أنت ملاكي 198
أشباحُ الماضي تتهادى في الحاضر
بقلم سارة العمري
عادتْ "أمينة" إلى الصمتِ المطبق، ذلكَ الصمتُ الذي كانَ أثقلَ منَ الكلماتِ نفسها. كانتْ نظرةُ "نور" ثابتةً على وجهِ جدتِها، تتوسلُ إليها كلمةً واحدةً تجيبُ عنْ السؤالِ الذي مزقَ قلبَها. هلْ لهذا السرّ علاقةٌ بـ "بدر"؟ الإجابةُ التي لمْ تقلْها "أمينة" كانتْ واضحةً كالشمسِ في سماءِ الصحراء، لكنَّها كانتْ مؤلمةً كلسعاتِ العقارب.
في مكانٍ آخر، كانَ "بدر" يتتبعُ خيوطَ خيوطَ الحقيقةِ المتشابكة. وجدَ دفترَ ملاحظاتٍ قديمًا لوالده، صفحاتهُ متهالكةٌ، لكنَّ الحبرَ لا يزالُ يحكي قصصًا. في إحدى الصفحات، كُتبَ بخطٍ متقطعٍ: "الليلةُ المصيرية. تمَّ الاتفاق. ضمانُ الأمانِ مقابلَ... مقابلَ التنازل. لا سبيلَ للرجوع. أخشى على "عليّ" إنْ انكشفَ الأمر."
"عليّ؟" تساءلَ "بدر" باسمٍ جديدٍ لمْ يسمعْ بهِ منْ قبل. هلْ كانَ "عليّ" هوَ "نور الدين"؟ ومنْ هوَ "عليّ" الذي تحدثَ عنهُ والدهُ بهذا القدرِ منَ القلق؟
كانَ "بدر" يشعرُ وكأنَّهُ يمشي في متاهةٍ لا نهايةَ لها. كلُّ خيطٍ يمسكُ بهِ يجرُّهُ إلى عمقِ ظلامٍ أشد. لقدْ استيقظَ في بيتِهِ صراعٌ خفيٌّ، صراعٌ لمْ يعلمْ بهِ، صراعٌ قدْ يغيرُ كلَّ شيء.
في هذهِ الأثناء، كانتْ "نور" قدْ فقدتْ صبرها. وقفتْ وهدأتْ حركتُها، وعزمُها يشتدُّ. "جدتي،" قالتْ بصوتٍ قويٍّ وثابت، "أنا أستحقُّ أنْ أعرفَ الحقيقةَ كاملةً. أرجوكِ، لا تخافي عليَّ. لقدْ أصبحتُ قويةً بما يكفي لأواجهَ أيَّ شيء."
تنفستْ "أمينة" بعمقٍ، ورفعتْ رأسَها، وقالتْ بنبرةٍ غلَّفتْها قوةٌ مستمدةٌ منَ الألم: "نعم يا ابنتي، لهذا السرّ علاقةٌ بـ "بدر". بلْ أكثرَ منْ ذلك. أنتما الاثنانِ، عالقينَ في شبكةٍ نسجتها الأجيالُ السابقة. أنتِ، يا نور، لستِ ابنةَ السيدِ هاشم الوحيدة. كانتْ لديهِ ابنةٌ أخرى، منْ زواجٍ لمْ يُعلن، ابنةٌ اسمها "ليلى". لكنَّ "ليلى" لمْ تعشْ طويلًا، وماتتْ في ظروفٍ غامضةٍ، تاركةً خلفَها طفلةً رضيعةً."
توسعتْ عينا "نور" منَ الصدمة. "طفلةٌ رضيعة؟ منْ هيَ؟"
"تلكَ الطفلة،" قالتْ "أمينة" بصوتٍ متقطع، "هيَ... هيَ أمُّ "بدر"."
لم تستطعْ "نور" استيعابَ ما تسمعهُ. كأنَّ العالمَ منْ حولَها قدْ انهار. أمُّ "بدر"؟ هلْ يعني هذا أنَّ "بدر" ليسَ ابنَ السيدِ هاشم؟ هلْ يعني أنَّ "بدر" هوَ... هوَ ابنُ السيدِ هاشم منَ الابنةِ غيرِ الشرعية؟
"كيفَ... كيفَ هذا ممكن؟" سألتْ "نور" بصوتٍ بالكادِ مسموع.
"القصةُ أعمقُ وأكثرُ تعقيدًا يا ابنتي،" قالتْ "أمينة". "عندما تزوجَ السيدُ هاشمُ منْ والدتِكِ، كانَ لديهِ ابنٌ رضيعٌ منْ امرأةٍ أخرى، هيَ أمُّ "بدر". لكنَّ والدتَكِ، كانتْ امرأةً صالحةً، أحبّتِ الطفلَ كابنِها. وعندما توفيتْ أمُّ "بدر"، تولى السيدُ هاشمُ تربيتهُ، لكنْ بعيدًا عنْ الأنظارِ، لحمايةِ سمعةِ العائلةِ، وللحفاظِ على نظامِ الميراث. أما "نور الدين" فهوَ... هوَ شقيقُ والدِكِ الأكبر، الذي اختفى منذُ سنواتٍ في ظروفٍ غامضةٍ، وكانَ لديهِ ابنٌ، هوَ "بدر"."
