روحي تعشقك 197
مرآة النفس والوعد الكاذب
بقلم ليلى الأحمد
في قصر الأمير "نواف"، كانت الأضواء المتلألئة تعكس فخامة المكان، لكنها لم تستطع أن تضيء ظلال القلق التي بدأت ترسم نفسها على وجه نواف. كان يجلس في مكتبه الواسع، وبين يديه كتابٌ قديمٌ عن الشعر، لكن عينيه كانتا شاردتين، لا تريان الكلمات المنقوشة على الورق. كانت صورة "ليلى" قد احتلت مساحةً كبيرةً من تفكيره، وخواطره.
لم يكن نواف مجرد أميرٍ اعتاد على الحصول على ما يريد، بل كان شاباً مرهف الحس، يدرك قيمة العفاف والحياء. لكنه كان أيضاً، وبطريقةٍ غامضةٍ، يشعر بانجذابٍ شديدٍ نحو ليلى. لقد رأى فيها شيئاً نادراً، نقاءً أصيلاً، وروحاً تتوهج بالحياء، وذكاءً حاداً تخبئه عيناها الواسعتان. كان يتذكر حديثهما القصير في السوق، وكيف كانت نظراتها تخترق أعماق روحه.
لقد حاول جاهداً أن يقنع نفسه بأن هذا الانجذاب ما هو إلا فضولٌ مؤقت، وأنه سيختفي مع مرور الوقت. لكن الأمر كان أعمق من ذلك. كان يشعر بأنها تمثل شيئاً كان يفتقده في حياته، شيئاً من الصدق، ومن البراءة، ومن الروحانية. كان إحساسه بها أشبه بالإدمان، إدمانٌ على شعورٍ جديدٍ، شعورٍ يختلف عن كل ما عرفه من علاقاتٍ سطحيةٍ كانت تسوده في محيطه.
كان نواف يدرك تماماً خطورة ما يشعر به. فهو يعلم أن علاقته بليلى، إن تطورت، يجب أن تكون في إطارٍ شرعيٍ واضحٍ، وأن أي تجاوزٍ للحدود سيكون خيانةً لعقيدته، ولعاداته، ولأخلاقه. لكنه كان يجد صعوبةً بالغةً في إخماد هذه المشاعر المتنامية. كلما حاول أن يبعدها عن تفكيره، كلما عادت إليه بأشكالٍ جديدةٍ، وأكثر إلحاحاً.
في إحدى الليالي، وبينما كان يتجول في حدائق القصر، وجد نفسه يتجه نحو الجزء الأكثر هدوءاً، حيث كانت أشجار النخيل تظلل المكان بسكونٍ عميق. كان يتخيل ليلى تجلس هنا، تقرأ كتاباً، أو تتأمل النجوم. تخيل ابتسامتها وهي تتحدث عن أحلامها، عن طموحاتها. كانت هذه الصور، وهذا الخيال، يمثلان متعةً مؤلمةً في آنٍ واحد. متعةً لأنها تشعره بالحياة، وألمًا لأنه يعلم أن هذه المتعة قد تكون سراباً.
كان نواف يعيش صراعاً مع ذاته. لقد كان شخصاً يدرك مسؤوليته، ويسعى للعدل والاستقامة. لكن هذه المشاعر الجديدة، وهذا "الإدمان" على التفكير فيها، كان يهدد بزعزعة هذا الاستقرار. كان يشعر بأنه يتغير، وأن هناك شيئاً بداخله ينمو، شيئاً كان يخشى أن يكون خارج سيطرته.
في المقابل، كانت ليلى تعيش صراعاً لا يقل حدةً. كانت تراودها أحلامٌ غريبة، ترى فيها نفسها تسير في طريقٍ مظلمٍ، ثم تظهر يدٌ تمتد إليها، يدٌ يبدو أنها تمسك بها. كانت تشعر بأن هذه اليد هي يد الأمير نواف، وأن هذا الشعور بالأمان الذي ينبعث منها هو ما تبحث عنه. كانت تدرك أن هذه الأحلام، وهذا التعلق، هو نوعٌ من "الإدمان" على وهمٍ وُلد من لقاءاتٍ عابرةٍ، ومن نظراتٍ خاطفة.
