... من شخص ذي نفوذ. كان الدين كبيراً، ولم يكن ليتمكن من سداده. وفي مقابل ذلك، وعد هذا الشخص بأن يتزوجك مستقبلاً. كان يتوقع أن يرزق بطفل ذكر، ولذلك كان الاتفاق يتضمن زواجك من ابنه، إذا رزق بواحد. ولكن، قدر الله أن رزق بابنة. ولذلك، اقترح هذا الرجل أن يكون الاتفاق معكِ مباشرة، ولكن بعد أن تتجاوزي مرحلة الطفولة، وبعد أن تتأكدي من موافقتك. كان ينتظر الوقت المناسب ليعرض الأمر."

انقبض قلب "ليلى". زواج؟ ترتيب؟ هل كانت حياتها مجرد صفقة؟ هل كانت كل ابتسامة، كل كلمة حب، كل وعد بالمستقبل، مجرد جزء من خطة لم تكن هي صاحبة القرار فيها؟

"ولماذا لم تخبروني؟" صرخت، والدموع بدأت تنهمر من عينيها. "لماذا تركتموني أعيش في وهم؟"

"حاولنا، يا ابنتي. حاولنا أن نحميكِ. عندما مرض والدك رحمة الله عليه، ترك لنا هذه الرسالة، وطلب منا أن نؤجل الحديث معكِ حتى تأتي اللحظة المناسبة. كان يعلم أنكِ ستكونين قوية، وسوف تتجاوزين الأمر. لكن هذا الرجل... لقد كان يلاحقنا. حاولنا أن نتخلص من هذا الدين، لكن الأمر كان صعباً. كان دائماً يذكرنا بوعد والدك. وكان دائماً يرى فيكِ الابنة التي وعد بها."

بدأت "ليلى" تشعر بأن الأرض تميد بها. كل ما اعتقدت أنه حقيقة راسخة بدأ يتصدع. "إذاً... إذاً هذا هو سبب إصرار "خالد" على الزواج مني؟ لماذا كان يحاول التقرب مني دائماً؟ هل كان يعلم؟"

"لا أظن ذلك، يا ابنتي. "خالد" شاب طيب، لكن عائلته... عائلة "أبو سليم" لها سمعة في عالم المال والأعمال. لم يكن "خالد" على علم بتفاصيل ما بين والدك ووالده. ولكن، والد "خالد" علم بأمرك، وأمر الاتفاق القديم. وعندما علم أنكِ خطبتِ لـ "أحمد"، شعر بالخطر. أراد أن يتأكد من حصوله على ما يعتبره حقاً له، حقاً أبوه وعد به. لذلك، بدأ "خالد" بالاقتراب منكِ، ربما كان يشعر بشيء ما، ربما كان والده قد أمره بذلك بطريقة غير مباشرة. لقد ضغطوا علينا. وخاصة بعد أن اكتشفنا أنكِ بدأتِ تتحدثين مع "أحمد". لقد أرادوا أن يعجلوا بالأمر قبل أن يصبح الأمر خارج سيطرتهم."

كانت تلك الكلمات بمثابة صفعة قوية. "أحمد". ذلك الشاب الذي أحبته بصدق، الذي وجدت فيه الطمأنينة والحب الحلال، هل كان كل ذلك مجرد وهم؟ هل كان قدرها أن يُكتب لها زواج قسري، زواج لا يقوم على الحب، بل على اتفاق قديم؟

"ومن هو هذا الرجل؟" سألت بصوت يرتجف. "من هو صاحب الدين؟"

نظرت "أمينة" إلى "ليلى" بعينين مليئتين بالأسى. "إنه... إنه والد "خالد". السيد "أبو سليم"."

صُعق قلب "ليلى". "أبو سليم"! ذلك الرجل الذي كانت تسمع عنه، ذلك الرجل الذي يملك الكثير من الشركات، ذلك الرجل الذي يبدو دائماً هادئاً وقوياً. هل كان هذا الرجل الذي سيحدد مستقبلها؟ هل كان سيجبرها على الزواج من ابنه، "خالد"، الذي لم تشعر تجاهه بأي ميل؟

"لقد حاولنا أن نقنع "أبو سليم"،" استمرت "أمينة"، "حاولنا أن نشرح له أن الأمور تغيرت، وأنكِ الآن في عالم آخر، وأنكِ تحبين شخصاً آخر. لكنه رفض. لقد كان متشبثاً بالاتفاق. وقال إنه لن يتنازل عنه مهما كان الثمن."

شعرت "ليلى" وكأنها في دوامة. كانت تنظر إلى الرسالة، إلى خط يد والدها، وكأنها تتهمه. كيف فعل ذلك بها؟ كيف ترك لها هذا الإرث الثقيل؟

"وماذا عن "أحمد"؟" سألت، وصوتها أصبح أجشاً. "هل يعلم "أحمد" شيئاً عن هذا؟"

"لم نقل له شيئاً، يا ابنتي. لم نرد أن نجعل الأمر أعقد. ولكن، أظن أنه سيشعر بالأسى عندما يعلم. لقد رأيت مدى حبه لكِ."

كانت تلك هي اللحظة التي شعرت فيها "ليلى" بأن كل شيء قد انهار. لم يعد هناك مجال للرجوع. أمامها طريقان، كلاهما مر. إما أن تخالف وعد والدها، وتخالف اتفاقاً قديماً، وتدخل في صراع مع عائلة "أبو سليم" التي لا ترحم. أو أن تستسلم لقدرها، وتضحي بحبها، وتتزوج من رجل لم تختره، وتدفن قلبها إلى الأبد.

نظرت مرة أخرى إلى الرسالة، ثم رفعت رأسها لتنظر إلى جدتها. كانت عينيها مليئتين بتصميم جديد. "لا، يا جدتي،" قالت بحزم، "لن أسمح لأحد أن يتحكم في حياتي. أبي كان يريد لي السعادة، ولن أجعل وصيته سبباً لشقائي."

كانت الكلمات الأولى لتحدٍ جديد، بداية معركة لم تكن "ليلى" مستعدة لها، لكنها كانت تعلم يقيناً أنها لن تستسلم. لقد بدأت عاصفة الحقيقة تضرب حياتها، وكانت عليها أن تجد طريقها خلالها، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة أعتى الصعاب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%