روحي تعشقك 197
ضوءٌ في ظلمات الشك
بقلم ليلى الأحمد
بعد أيامٍ قليلةٍ من لقاء "خالد" الأول، تبلورت الأمور بوتيرةٍ متسارعة. تم الاتفاق على موعدٍ لإعلان الخطوبة الرسمي، وبدأت التحضيرات تجري على قدمٍ وساق. كانت "ليلى" تشعر بأنها تعيش في عالمٍ آخر، عالمٌ مليءٌ بالمشاعر المتضاربة، والفرح الذي يتخلله بعض القلق.
تحدثت "ليلى" مع "خالد" عدة مرات عبر الهاتف، وتبادلا الرسائل الإلكترونية. كان حديثهما ينمو ويتعمق، ويكشف عن جوانب جديدة في شخصية كل منهما. كان "خالد" دائمًا ما يسألها عن رأيها في أمورٍ مختلفة، ويستمع إلى وجهات نظرها بعنايةٍ فائقة. وكان "ليلى" تشعر بأنها تجد في "خالد" الأذن الصاغية، والعقل المفكر الذي تستطيع أن تتناقش معه دون خوف.
لكن رغم هذا التقارب، كان هناك شيءٌ ما يزعج "ليلى". كانت تتذكر دائمًا قصص الحب التقليدية التي سمعتها من جدتها، قصصٌ كانت فيها الرومانسية تنمو ببطء، مبنيةً على المعرفة العميقة، والتعاطف المتبادل. لم تكن متأكدةً إن كانت تشعر بهذا النوع من الحب تجاه "خالد"، أم أنها كانت معجبةً بشخصيته، وت تقدر خلقه، وتتطلع إلى بناء مستقبلٍ مستقرٍ معه.
وفي إحدى الليالي، وبينما كانت "ليلى" تتصفح كتابًا قديمًا عن تاريخ الأدب العربي، وقعت عيناها على بيت شعرٍ أثار شغفها: "إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر"
توقفت "ليلى" عند هذه الكلمات، وشعرت بأنها تحمل معنىً عميقًا. هل كانت حياتها، بكل تعقيداتها، قادرةً على أن تستجيب للقدر، وتنجلي ظلاماتها؟ هل كان هذا الزواج، الذي يبدو أنه يسير نحو الاكتمال، هو الاستجابة التي تنتظرها؟
في اليوم التالي، تلقت "ليلى" زيارةً غير متوقعة. كانت "نورا"، ابنة عمها، التي كانت دائمًا ما تنافسها في كل شيء. كانت "نورا" فتاةً متهورة، تبحث عن الإثارة، ودائمًا ما كانت تكن ضغينةً مبطنةً تجاه "ليلى".
"مرحباً يا "ليلى". سمعت أخبارًا جيدة عنكِ. خطوبةٌ قريبة، أليس كذلك؟" قالت "نورا" بابتسامةٍ تحمل في طياتها شيئًا من السخرية. "نعم، الحمد لله. الأمور تسير على ما يرام." أجابت "ليلى" بهدوء، وهي تشعر ببعض التوتر. "سمعت أن الشاب "خالد" شخصٌ ممتاز. لكن هل أنتِ متأكدةٌ أنه مناسبٌ لكِ؟" "ولماذا لا يكون مناسبًا؟" سألت "ليلى" وهي تشعر بأنها تدخل في فخ. "لا أدري. فقط، أعرف أنكِ فتاةٌ طموحة، ولديكِ أحلامٌ كبيرة. وهذا الشاب، يبدو هادئًا جدًا، تقليديًا. أخشى أن يحجم طموحكِ."
نظرت "ليلى" إلى "نورا" بعينين تحملان استغرابًا. "لستُ متأكدةً ما الذي تحاولين قوله يا "نورا"." "لا شيء. فقط، أتمنى لكِ الخير. ولكن، هل أنتِ تعرفين كل شيءٍ عن "خالد"؟ عن ماضيه؟ عن علاقاته؟"
كلمات "نورا" كانت أشبه بالسحر الأسود، بدأت تتسلل إلى عقل "ليلى" وتزرع بذور الشك. لم تكن "ليلى" من النوع الذي يتسرع في الحكم، لكنها كانت تعرف أن "نورا" ليست من النوع الذي يقول شيئًا دون سبب.
"لماذا تسألين هذا السؤال؟" سألت "ليلى" بجدية. "فقط فضول. ربما سمعتُ بعض الأحاديث. لا أكثر. ولكن، إن كانت لديكِ أي شكوك، فمن الأفضل أن تتأكدي قبل فوات الأوان." قالت "نورا" وهي تنهض للمغادرة، تاركةً "ليلى" في حيرةٍ من أمرها.