في أحد الأيام، وبينما كانت تتحدث مع سارة، قالت لها سارة بنبرةٍ حكيمة: "يا ليلى، إن القلب إذا تعلق بشيءٍ، تعلق به، فاجعلي تعلقكِ بالله. هو الوحيد الذي لا يخون، وهو الوحيد الذي يعطي بلا حساب." أجابت ليلى بأسى: "لكن يا سارة، كيف لي أن أتوقف عن الشعور؟ إنها مشاعرٌ تتسلل إلى روحي، وتجعلني أشعر بأنني على قيد الحياة." "الحياة الحقيقية يا ليلى، ليست في هذه اللحظات العابرة، بل في السعادة الدائمة التي تأتي من رضا الله. ألا ترين أن هذا الشوق يجعلكِ شاردةً، قلقةً، بعيدةً عن نفسكِ؟ هذا ليس طبيعياً."
كانت ليلى تعلم أن سارة على حق. كان هذا "الإدمان" على الشوق يسرق منها سلامها الداخلي. كانت تشعر بأنها أصبحت أسيرةً لشخصٍ لم يعرف عنها شيئاً، لشخصٍ ربما لم يكن يفكر فيها بنفس القدر. كانت تشعر بأنها تمنح الكثير، مقابل لا شيء.
في السوق، وبينما كانت تبيع بعض الأعشاب العطرية، مرت بها جدةٌ عجوزٌ، تدعى "أمينة". كانت أمينة معروفةً بحكمتها، وبعلاقتها الوثيقة بالله. نظرت إلى ليلى بعينين فيهما دفءٌ وحكمة. "يا ابنتي، ما الذي يثقل صدركِ؟ أرى في عينيكِ حزناً لا يليق بجمالكِ." ترددت ليلى، لكنها وجدت نفسها تبوح قليلاً. "يا جدتي، إن قلبي يشتاق إلى شيءٍ، ولا أملك القدرة على مقاومة هذا الشوق." ابتسمت أمينة ابتسامةً خفيفة. "الشوق يا ابنتي، إذا كان لله، فهو نورٌ. أما إذا كان لغيره، فهو نارٌ تحرق القلب. اعرضي أمركِ على الله، وهو كفيلٌ بأن يهديكِ السبيل."
كلمات أمينة كانت كهمسةٍ من السماء. شعرت ليلى بحاجةٍ ماسةٍ إلى اللجوء إلى الله. بدأت تكثر من الدعاء، ومن قراءة القرآن، ومن قيام الليل. كانت تحاول بشتى الطرق أن تعيد قلبها إلى مساره الصحيح، وأن تتخلص من هذا "الإدمان" الذي كان يفتك بها.
في هذه الأثناء، كان نواف يتخذ قراراً. لقد أدرك أن بقاءه في القرية قد يؤدي إلى تفاقم الوضع. قرر أن يعود إلى العاصمة مؤقتاً، على أمل أن يساعده البعد على تنظيم أفكاره، وإخماد هذه المشاعر المتنامية. لقد كان يخشى أن يتورط في شيءٍ لا يرضي الله، أو أن يؤذي ليلى، أو أن يسبب لنفسه ألماً لا يمكن احتماله.
قبل رحيله، قرر نواف أن يترك رسالةً بسيطةً لليلى، رسالةٌ تعبر عن تقديره لروحها، وعن احترامه لعفتها، وعن تمنياته لها بالتوفيق. لم يكن يريد أن يخلق في قلبها أملاً كاذباً، لكنه أراد أن يترك انطباعاً طيباً، وأنه ليس مجرد أميرٍ عابرٍ، بل هو شخصٌ يحترم القيم.
عندما سمعت ليلى بخبر رحيل نواف، شعرت بخيبة أملٍ عميقة. كان هذا الخبر كالصاعقة، وزاد من حدة "إدمانها" للشوق. شعرت بأنها فقدت شيئاً ثميناً، حتى لو كان وهماً. لكنها في نفس الوقت، شعرت بنوعٍ من الارتياح، فالصراع الداخلي الذي كانت تعيشه قد خفّ وطأته قليلاً.
في صباح يوم رحيله، وقفت ليلى متواريةً خلف نافذة غرفتها، تراقب عربة الأمير وهي تغادر القرية. كان قلبها ينقبض، وشعرت بغصةٍ في حلقها. أدركت أن هذا الرحيل قد يكون هو الفرصة الوحيدة التي لديها لتبدأ صفحةً جديدةً، صفحةً خاليةً من الشوق المحرم، ومن الأوهام الكاذبة. لكنها كانت تعلم أن هزيمة هذا "الإدمان" لن تكون سهلةً، وأن الطريق إلى الشفاء طويلٌ وشاق.