روحي تعشقك 197
ضباب الشك وأوهام الحب
بقلم ليلى الأحمد
كان صوت "خالد" الهادئ، وعبارته البسيطة "هل هذا مهم؟"، أشبه بصفعةٍ على وجه "ليلى". شعرت بأن الأرض تميد بها، وأن كل ما بنته من ثقةٍ بدأ يتصدع. لقد انتظرت منه اعتذارًا، أو تفسيرًا، أو ربما حتى إنكارًا. لكنه لم يأتِ أيٌ من ذلك.
"هل هذا مهم؟" كررت "ليلى" بصوتٍ مرتفع قليلاً، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. "بالطبع هو مهم، يا "خالد". ألا تعتقد أنني أستحق أن أعرف أين تذهب، ومع من تلتقي، خاصةً ونحن على وشك الارتباط؟"
نظر إليها "خالد" ببعض الحيرة، ثم قال بهدوء: "لقد كنتُ في رحلة عملٍ إلى باريس. وهذا كل ما في الأمر. لم أرَ فيها شيئًا يستدعي إخباركِ تفاصيلًا دقيقة. رحلةٌ عملٌ رسمية، وانتهت."
"ولماذا لم تخبرني؟" كررت "ليلى" بصوتٍ يرتجف. "هل لأنك كنتَ تخشى أن أقلق؟ أم لأن هناك شيئًا كنتَ تخفيه؟"
تنهد "خالد" بعمق. "ليلى، أعرف أنكِ فتاةٌ ذكيةٌ، وأن لديكِ مخيلةً واسعة. ولكن، لا تضخمي الأمور. لم أخبركِ لأنني لم أرى في الأمر شيئًا ذا أهميةٍ خاصة. إنها رحلة عمل، مثل أي رحلة عملٍ أخرى. أنا أقدر ثقتكِ بي، ولكن لا يجب أن تتحول هذه الثقة إلى تشكيكٍ دائم."
شعرت "ليلى" بالإحباط. لقد أرادته أن يكون شفافًا، وأن يشرح لها ما جرى. لكن كلماته كانت تشير إلى أنها تبالغ في رد فعلها. هل كان هذا يعني أنها تفتقر إلى الثقة؟ أم أنه كان يحاول التهرب من مسؤولية؟
"أنا لستُ شخصًا يريد أن يشكك بك، يا "خالد". أنا شخصٌ يريد أن يبني علاقةً على الصدق والوضوح. وعندما أتحدث عن رحلةٍ إلى باريس، فإني أتوقع أن أعرف تفاصيلها، حتى لو كانت مجرد عمل. خاصةً وأنك تعرف كم هي حساسةٌ هذه الأمور في مجتمعنا."
"وأنا أقدر ذلك. لكن ألا ترين أن هناك فرقًا بين الشفافية والتدخل؟" قال "خالد" بنبرةٍ بدأت تظهر عليها بعض الانفعال. "لا أريد أن أشعر بأنني تحت المراقبة. أريد أن نبني علاقةً تقوم على الاحترام المتبادل، وليس على الشك والتحقيق."
أحست "ليلى" بالذنب. ربما كانت قد بالغت فعلاً. ربما كانت "نورا" قد زرعت فيها بذور الشك بطريقةٍ ذكية. لكنها لم تستطع أن تتجاهل الشعور الذي بداخلها، الشعور بأن هناك شيئًا ناقصًا.
"ربما كنتُ على خطأ. ربما بالغْتُ. ولكن، عندما سمعتُ اسم "باريس"، فإن أول ما تبادر إلى ذهني هو كل القصص التي نسمعها عن هذه المدينة. لا أريد أن أسمع عن قصصٍ تتجاوز حدود الاحترام."
"وأنا أيضًا لا أريد ذلك. وأنا أعدكِ، يا "ليلى"، بأنني سأكون دائمًا صادقًا معكِ. وأنني سأقدر مشاعركِ. ولكن، أرجو منكِ أن تثقي بي. وثقي بأنني لن أفعل شيئًا يضر بعلاقتنا، أو يمس القيم التي تربينا عليها."
نظرت "ليلى" إلى "خالد". كانت كلماته تحمل صدقًا، لكن كان هناك شيءٌ ما في عينيه، شيءٌ لم تستطع أن تفهمه. ربما كان إرهاق الرحلة، أو ربما كان شيئًا آخر.
"حسنًا، يا "خالد". أنا أثق بك. ولكن، دعنا نتفق على أن نتحدث دائمًا، وأن نكون صريحين مع بعضنا البعض. حتى في الأمور البسيطة."