بعد رحيل "نورا"، شعرت "ليلى" بأن الأفكار السلبية بدأت تتصارع داخلها. هل كانت "نورا" تقول الحقيقة؟ هل كان هناك شيءٌ يخفيه "خالد"؟ كانت تثق في عائلتها، وتثق في حكمتها، لكنها كانت تعرف أيضًا أن "نورا" قد تكون مصادر معلوماتها مختلفة.
قررت "ليلى" أن تتوجه إلى جدتها. كانت جدتها، السيدة "عائشة"، هي من اقترحت هذا الزواج، وكانت تعرف "خالد" وعائلته جيدًا. جلست "ليلى" مع جدتها في حديقة المنزل، تحت شجرة الرمان المزهرة.
"يا جدتي، هل أنتِ متأكدةٌ من أن "خالد" شخصٌ مناسبٌ لي؟" سألت "ليلى" بصوتٍ خافت. نظرت الجدة إليها بعينيها الحنونتين. "لماذا تسألين هذا السؤال يا ابنتي؟ هل حدث شيءٌ ما؟" ترددت "ليلى" قليلاً، ثم قصت على جدتها ما قالته "نورا".
استمعت الجدة بصبر، ثم تنهدت. "يا "ليلى"، "نورا" لم تكن يومًا صديقةً لكِ. وهي دائمًا ما تحاول أن تثير المشاكل. أما "خالد"، فهو شابٌ تربى في بيتٍ صالح، وأنا أعرف عائلته جيدًا. لا تقلقي بشأن ما قالته "نورا". لا تدعي الشكوك تتسلل إلى قلبكِ."
"ولكن يا جدتي، ما إذا كانت "نورا" تعرف شيئًا؟" "إن كان "خالد" يخفي شيئًا، فسيظهر مع الوقت. لكنني أثق في أخلاق "خالد" وفي تربية عائلته. لا تدعي كلام الناس يفسد عليكِ فرحتكِ، ويدفعكِ إلى اتخاذ قراراتٍ قد تندمين عليها."
حاولت "ليلى" أن تتجاوز الأمر، لكن كلمات "نورا" ظلت تتردد في ذهنها. في الليالي التالية، كانت تجد صعوبةً في النوم، وتتخيل سيناريوهات مختلفة. كانت تراقب "خالد" في كل محادثةٍ بينهما، تبحث عن أي علامةٍ تدل على ما قالته "نورا".
في إحدى المكالمات الهاتفية، كان "خالد" يتحدث عن رحلةٍ قام بها إلى إحدى الدول الأوروبية لدواعي العمل. وعندما ذكر المدينة، شعرت "ليلى" بأن هناك شيئًا ما. "هل تقصد مدينة "باريس"؟" سألت "ليلى" وهي تشعر ببعض الارتباك. "نعم، باريس. كانت رحلةً شاقة، لكنها كانت مفيدة." أجاب "خالد" بلهجةٍ طبيعية.
لم يكن هناك أي شيءٍ في نبرته يوحي بالكذب، لكن "ليلى" شعرت بأنها وجدت شيئًا. ربما كانت "نورا" تقصد هذه الرحلة؟ ربما كانت هناك علاقاتٌ مع نساءٍ في تلك المدينة؟
كانت هذه الأفكار تنهش في روح "ليلى". كانت تحب "خالد"، وتقدر فيه هدوءه، وذكاءه، وتدينه. لكنها كانت أيضًا تعرف أن الحب الحقيقي لا يجب أن يكون مبنيًا على التضليل.
في مساء يومٍ ما، اتخذت "ليلى" قرارًا. اتصلت بـ "خالد"، وطلبت منه أن يلتقيا في مكانٍ هادئ. اختارت مقهىً بعيدًا عن الأنظار، حيث يمكنهما التحدث براحة.
عندما وصل "خالد"، وجد "ليلى" جالسةً على طاولةٍ في زاويةٍ بعيدة، وجهها شاحبٌ وعيناها تحملان حزنًا عميقًا. "ما بكِ يا "ليلى"؟ هل حدث شيءٌ ما؟" سأل "خالد" بقلق. نظرت "ليلى" إليه، وأخذت نفسًا عميقًا. "خالد، هل لي أن أسألك سؤالاً بصراحة؟" "بالتأكيد يا "ليلى". ما هو؟" "هل كنتَ في باريس؟" صمت "خالد" للحظة، ثم أجاب: "نعم، كنتُ في باريس." "ولماذا لم تخبرني بذلك؟" سألت "ليلى" بصوتٍ مخنوق. "هل هذا مهم؟" سأل "خالد" ببساطة، وشعرت "ليلى" بأنها فقدت الأمل.