أنت ملاكي 198
همسات الماضي في حديقة الذكريات
بقلم سارة العمري
كانت نسمة الخريف الأولى تحمل معها عبير الياسمين المخلوط برائحة الأرض الندية، تخترق نوافذ قصر آل منصور كأنها رسول قادم من زمن بعيد. جلست سارة على مقعد الرخام في الحديقة الخلفية، تراقب أوراق الشجر المتساقطة وهي تنسج حكاياتها الصامتة على بساط العشب الأخضر. لم تكن تلك الأوراق مجرد بقايا لفصل ولى، بل كانت رموزًا لأيام مضت، أيام رسمت ملامح حياتها، وأيام لا تزال تترك بصماتها العميقة على روحها.
تنهدت برفق، ومررت أصابعها على نقش الزهور البالي على رداءها الحريري. كانت تفكر في يوسف. كيف تغيرت الأيام، وكيف أصبح لقاؤهما بعد كل تلك السنوات أشبه بحلم بعيد المنال، حلم تلاشى بريقه مع شروق شمس الواقع. لقد عادت إلى قصر جدتها، إلى هذا المكان الذي شهد براءة طفولتها وضحكاتها العذبة، لتبدأ فصلًا جديدًا، فصلًا ملتبسًا، يلفه الغموض وتراقصه ظلال الماضي.
اقترب منها الشيخ سالم، جدها، بخطوات وئيدة، يستند على عصاه المنقوشة. ابتسم لها ابتسامة حانية، حملت في ثناياها دفء السنين وحكمة التجارب. "ماذا يشغل بال صغيرتي؟" سأل بصوته العميق الذي كان يعزف لحنًا هادئًا على أوتار القلب. جلست سارة بجواره، مائلة رأسها على كتفه. "أتذكر يا جدي، كيف كنا نجلس هنا ذات يوم، وأنا أروي لك أحلامي عن المستقبل؟" "أذكرها جيدًا يا ابنتي. كنتِ طفلة بريئة، مليئة بالشغف والأمل. وما زلتِ كذلك، وإن ازدادت الحكمة في عينيك." "لكن أحلامي تبدو الآن كأغصان يابسة، يا جدي. الأمور معقدة، والقلب في حيرة." أمسك الشيخ سالم بيدها بحنان. "الحيرة يا سارة هي بداية الفهم. والصعاب هي التي تصقل معادن الرجال والنساء. لم يأتِ القدر بشيء إلا وله حكمة، حتى وإن بدت لنا غامضة في حينها."
كانت سارة تشعر بعبء المسؤولية يزداد ثقلًا على كتفيها. لم تكن تعلم كيف ستتعامل مع خطبة يوسف المفاجئة، وكيف ستواجه نظرات عائلتها المتسائلة، وخاصة والدتها التي كانت دائمًا ترى في يوسف الزوج المثالي. لكنها كانت تعلم أيضًا، في قرارة نفسها، أن ما حدث لم يكن مجرد اتفاق عائلي. كان هناك شيء أعمق، شيء يتجاوز حدود التقاليد والاتفاقيات.
في تلك الأثناء، كان يوسف يتجول في أروقة قصره الكبير، يراقب أثاثه الفاخر، وجدرانه المزينة بلوحات فنية عالية القيمة. لكن كل هذا لم يكن ليخفف من وطأة القلق الذي كان يعتصر قلبه. كلما تذكر نظرة سارة يوم الخطبة، تلك النظرة التي لم يستطع قراءتها، شعر بالبرد يتسرب إلى عظامـه. هل كانت سعادة؟ هل كان اندهاشًا؟ أم كان هناك شيء آخر، شيء لم يفهمه؟
اتصل به خاله، السيد أحمد، الذي كان دائمًا سندًا له. "يوسف، أين أنت؟ والدتك قلقة عليك. لقد كنت غائبًا عن الأنظار منذ الأمس." "أنا في القصر يا خال. كنت أفكر في بعض الأمور." "أمور تتعلق بسارة؟" سأل أحمد بصوت ذكي، يعرف كيف يقرأ ما بين السطور. تردد يوسف قليلًا. "نعم يا خال. الأمور ليست كما توقعت. أشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا." "ربما يحتاج الأمر إلى بعض الوقت. سارة فتاة رقيقة، وقد تكون فوجئت. كما أن الظروف لم تكن عادية." "لكنني لم أبدِ لها أي مشاعر، ولم أطلب يدها لمجرد الواجب. هناك شيء ما في قلبي تجاهها، شيء يجعلني أرغب في أن تكون لي." "وأنا أرى ذلك في عينيك يا بني. أنت رجل طيب، وذو أخلاق. ثق بأن الله لا يضيع أجر المحسنين. ربما تحتاج أنت وهي إلى مساحة لتتعرفا على بعضكما البعض بشكل أفضل، بعيدًا عن ضغوط العائلة والتقاليد. ابدأ بالحديث معها، بالود والاحترام. دع قلبك يتحدث، ودعها تسمع. لعل الأيام القادمة تحمل لكما ما يفتح القلوب."
