روحي تعشقك 197
ظلال الشوق المحرم
بقلم ليلى الأحمد
كانت السماء فوق قرية "وادي الصفاء" تنسج خيوطها الأرجوانية مع غروب الشمس، تبعث بنورها الخافت على البيوت الطينية البسيطة والأسواق التي بدأت تكتظ بأصوات الباعة وعطور البخور. في هذه الليلة، لم يكن قلب "ليلى" ينعم بصفاء الوادي الذي احتضن ذكرياتها، بل كان يغلي بصراع داخلي لم تعهده من قبل. منذ لقائها المفاجئ بالأمير "نواف" في سوق العطار، وخاصة بعد حديثهما الأخير تحت شجر النخيل، لم تكن ليلى سوى أثرٍ لسحابةٍ تحجب شمس قلبها.
لم يكن نواف مجرد أميرٍ وسيمٍ ببريقٍ أخاذ، بل كان عالماً بأكمله قد انفتح أمامها، عالماً من الحديث الرصين، والشمائل الرفيعة، والنظرة التي كانت تخترق أعماق روحها بلا استئذان. لقد أضاءت كلماته المقتضبة، وتفاصيل اهتمامه بمسألةٍ بسيطةٍ كنوع العطر الذي تفضله، تلك الزاوية المظلمة من أحلامها التي لم تجرؤ على البوح بها حتى لنفسها. لكن هذا الاهتمام، رغم أنه كان يلامس وتراً حساساً في عذريتها، كان يلقي بظلالٍ ثقيلةٍ من القلق والخوف.
والد ليلى، الشيخ "زيد"، رجلٌ ورعٌ وتقي، أمضى عمره في سبيل تعلم الدين والتفقه في أحكامه. كان يرى في الزواج رباطاً مقدساً، لا يصح إلا بضوابطه الشرعية، وأساسه القائم على الرضا المتبادل والتقدير، مع مراعاة الأصول والعادات. وكان يضع لابنته، فلذة كبده، مستقبلًا زاهراً يليق بها، مستقبلٌ قائمٌ على أسسٍ متينةٍ من القيم والأخلاق، لكنه لم يكن يدرك حجم الصدمة التي سيتعرض لها لو علم بحجم الانجراف العاطفي الذي تعيشه ابنته.
في خلوتها بغرفتها الصغيرة، حيث كانت وسائد القماش الملونة تبعث دفئاً بسيطاً، أمسكت ليلى بخصلةٍ من شعرها الداكن، وقد التصقت بخدها المتورد. تنهدت بعمق، وكأنها تحاول إخراج الهواء المتكدس في صدرها. "كيف لف لي أن أقع في هذا المأزق؟" تمتمت بصوتٍ خافتٍ، بالكاد مسموع. لقد تجاوزت حدود ما هو مسموح به، ليس بالأفعال، بل بالأفكار والخواطر التي بدأت تتسلل إلى روحها كاللصوص في جنح الظلام.
كانت رؤيته المتكررة في السوق، وابتسامته العابرة التي كانت تحدث في قلبها زلزالاً، وحديثه عن شغفه بالقراءة والشعر، كل ذلك كان وقوداً لنارٍ بدأت تتأجج. لقد بدأت تشعر بأنها تفقد السيطرة على أفكارها، وأنها أصبحت أسيرةً لرغبةٍ مكبوتةٍ لا تملك القدرة على مقاومتها. كان هذا الشعور يرهقها، ويجعلها تتجنب النظر في وجه والدها، تخشى أن يكشف بياض عينيه البريء ما يدور في خبايا نفسها.
كانت "سارة"، صديقة عمر ليلى، شابةٌ مرحةٌ وفطينة، هي الوحيدة التي لاحظت التغير المفاجئ في سلوكها. رأت كيف كانت ليلى تتشتت في حديثها، وكيف كانت عيناها تبحثان عن شيءٍ في الأفق، وكيف كانت تفقد شهيتها للطعام. في إحدى الأمسيات، وقد جلستا تحت شجرة التين في حديقة منزل ليلى، سألتها سارة بنبرةٍ قلقة: "يا ليلى، هل من أمرٍ يشغل بالك؟ أراكِ شاحبةً ومختلفةً هذه الأيام."
ترددت ليلى لحظة، ثم قالت بابتسامةٍ مصطنعة: "لا شيء يا سارة، ربما تعبٌ من حرارة الصيف." لكن سارة لم تقتنع. "لا، ليس هذا هو التعب الذي أعرفه. هل يتعلق الأمر بالشاب الذي رأيتكِ تتحدثين إليه في السوق؟ الأمير نواف؟" احمر وجه ليلى بشدة، وبدأت تضرب الأرض بقدمها بخفة. "بل أنتِ من تخترعين القصص يا سارة!" "إنما لأن عيناكِ تحكي قصةً لم تخبريني بها بعد. وأنا أعرفكِ يا ليلى، أعرف أنكِ تخفين شيئاً."
