أنت ملاكي 198
همسات الماضي ونداء الحاضر
بقلم سارة العمري
لم تذهب "نور" مباشرة إلى الجامعة. وجدت نفسها تقود سيارتها بخفة، تتجه نحو منزل جدتها. جدتها "أمينة"، امرأة تجاوزت السبعين من عمرها، لكن عقلها لا يزال حاضرًا، وقلبها مليئًا بالحكمة والعفوية. كانت جدتها دائمًا ملاذها، ومصدر قوتها، وسر ابتسامتها.
وصلت إلى منزل جدتها، الذي تفوح منه رائحة الياسمين المعتق وعبق القهوة العربية. فتحت الباب، وجدت جدتها جالسة في شرفتها الخلفية، تحت ظل شجرة التين الكبيرة، تتأمل حديقتها الصغيرة.
"جدتي!" نادت "نور" بلهفة، واقتربت منها واحتضنتها بقوة.
"يا روح جدتكِ! ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت؟ هل كل شيء على ما يرام؟" قالت جدتها، وحاولت أن ترى وجهها بين خصلات حجابها.
"كل شيء بخير يا جدتي، لكنني احتجت إليكِ."
"وأنا دائمًا هنا لكِ يا ابنتي. تعالي اجلسي."
جلست "نور" بجانب جدتها، وشاركتها فنجان القهوة الذي أعدته لها. الصمت المريح بينهما كان أبلغ من أي كلام. ثم بدأت "نور" تروي لجدتها ما حدث الليلة الماضية، وكيف أن والدها قد تلقى طلبًا لخطبتها من فيصل.
استمعت جدتها بعناية، ولم تقاطعها. كانت تدير رأسها ببطء، وعيناها تراقبان وجه "نور" المتعب. عندما انتهت "نور"، أخذت جدتها نفسًا عميقًا.
"فيصل. ابن أحمد؟" سألت جدتها، وكأنها تتذكر شيئًا.
"نعم يا جدتي. ابن عمي."
"آه، أتذكر. كان ولدًا هادئًا، يتبع أباه أينما ذهب. رجل متزن، يبدو لي. ولكن، أنتِ يا نور، قلبكِ لم يخبركِ شيئًا عن هذا الرجل؟"
"هذا هو سؤالي يا جدتي. لم أشعر بشيء. لا حب، لا شيء. هل أقبل قرارًا كهذا وأنا لا أشعر؟"
ابتسمت جدتها ابتسامة لطيفة. "الحب يا ابنتي، يأتي بأشكال مختلفة. أحيانًا يأتي كعاصفة، وأحيانًا يأتي كنسيم خفيف، وأحيانًا يبنى على أساس الاحترام والمودة. أنتِ شابة، وجمالكِ ليس في مظهركِ فقط، بل في عقلكِ، في قلبكِ، في روحكِ. فيصل يبدو أنه رأى كل هذا."
"ولكن يا جدتي، أنا لا أعرفه. هل يمكنني أن أبني حياة مع شخص لا أعرفه؟"
"ابنتي، الحياة كلها بناء. نبني علاقاتنا، نبني مستقبلنا، نبني أنفسنا. الزواج ليس مجرد مشاعر، بل هو شراكة. شراكة في السراء والضراء. شراكة في بناء بيت مسلم. هل تعتقدين أنني أحببت جدكِ جدكِ قبل أن نتزوج؟ بالتأكيد لا. لكننا بنينا الحب والاحترام مع الأيام. كل يوم كان يضيف إلى علاقتنا شيئًا جديدًا. هل لديكِ أي تخوفات محددة تجاه فيصل؟"
"لا أعرف. هو فقط... غريب. وأنا أحب حياتي كما هي."
"الحياة تتغير يا نور. وهذا تغيير طبيعي. والديّكِ لن يفرضا عليكِ شيئًا، وهذا أمر جيد. ولكن، لا تدعي الخوف يمنعكِ من استكشاف ما قد يكون خيرًا لكِ. خذي وقتكِ، تحدثي معه. اجلسي معه في وجود والدكِ أو والدتكِ. عرفيه عليكِ، ودعيه يعرفكِ. إذا وجدتِ فيه الرجل المناسب، فالحمد لله. وإذا لم تجدي، فقولي لهم بصراحة. الأمانة في الاختيار واجبة."
"وهل أستطيع أن أرفض؟" سألت "نور"، وشعرت ببعض القوة تعود إليها.
"بالطبع تستطيعين. ولكن ليس برفض قاطع قبل أن تعرفي. الرفض يكون بعد المعرفة، وبعد الاستخارة. أنتِ ابنتي، وأحب أن أراكِ سعيدة، سعيدة برضا رب العالمين، وسعيدة بزوج يكون لكِ سندًا وعونًا."
"شكرًا لكِ يا جدتي. كلامكِ دائمًا يهدئ من روعي."
"لا شكر على واجب يا حبيبتي. جدتكِ هي أمكِ الثانية. الآن، ما رأيكِ أن أعد لكِ بعض البقلاوة؟ ربما بعض السكر في الحلويات سيساعد في تحلية مرارة الأفكار."
ابتسمت "نور"، وشعرت بخفة أكبر. جدتها لم تمنحها قرارًا، بل منحتها القوة للتفكير، والثقة في اتخاذ قرارها.
بعد أن قضت بعض الوقت مع جدتها، عادت "نور" إلى منزلها، وهي تشعر بقدر أكبر من الطمأنينة. ولكن، كان عليها أن تواجه والدتها، وأن تخبرها بقرارها المبدئي.
"أمي،" قالت وهي تجلس بجانب والدتها في غرفة المعيشة، "أعتقد أنني أريد أن... أن أتحدث مع فيصل."
استدارت والدتها إليها، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. "حقًا يا ابنتي؟ هذا خبر يسرني جدًا."
"ولكن بشرط يا أمي. أريد أن يكون اللقاء في مكان عام، وبحضور أحدكما."
"بالطبع يا نور. هذا من حقكِ. وسأحدث والدكِ في الأمر. ولا تقلقي، نحن معكِ."
شعرت "نور" بأنها اتخذت الخطوة الأولى. خطوة نحو المجهول، ولكن بخطوات محسوبة، وبتوكّل على الله.
في المساء، وعندما كان الوقت قد تأخر قليلاً، وصلتها رسالة نصية على هاتفها. الرسالة من رقم مجهول. ترددت قليلاً قبل أن تفتحها.
"مساء الخير يا آنسة نور. أتمنى أن تكوني بخير. أنا فيصل. والدي أبلغني أنكِ موافقة على الحديث معي. أتمنى أن يكون هذا اللقاء مباركًا. ومتى ما قررتِ، يسعدني أن نحدد موعدًا. فيصل."
قرأت الرسالة مرتين. كانت كلمات بسيطة، ولكنها حملت في طياتها وعدًا ببدء حوار. حوار بينها وبين هذا الرجل الذي قد يكون قدرها. شعرت بقليل من الإثارة، ممزوجة بالتردد.
"يا رب," همست، "سهّل أمري."
ماذا ستكون نتيجة هذا الحوار؟ هل ستجد في كلمات فيصل ما يطمئن قلبها؟ أم ستجد ما يزيد من حيرتها؟