في ذلك المساء، وبعد صلاة العشاء، توجهت سارة إلى مكتبة جدها العتيقة. كانت تلك المكتبة بمثابة ملاذها، حيث تجد فيها الهدوء والسكينة بين رفوف الكتب التي تحمل عبق الماضي. جلست على أريكة جلدية قديمة، وأخذت تتصفح ديوان شعر قديم. كانت الكلمات تنساب أمام عينيها، لكن معناها كان يضيع في دوامة أفكارها.
فجأة، سمعت صوتًا خافتًا يناديها. "سارة؟" رفعت رأسها لتجد والدتها تقف عند مدخل المكتبة، تحمل صينية شاي بالأعشاب. "أمي؟ لم أكن أعرف أنك هنا." "أتيت لأطمئن عليك، يا حبيبتي. أراكِ شاردة الذهن منذ عودتنا." جلست الأم بجوارها، ووضعت الصينية على طاولة صغيرة. "هل أنتِ بخير؟ هل هناك ما يزعجك؟" نظرت سارة إلى عيني والدتها، ورأت فيهما قلقًا صادقًا. "لا شيء محدد يا أمي. فقط... الأمور سريعة جدًا." "أعلم يا ابنتي. لكنك تعلمين أن زواجك من يوسف كان حلمًا كبيرًا لعائلتنا. هو شاب ممتاز، تربيته طيبة، ومن عائلة مرموقة. ألا ترين فيه ما يجعلك تشعرين بالراحة؟" "أراه رجلًا طيبًا، يا أمي. لكن..." "لكن ماذا؟" "لكنني لم أكن أتوقع هذا. ولم أكن أدرك أن الأمر سيكون بهذه السرعة. أشعر كأنني أركض دون أن أعرف إلى أين." تنهدت الأم. "أحيانًا يا سارة، يفرض علينا القدر مسارات لم نخطط لها. المهم هو كيف نتعامل معها. يوسف يحبك، وهذا ما يهمني. أرى في عينيه الرغبة في إسعادك. لا تدعي الشك يفسد عليك هذه الفرصة." "ولكن كيف يمكنني أن أحبه، يا أمي، إذا لم أشعر بذلك الشعور العميق؟" "الحب يا ابنتي لا يأتي دائمًا كالعاصفة. أحيانًا يكون كالنمو البطيء لشجرة، ينمو بالوقت، بالاهتمام، بالتقدير. أعطِ الأمر فرصة. تحدثي مع يوسف. افهمي دوافعه. ربما تجدين في حديثكما ما يزيل كل هذا الضباب."
كانت كلمات والدتها تحمل بعض الصحة، لكن قلب سارة ظل ينبض بتردد. كانت تخشى أن تخطو خطوة قد تندم عليها، وأن تتزوج رجلًا لا تشعر نحوه بشيء سوى الاحترام. لكنها تعلم أيضًا أن رفضها قد يسبب جرحًا عميقًا في علاقتها بوالدتها وبالعائلتين.
بينما كانت سارة تودع والدتها، وتعود إلى غرفتها، تلقت رسالة نصية مفاجئة. كان المرسل هو يوسف. "مساء الخير يا سارة. أرجو أن تكوني بخير. هل يمكنني الاتصال بكِ غدًا؟ لدي بعض الأمور التي أود مناقشتها معكِ." نظرت سارة إلى الرسالة، وشعرت بتيار من التساؤل يمر عبر عروقها. ما هي الأمور التي يريد مناقشتها؟ هل تتعلق بخطبتهم؟ هل اكتشف شيئًا؟ أجابت بسرعة: "مساء النور يا يوسف. نعم، يمكنك الاتصال بي غدًا." أغلقت هاتفها، وأخذت نفسًا عميقًا. بدت لها الأمور تزداد تعقيدًا، وكلما حاولت فهمها، زادت تشابكًا. لكن شيئًا ما بداخلها كان يهمس لها بأن هذه التعقيدات هي بوابة نحو فهم أعمق، نحو حقيقة ربما كانت تخفيها الأيام.
خرجت إلى شرفة غرفتها، ونظرت إلى سماء الليل المضاءة بالنجوم. بدت كل نجمة كعين تراقبها، كشاهد على صراعها الداخلي. لم تكن تعلم ما يخبئه الغد، لكنها شعرت ببعض التصميم يتسلل إلى قلبها. ربما، فقط ربما، كان لديها فرصة لنسج هذا الخيط المتشابك إلى حكاية جميلة، حكاية ملؤها الصدق والتفاهم، حكاية تليق بـ "أنت ملاكي 198".