الفصل 9 / 25

روحي تعشقك 197

غيمةٌ في سماء صفاء

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسماتُ الصباحِ العليلةُ تتسللُ من شباكِ الغرفةِ، تحملُ معها عبيرَ الياسمينِ وزهورَ البرتقالِ التي تملأُ بساتينَ بيتِ الجدِّ الأكبرِ. استيقظتْ صفاءُ قبلَ أنْ يستيقظَ نورُ الشمسِ تماماً، وسكونُ الفجرِ يلفُّ المكانَ بقدسيتهِ. شعرتْ بقلبها يفيضُ بالسكينةِ، لكنَّ خيطاً رفيعاً من القلقِ كانَ ينسجُ طريقهُ بينَ تلكَ المشاعرِ. كانتْ لا تزالُ تفكرُ في حديثِها الأخيرِ معَ يوسفَ. تلكَ الكلماتُ التي تَرَكَتْ في نفسها أثراً عميقاً، مزيجاً منَ الفرحِ والارتباكِ.

نزلتْ إلى الحديقةِ، حيثُ كانَ جدُّها الأكبرُ، الشيخُ عبدُ الرحمنِ، جالساً على مقعدهِ الخشبيِّ المعتادِ، يتلو آياتٍ منَ القرآنِ بصوتٍ شجيٍّ. ابتسمتْ صفاءُ وهيَ تقتربُ منهُ، وشعرتْ بالدفءِ يغمرُ قلبها عندَ رؤيةِ جلالِهِ وسكينتهِ.

"صباحُ الخيرِ يا جدي"، قالتْ وهيَ تقبِّلُ يدهُ. "صباحُ النورِ والرضا يا ابنتي"، أجابَ الشيخُ وهوَ يضعُ يدهُ المرتعشةُ على رأسها. "ما الذي أزعجَ روحَكِ الطاهرةَ في هذا الصباحِ الباكرِ؟"

تنهدتْ صفاءُ وقالتْ: "لا شيءَ يا جدي، مجردُ خواطرٍ عابرةٍ." "خواطرُ القلبِ لا تعبرُ إلا إذا كانتْ ثقيلةً، أو تَعْلَقُ بوشاحِ الحقيقةِ"، قالَ الشيخُ بنظرةٍ نافذةٍ. "هلْ هوَ الشابُّ يوسفُ؟"

احمرَّ وجهُ صفاءَ قليلاً. لمْ تكنْ تتوقعُ أنْ يلاحظَ جدُّها هذا الأمرَ بهذهِ السرعةِ. "كيفَ عرفتَ يا جدي؟"

ابتسمَ الشيخُ ابتسامةً واسعةً أضاءتْ وجههُ التجاعيدُ. "عيونُ الأجدادِ لا تخطئُ يا ابنتي. ورؤيةُ الفرحِ والخوفِ مجتمعةً في عينيكِ هيَ مفتاحُ السرِّ. تحدثي يا ابنتي، فالصدرُ المتسعُ للحقِّ هوَ ملجأُ الروحِ."

جلستْ صفاءُ بجانبهِ، وبدأتْ تحكي لهُ عنْ لقائها بيوسفَ، وعنْ كلماته التي شعرتْ بأنها تنبضُ بالصدقِ، وعنْ اقتراحهِ لطلبِ يدها رسمياً. "ولكنَّ يا جدي، كيفَ لي أنْ أتقبَّلَ هذا الأمرَ بهذهِ السرعةِ؟ الأمرُ يحتاجُ إلى تفكيرٍ، إلى تأملٍ. أنا لا أريدُ أنْ أندمَ."

"والندمُ لا يأتي إلا منَ التسرعِ أو التقصيرِ في الاستخارةِ"، قالَ الشيخُ بهدوءٍ. "ولكنْ، ألمْ تشعري بالقبولِ في قلبكِ؟ ألمْ ترَي فيهِ ما يسرُّ العينَ ويطمئنُ القلبَ؟"

"بلى يا جدي، أشعرُ بذلكَ. ولكنهُ... أمرٌ كبيرٌ. ومسؤوليةٌ عظيمةٌ. أخافُ أنْ لا أكونَ عندَ حسنِ ظنهِ."

