روحي تعشقك 197
وساوس النفس ورياح الفتنة
بقلم ليلى الأحمد
مرت أيامٌ وليالي، وكلما حاولَت ليلى أن تنفض عن نفسها غبار الشوق الذي علق بقلبها، كلما زاد تمسكه بها، وكأنه نباتٌ متطفلٌ يزداد قوةً كلما قاومت اقتلاعه. كان الأمير نواف، دون أن يدري، قد أصبح بؤرة تفكيرها، ومحور أحلامها ويقظتها. لم يكن الأمر مجرد إعجابٍ عابرٍ، بل كان ينمو ويتجذر، يلتف حول عقيدتها وأخلاقها كأفعى خبيثة.
كانت تشعر بأنها تفقد زمام الأمور، وأن هناك قوةً خفيةً تدفعها للبحث عنه، للتفكير فيه، لتخيل لقاءاتٍ جديدةٍ لم تحدث. كانت تنظر إلى السماء، وتبحث في السحب عن شكل وجهه، وتستمع إلى همس الريح، لتتلمس فيه صدى صوته. كان هذا التأثير أشبه بالإدمان، إدمانٌ على شعورٍ لا ينبغي لها أن تدمنه، شعورٌ يهدد بتدمير ما بنته في نفسها من عفةٍ وحياء.
كانت أفكارها تتصارع بضراوة. جزءٌ منها، الذي يمثل صوت العقل والتدين، كان يصرخ محذراً إياها من مغبة هذا الطريق. "يا ليلى، إن هذا حبٌ محرمٌ، يعارض تعاليم دينكِ، ويهدد سمعتكِ وسمعة أهلكِ. إنه فتنةٌ عظيمةٌ، تقود إلى الضياع." أما الجزء الآخر، وهو الأكثر إلحاحاً والأكثر إغراءً، فكان يهمس لها بسحرٍ فتّان: "لكنه رجلٌ نبيل، وإن كان لقاؤكما قد يكون خارج إطار الزواج، إلا أن المشاعر الصادقة لا يمكن كبتها. إنه يمنحكِ شعوراً بالاهتمام، وبالقيمة، وهو ما لم تشعرين به من قبل."
كانت تدرك أن هذا الصوت الأخير هو صوت النفس الأمارة بالسوء، وأن هذا الشعور بالاهتمام هو مجرد سرابٍ يخدعها. كانت تخشى أن تتحول هذه المشاعر المكبوتة إلى مرضٍ نفسيٍ، إلى "إدمانٍ" غير مرئيٍ، لكنه يفتك بروحها. في إحدى الأمسيات، وبعد يومٍ طويلٍ من العمل الشاق في مساعدة والدتها في حياكة السجاد، شعرت بإرهاقهما، وبحاجتها الماسةٍ إلى شيءٍ يخفف عنها ألمها. وبينما كانت تمر بقرب سوق العطار، لمحَتْه. كان يقف يتحدث إلى أحد التجار، وعلى وجهه تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تذيب قلبها.
تجمدت في مكانها، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع كخيلٍ جامح. كان جسدها يصرخ بالهروب، لكن روحها كانت تسحبها نحوه. وقفت متواريةً خلف أحد الأكشاك، تراقب حركاته، وتستمع إلى حديثه، وكأنها تطعم جوعاً روحياً سرياً. لم يكن هناك أي فعلٍ ملموسٍ، لكن مجرد وجوده، ومجرد رؤيته، كانا كافيين لإشعال نارٍ جديدةٍ في داخلها.
عندما استدار نواف، بدا وكأن عينيه قد لامحتها للحظة. ابتسم ابتسامةً خفيفةً، ثم أومأ برأسه قبل أن يبتعد. لم تكن ليلى متأكدةً مما إذا كانت رؤيته لها حقيقيةً أم أنها من نسج خيالها. لكن هذا اللقاء العابر، وهذه الإيماءة المقتضبة، كانت كافيةً لتشعل بها نار الأمل، ولتعزز لديها وهم أنها محط اهتمامٍ لديه.
في المنزل، كانت والدتها، السيدة "عائشة"، تلاحظ عليها شحوب وجهها وزيادة شرودها. كانت امرأةً حكيمةً، تعرف أن ابنتها تمر بمرحلةٍ حساسةٍ، وأن هناك ما يثقل كاهلها. في إحدى الليالي، جلست بجوار ليلى وهي تتظاهر بالنوم، وقبلت جبينها بحنانٍ. "يا ابنتي، إن الله خلقنا لنعبده، ولنعمّر الأرض. لا تشتتي قلبكِ في أمورٍ قد تلهيكِ عن سبيلكِ. تذكري أن الدنيا مزرعةٌ للآخرة."