تنفست ليلى بعمق، واستجمعت قواها. "إنه أمرٌ معقدٌ يا سارة، وأنا خائفةٌ منه." "خائفةٌ من ماذا؟ من قلبٍ يريد أن ينبض؟" "لا، بل خائفةٌ من هذا النبض نفسه. إنه نبضٌ لا ينبغي له أن يكون. هو أمرٌ محرمٌ، وأنا أخشى أن أكون قد سمحت له بالتغلغل إلى روحي."
شرحت ليلى لسارة، بكلماتٍ مقتضبةٍ ومترددة، عن لقاءاتها العابرة بالأمير نواف، وعن التأثير الذي تركه عليها. اعترفت بأنها كانت تنتظر رؤيته، وأنها كانت تتمنى لو أن حديثهما استمر، وأنها بدأت تشعر بمشاعرَ لم ترغب بها. نظرت سارة إليها بعطفٍ ودهشة. "يا ليلى، إن مشاعر الإعجاب لا يمكن كبتها دائماً، لكن المهم هو كيف نتعامل معها. الأمير نواف رجلٌ رفيع المقام، ومن المؤكد أنه يعي حدوده. والأهم من ذلك، أنكِ فتاةٌ عفيفةٌ، ودينكِ يحميكِ. هل تحدث معكِ بغير ما يرضي الله؟" "لا، لم يفعل. كان دائماً في حدود الاحترام، لكن..." "لكن شغف قلبكِ بدأ يفسر الأمور على هواه. يا عزيزتي، الشوق المحرم هو نارٌ تحرق الروح، وليس هناك من شفاءٍ له سوى الابتعاد عن موطن الفتنة، والإكثار من ذكر الله، وطلب العون منه."
كلمات سارة، رغم صدقها، لم تخفف من وطأة الهم الذي كان يعتصر قلب ليلى. كانت تعرف أن النصيحة صحيحة، لكن تنفيذها كان أمراً شاقاً. لقد أصبح لقاء نواف، ولو كان عابراً، أشبه بالجرعة التي تحتاجها لتبدد وحشة روحها، ولسد فراغٍ لم تكن تعرف بوجوده إلا بعد أن ملأه. كانت تعرف جيداً أن هذا الشوق، وهذا التعلق، يمثلان انحرافاً عن الطريق المستقيم، انحرافاً قد يكلفها الكثير.
في تلك الليلة، وبينما كان القمر يرسم خيوطاً فضية على نافذتها، أدركت ليلى أنها أمام مفترق طرق. إما أن تستسلم لهذا الشوق المحرم، وتغرق في بحرٍ من المشاعر غير المنضبطة، فتفقد نفسها وتخسر احترامها وتقديرها، أو أن تواجه هذا التحدي، وتقاوم هذه الرغبة، وتستجمع كل قواها الأخلاقية والإيمانية لتجاوز هذه المحنة. كانت تعلم أن الطريق الأصعب هو الطريق إلى الجنة، وأن الطريق الأسهل قد يكون إلى الهلاك.
وبينما كانت تتصارع مع أفكارها، بدأت تدرك أن هذه ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي علامةٌ على وجود خللٍ ما في روحها، ربما غفلةٌ عن واجباتها، أو رغبةٌ في الهروب من واقعٍ لم تعد تتحمله. كانت تشعر بأن هذه "الإدمانية" للشوق، والتي لم تكن تعرف اسمها إلا حين بدأ يتسلل إلى كيانها، بدأت تقودها إلى منطقةٍ مجهولةٍ وخطيرة. كانت تدرك أن الأمر أكبر من مجرد إعجابٍ بكلماتٍ أو ابتسامة، وأنها بدأت تدمن شعوراً معيناً، شعوراً بالاهتمام، بالتقدير، بالنبض المختلف في قلبها.
شعرت بخوفٍ عميقٍ يرتعش في أوصالها. إذا استمرت على هذا المنوال، فماذا سيحدث لها؟ هل ستصبح أسيرةً لهذه المشاعر، تفقد قدرتها على التركيز في حياتها، وعلى تحقيق طموحاتها، وعلى بناء مستقبلٍ يليق بها؟ لقد بدأت الأيام القادمة تبدو لها وكأنها معركةٌ شرسةٌ بين إرادتها المترددة وبين قوةٍ خفيةٍ تجذبها نحو المجهول. كانت تعلم أن هذا الإدمان، وإن كان غريباً، إلا أنه كان حقيقياً، وكان يهدد بزعزعة استقرار روحها.