"حسناً يا ابنتي"، قالَ الشيخُ وهوَ يمسكُ بيدها. "دعونا لا نستعجلُ الحكمَ. الوقتُ كفيلٌ بأنْ يكشفَ لنا ما هوَ خيرٌ. فكرِي بعمقٍ، استخيري اللهَ، واستشيري أهلكِ. وقلبكِ النابضُ بالحلالِ والعفافِ هوَ الدليلُ الأمينُ. ولكنْ، اعلمي أنَّ يوسفَ شابٌّ مباركٌ. رأيتُ فيهِ خشيةَ اللهِ، واحترامَ أهلهِ، وعمقَ تفكيره. هوَ بذرةٌ طيبةٌ، فهلْ تكونينَ أنتِ الساقيةَ التي تُعينُها على النموِّ؟"

نظرتْ صفاءُ إلى السماءِ، وشعرتْ بأنَّ كلماتِ جدها قدْ أزاحتْ بعضَ الغموضِ عنْ قلبها. لمْ يكنْ الأمرُ سهلاً، ولكنْ كانَ هناكَ بصيصٌ منَ الأملِ.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ يوسفُ يقفُ على شرفةِ منزلِهِ، يتأملُ السماءَ الملبدةَ ببعضِ الغيومِ. لمْ يكنْ قلبهُ يجدُ الراحةَ. كانَ يشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ التي ألقاها على عاتقهِ. طلبُ يدِ صفاءَ لمْ يكنْ مجردَ كلمةٍ، بلْ كانَ وعداً، وارتباطاً، وخطوةً نحو بيتٍ مسلمٍ متينٍ.

اتصلَ بوالدهِ، الذي كانَ في رحلةٍ عملٍ. "يا أبي، هلْ تسمحُ لي ببعضِ الوقتِ؟ لديَّ أمرٌ مهمٌ أريدُ استشارتكَ فيهِ." "تفضلْ يا بني، ما الذي يشغلُ بالكَ؟" قالَ الأبُ بصوتٍ مطمئنٍ.

أخبرهُ يوسفُ بتفاصيلِ لقائهِ بصفاءَ، وعنْ مشاعرهِ تجاهها، وعنْ رغبتهِ في التقدمِ لخطبتها. استمعَ الأبُ بصمتٍ، ثمَّ قالَ: "هذا أمرٌ يسعدني جداً يا بني. صفاءُ فتاةٌ طيبةٌ، رأيتُ فيها الصلاحَ والتقوى. ولكنْ، هلْ أنتَ متأكدٌ منْ مشاعركَ؟ هلْ استخرتَ اللهَ؟"

"نعم يا أبي، استخرتُ اللهَ كثيراً، وشعرتُ بالراحةِ. قلبي مطمئنٌ إليها." "حسنٌ يا بني. إذاً، اتبعْ قلبكَ. ولكنْ، عليكَ أنْ تكونَ مستعداً. الزواجُ مسؤوليةٌ عظيمةٌ، تتطلبُ الصبرَ والتفاهمَ، والتعاونَ على طاعةِ اللهِ. هلْ أنتَ مستعدٌ لتحملِ هذهِ الأمانةِ؟"

"بإذنِ اللهِ يا أبي. سأبذلُ كلَّ ما في وسعي." "بارككَ اللهُ يا بني. سأعودُ قريباً، وسنُرتّبُ كلَّ شيءٍ. سأحدثُ والدي صفاءَ."

بعدَ إنهاءِ المكالمةِ، شعرَ يوسفُ ببعضِ الراحةِ، لكنَّ الغيومَ في السماءِ كانتْ لا تزالُ تلقي بظلالها على روحهِ. كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ عقباتٍ قدْ تواجهه. لمْ يكنْ مجردَ قرارٍ شخصيٍّ، بلْ كانَ مرتبطاً بمسائلَ أخرى، لا يعلمُ ما هيَ بالضبطِ.

في منزلِ الحاجِّ أحمدَ، والدِ صفاءَ، كانَ الجوُّ مليئاً بالنقاشاتِ الهادئةِ. كانَ الحاجُّ أحمدُ، بذكائهِ وحنكتهِ، قدْ لاحظَ بعضَ التغيراتِ في بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ. كانَ هناكَ حديثٌ عنْ تجارةٍ قديمةٍ، وعنْ ديونٍ لمْ تُسدَّ بالكاملِ. كانَ يتخوَّفُ أنْ تكونَ هذهِ الأمورُ سبباً في تغييرِ مجرى الأمورِ.

"يا أمَّ صفاءَ"، قالَ الحاجُّ أحمدُ وهوَ يشربُ كوبَ الشايِ. "هلْ سمعتِ شيئاً جديداً عنْ أحوالِ بيتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ؟" "لا يا عزيزي، لمْ أسمعْ شيئاً. ولكنْ، ألا تعتقدُ أنَّ صفاءَ تبدو مختلفةً هذهِ الأيامَ؟" قالتْ زوجتهُ، أمُّ زينبَ. "تبدو شاردةً، وعيناها تعكسانِ مزيجاً منَ السعادةِ والقلقِ."