لم تجب ليلى، لكن كلماتها كانت كبلسمٍ يلطف جراحها. كانت تعرف أن أمها على حق، وأنها تبتعد عن الطريق المستقيم. لكن لماذا كان هذا الابتعاد مريحاً لهذه الدرجة؟ ولماذا كانت تتوق إليه؟ لقد أدركت أن ما تعيشه ليس مجرد حبٍ بريء، بل هو شكلٌ من أشكال "الإدمان"، إدمانٌ على شعورٍ زائفٍ بالتقدير، وإدمانٌ على وهمٍ كانت تبنيه لنفسها.
في السوق، كان الشيخ "صالح"، تاجر الأقمشة المسن، وشاهد على كثيرٍ من أحداث القرية، يلاحظ اهتمام الأمير نواف المفاجئ بشراء بعض الكتب النادرة، وبخاصةٍ تلك التي تتحدث عن الشعر والأدب القديم. كان يرى أن هذا الاهتمام غير مسبوقٍ من قبل أميرٍ يهتم أكثر بشؤون الحكم والسياسة. وكان يرى أيضاً كيف كانت بعض فتيات القرية يتتبعن خطوات نواف بنظراتٍ خفيةٍ، ويتحدثن عن وسامته وأناقته.
لكن ما لم يكن يدركه الشيخ صالح، ولا كثيرون في القرية، هو أن نواف لم يكن يبحث عن الكتب فقط. لقد كان يبحث عن إجاباتٍ لأسئلةٍ تدور في ذهنه، أسئلةٌ حول معنى الحياة، وحول السعادة الحقيقية، وحول القيم والمبادئ. كان قد سمع عن فتاةٍ في القرية، "ليلى"، تتميز بعفتها، وبجمال روحها، وبذكائها، وأنها تقضي وقتها في تعلم أمور دينها ومساعدة أهلها. لم يكن يهدف إلى أي شيءٍ يغضب الله، بل كان يشعر بانجذابٍ روحيٍ غامضٍ إليها، انجذابٌ كان يتجاوز المظاهر، ويصل إلى أعماق النفس.
كانت ليلى تعيش صراعاً يومياً. كلما حاولت أن تقاوم، كلما زاد شعورها بالاشتياق. كانت تشعر بأنها في دوامةٍ، وأنها تفقد طاقتها وقدرتها على المقاومة. كانت ترى في لقاءاتهم العابرة، وفي حديثهم المقتضب، ذريعةً للتمسك بهذا الوهم، ولتغذية هذا "الإدمان" الجديد. كانت تعرف أن ما تفعله غير صائب، وأنها تتجه نحو منحدرٍ خطير. لكن شيئاً ما بداخلها كان يدفعها، كان يمنعها من التراجع.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت تساعد والدتها في ترتيب الأدوات، سقطت صورةٌ قديمةٌ من بين الكتب. كانت صورةً لوالدتها وهي شابةٌ، بجوار والدها الشيخ زيد. نظرت إليها ليلى طويلاً، ورأت في عيني أمها البريق الذي كانت تبحث عنه. تذكرت كلمات أمها الحكيمة، وكلمات سارة الصديقة. أدركت أنها لم تكن وحيدةً في هذا الصراع، وأن هناك من يحبها ويريد لها الخير.
لكن الصراع كان أعمق من ذلك. لقد بدأت تشعر بأن هذا "الإدمان" ليس مجرد شعورٍ عاطفيٍ، بل هو نقصٌ في الإيمان، وضعفٌ في الروح. لقد أصبحت تراودها أحلامٌ غريبة، ترى فيها نفسها تسير في طريقٍ مظلمٍ، ثم يظهر نورٌ خافتٌ من بعيد، وكأنه دعوةٌ للعودة. كانت تشعر بأن هذا "الإدمان" يقف كحاجزٍ بينها وبين نور الله.
وهكذا، استمرت ليلى في صراعها، تتردد بين رغبتها المحرمة وبين واجبها الديني. كانت تخشى أن ينتهي بها الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، وأن تفقد أغلى ما تملك: عفافها، وكرامتها، وإيمانها. كان هذا الإدمان، إدمان الشوق المحرم، هو العقبة الكبرى التي تقف في طريق سعادتها الحقيقية، سعادةٌ لا يمكن تحقيقها إلا بالاستقامة والصبر.