اشتعلَ رأسُ "نور" كالموقد. كانتْ الكلماتُ تتناثرُ في عقلِها، تتشابكُ معَ بعضِها البعض، لتشكلَ صورةً مرعبةً. "نور الدين" هوَ عمُّ "بدر"؟ والشقيقُ المفقودُ لوالدهِ؟ وكانَ "بدر" ابنَ ابنةِ السيدِ هاشم؟ ثمَّ قالتْ بنبرةٍ فيها مزيجٌ منَ الذهولِ والغضب: "لكنْ، إذا كانَ "بدر" هوَ ابنُ ابنةِ السيدِ هاشم، كيفَ لهُ أنْ يتزوجَني؟ أنا ابنةُ السيدِ هاشم!"
"هنا تكمنُ التعقيداتُ الكبرى،" قالتْ "أمينة" وعيناها تلمعانِ بالدموع. "الاتفاقُ القديمُ معَ "نور الدين"، كانَ ينصُّ على أنْ يعودَ نسلُهُ إلى بيتِ السيدِ هاشم، وأنْ يحصلَ على حقِّهم. ولكنْ، لمْ يكنْ "نور الدين" يتوقعُ أنْ يعودَ ابنهُ "بدر" ليجدَ ابنةً أخرى للسيدِ هاشم. وعندما عادَ "بدر" إلى البلادِ بعدَ سنواتٍ منَ الغياب، بحثَ عنْ حقِّهِ، وعنْ إرثِ والدهِ. لكنَّه لمْ يكنْ يعرفُ أنَّ ابنةَ السيدِ هاشم، أيْ "ليلى"، هيَ أمُّهُ. والسيدُ هاشم، كانَ يحاولُ أنْ يوفقَ بينَ الأمرين، أنْ يحميَ بيتَهُ، وأنْ يعطيَ آلَ "نور الدين" حقَّهم."
"والآن،" قالتْ "أمينة" وهيَ تنظرُ إلى "نور" بعينينِ مليئتينِ بالشفقِ والألم، "السيدُ هاشمُ، في محاولةٍ منهُ لحلِّ الأمورِ بطريقةٍ تضمنُ لهمُ العيشَ بسلامٍ، وإرضاءً لرغبةِ "نور الدين"، أرادَ أنْ يزوجَ "بدر" منْ ابنتِهِ، أيْ منكِ. لقدْ كانَ يعتقدُ أنَّ هذا هوَ الحلُّ الوحيدُ لمنعِ الصراعِ وضمانِ استمرارِ البيتِ. لكنَّه لمْ يتوقعْ أنْ تقعَ أنتِ و "بدر" في الحبِّ بهذا الشكل."
كانتْ "نور" تشعرُ وكأنَّ رأسَها سينفجر. كلُّ شيءٍ كانَ يبدو منطقيًا، ومعَ ذلكَ كانَ مستحيلًا. كانتْ تحبُّ "بدر"، وكانَ "بدر" يحبُّها. وكانا، بطريقةٍ ما، أقربَ إلى بعضِهما البعض مما تتخيلُ.
في غضونِ ذلك، كانَ "بدر" قدْ وصلَ إلى استنتاجٍ مروع. وجدَ وصيةً مكتوبةً بخطِّ والدهِ، "نور الدين"، قبلَ اختفائِهِ. الوصيةُ كانتْ تقول: "إلى ابني "بدر"، إذا متُّ، فعليك أنْ تتزوجَ ابنةَ السيدِ هاشم، "ليلى". هذهِ هيَ الأمانةُ التي ستحفظُ إرثَنا. إنَّ حبَّنا لنْ يكتملَ إلا بالاتحادِ. تذكرْ، "نور الدين" لمْ ينسَ وعدهُ."
"ليلى!" صاحَ "بدر" بصوتٍ مرتفع، "كانَ والدي يريدُني أنْ أتزوجَ "ليلى"! لكنَّ "ليلى" هيَ أمي! وهذا يعني... هذا يعني أنَّ السيدَ هاشمَ قدْ حاولَ أنْ يزوّجني منْ أختي غيرِ الشقيقة!"
لقدْ شعرَ "بدر" وكأنَّهُ وقعَ في أعمقِ بئرٍ منَ الخداعِ والألم. الحقيقةُ التي اكتشفها كانتْ أكبرَ وأشدَّ فتكًا مما كانَ يتخيل. لقدْ كانتْ قصةُ حبهِ معَ "نور" مبنيةً على أسسٍ واهية، على أكاذيبَ عمرها عقود.
"يا إلهي!" صرخَ "بدر"، واليأسُ يغمرُهُ. "كلُّ شيءٍ كانَ كذبة! كلُّ شيءٍ كانَ مخططًا له!"
وصلَ إلى عتبةِ البابِ، وعيناهُ تشتعلانِ بالغضبِ والحزن. كانَ يعرفُ الآنَ الحقيقةَ كاملة. لقدْ وصلَ الأمرُ إلى نقطةِ اللاعودة.