"أتفق معكِ تمامًا." قال "خالد" وهو يمد يده ليلمس يدها. شعرت "ليلى" ببعض الدفء، لكن لم يختفِ الشعور الغامض تمامًا.
عاد كلٌ منهما إلى عالمه، و"ليلى" لا تزال تحمل في قلبها بعض الشكوك. هل كانت "نورا" قد نجحت في مهمتها؟ هل بدأت تزرع الفتنة بينها وبين "خالد"؟
في الأيام التالية، استمرت التحضيرات للخطوبة. كانت "ليلى" تحاول أن تركز على الجوانب الإيجابية، وعلى السعادة التي ستجلبها هذه الخطوبة. لكن في داخلها، كانت هناك قصةٌ أخرى تتكشف.
كانت "نورا" تتردد على المنزل بشكلٍ مستمر، وبدأت تحيك قصصًا جديدة، تتحدث عن "خالد" وعن علاقاته الغامضة. كانت تلمح إلى أنه كان لديه علاقةٌ عاطفيةٌ مع إحدى الفتيات أثناء وجوده في باريس، وأن هذه العلاقة لم تنتهِ بعد.
"صدقيني يا "ليلى"، أنا لا أحب أن أرى أختي تتألم. ولكني لا أستطيع أن أخفي عنكِ الحقيقة." كانت "نورا" تقول بلهجةٍ مصطنعةٍ من الشفقة. "وما هي الحقيقة التي تريدين أن تخبريني بها؟" سألت "ليلى" ببرود، وقد بدأت تفقد صبرها. ""خالد" لا يزال على تواصل مع تلك الفتاة من باريس. لقد رأيتُ رسائلٍ تصل إليه، ورأيتُ وجهه يتغير كلما تلقى اتصالاً."
كانت هذه الكلمات كافيةً لتجديد الشكوك في قلب "ليلى". لم تعد تعرف ما تصدق. هل كانت "نورا" تكذب؟ أم أن "خالد" كان يخفي عنها شيئًا؟
في إحدى الليالي، بينما كانت "ليلى" في غرفتها، سمعت صوت أمها تناديها. "ليلى، والد "خالد" يريد أن يتحدث إليكِ. يقول إن هناك أمرًا مهمًا."
شعرت "ليلى" ببرودةٍ تسري في جسدها. اتصلت بـ "خالد" على هاتفه، لكنه لم يرد. ذهبت إلى حيث والدتها، ووجدت والد "خالد" جالسًا مع والدها. كان وجهه يحمل شيئًا من الحزن.
"مساء الخير يا "ليلى"." قال والد "خالد" بصوتٍ متعب. "مساء النور، يا عمي." ردت "ليلى" بصوتٍ خافت. "أنا آسفٌ جدًا لأنني أتيتُ بهذه الأخبار. ولكن، واجبٌ عليّ أن أبلغكِ بها."
بدأ والد "خالد" يتحدث. كانت كلماته ثقيلة، تحمل خبرًا لم تتوقعه "ليلى" أبدًا. لقد كان "خالد" قد وقع في بعض المشاكل المادية، وكان مدينًا لشخصٍ ما بمبلغٍ كبير. ولأجل ذلك، كان يتلقى بعض التهديدات.
"ولكن، لماذا لم يخبرني "خالد" بذلك؟" سألت "ليلى" بصوتٍ مكسور. "لقد حاول أن يستر على الأمر، حتى لا يقلقكِ. ولكن، الوضع أصبح لا يحتمل. لقد طلبتُ منه أن يكون صريحًا معكِ."
شعرت "ليلى" بأنها في دوامةٍ لا نهاية لها. الشك في "باريس"، والآن هذه المشاكل المالية. هل كان "خالد" يختبئ وراء هذه الأكاذيب؟ هل كان يحاول أن يبدو مثاليًا، بينما هو غارقٌ في المشاكل؟
خرجت "ليلى" من المنزل، وشعرت بأن الهواء أصبح ثقيلاً. جلست على مقعدٍ في حديقة منزلها، تنظر إلى النجوم. هل كان حبها لـ "خالد" مجرد وهم؟ هل كانت تبني مستقبلها على أساسٍ واهٍ؟
تذكرت كلمات جدتها: "الحب الحقيقي ينمو في بيوتٍ مبنيةٍ على المودة والرحمة، ويتجذر في قلوبٍ تتلاقى على الإيمان والطاعة." هل كانت هذه العلاقة تحمل كل ذلك؟ أم أنها كانت مجرد فخٍ نصبه لها القدر؟