"نعم، وهذا ما يقلقني. أخافُ أنْ يكونَ هناكَ ما يُثقلُ قلبها. سمعتُ أنَّ الشيخَ عبدَ الرحمنِ قدْ أشارَ إلى موضوعِ زواجِها منْ يوسفَ." "حقاً؟ هذا خبرٌ يسعدني. يوسفُ شابٌّ خلوقٌ."

"ولكنْ، هلْ الظروفُ تسمحُ؟ أعلمُ أنَّ هناكَ بعضَ المشاكلِ الماليةِ في بيتِ الشيخِ. قدْ تكونُ هذهِ الأمورُ سبباً في تأجيلِ أيِّ خطوةٍ رسميةٍ." "يا ربِّ، لا تجعلْ مالَ الدنيا يُعكرُ صفو قلوبِ أبنائنا."

"أمينٌ يا ربِّ. ولكنْ، علينا أنْ نكونَ حذرينَ. علينا أنْ نُرتّبَ أمورنا، وأنْ نستعدَّ لأيِّ احتمالٍ. إذا كانتْ صفاءُ معجبةً بيوسفَ، فعلينا أنْ نسعى لتيسيرِ الأمرِ، ولكنْ ليسَ على حسابِ كرامتنا أو ديننا."

في غرفةِ صفاءَ، كانتْ تتصفحُ كتاباً عنْ تاريخِ الأندلسِ، ولكنَّ عقلها كانَ يسبحُ في بحرٍ منَ الأفكارِ. رسمتْ في خيالها صورةً ليوسفَ، ابتسامتهُ الهادئةُ، وعيناهُ اللتانِ تعكسانِ نبلَ الروحِ. شعرتْ ببعضِ الحنينِ إلى الماضي، إلى أيامِ بساطةِ العيشِ، وإلى القيمِ الأصيلةِ.

فجأةً، سمعتْ طرقاً على بابِ غرفتها. دخلتْ والدتها، أمُّ زينبَ، ومعها صينيةُ شايٍ تفوحُ منها رائحةُ النعناعِ. "هلْ أنتِ بخيرٍ يا ابنتي؟" سألتْ أمُّ زينبَ وهيَ تجلسُ بجانبها. "بخيرٍ يا أمي"، قالتْ صفاءُ وهيَ تبتسمُ. "مجردُ بعضِ الخواطرِ."

"أعلمُ يا ابنتي. والدكِ أخبرني. هلْ أنتِ سعيدةٌ بفكرةِ الارتباطِ بيوسفَ؟" نظرتْ صفاءُ إلى عيني والدتها، وشعرتْ بالصدقِ فيهما. "نعم يا أمي، أشعرُ بذلكَ. ولكني قلقةٌ منْ بعضِ الأمورِ."

"ما هيَ قلقكِ يا حبيبتي؟" "أخشى أنْ تكونَ الظروفُ غيرَ مواتيةٍ. أعلمُ أنَّ بيتَ الشيخِ عبدِ الرحمنِ يمرُّ ببعضِ الضغوطِ الماليةِ. لا أريدُ أنْ أزيدَ منَ الأعباءِ."

ربتتْ أمُّ زينبَ على يدها بحنانٍ. "لا تقلقي يا ابنتي. إذا كانَ هذا الأمرُ مقدراً لنا، فسيسهلُ اللهُ. والزواجُ ليسَ مجردَ مالٍ، بلْ هوَ تكاتفُ أسرتينِ، وتكاتفُ روحينِ. علينا أنْ نتوكلَ على اللهِ، وأنْ نسعى فيما فيهِ الخيرُ. غداً، سأحدثُ والدكِ، وسنُرتّبُ لقاءً معَ والدي يوسفَ. ما رأيكِ؟"

شعرتْ صفاءُ بقلبها يخفقُ بقوةٍ. كانَ هذا ما تريدهُ. كانتْ ترغبُ في أنْ تتجاوزَ هذهِ الغيمةَ التي تعلقتْ بسماءِ صفائها. "نعم يا أمي، هذا أفضلُ ما يمكنُ أنْ يحدثَ."

خرجتْ أمُّ زينبَ، وتركتْ صفاءَ وحدها معَ أفكارها. كانَ الليلُ قدْ بدأَ ينسجُ خيوطَهُ السوداءِ، ولكنَّ نورَ الأملِ كانَ يتسللُ إلى قلبها. كانَ غداً يوماً جديداً، يحملُ معه مفاجآتٍ جديدةً، وربما، بدايةً لقصةٍ لمْ تُكتبْ فصولها بعدُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%