أنت ملاكي 198
أسوار الرغبة المحرمة
بقلم سارة العمري
كانت الأيام تمضي على "ليلى" كأنها قطع من الزجاج المكسور، كل شظية تجرح القلب وتنذر بالألم. لم يعد لقاء "أحمد" مجرد ترفٍ للعقل، بل أصبح ضرورة ملحة، ظلاً يطاردها في صحوها ومنامها. في كل مرة كان هاتفه يرن، كانت دقات قلبها تتسارع، معلنةً عن قدوم جرعتها من السعادة المشوبة بالقلق. لقد نسجت حوله عالمًا صغيرًا، عالمًا لا تتجاوزه حدود الشرعية، لكنه كان يتجاوز حدود الرضا النفسي. كانت تخشى أن تتحول هذه اللهفة البريئة إلى فتنة، وأن يلتهمها اللهيب الذي أشعلته الأعين البريئة والكلمات اللطيفة.
في إحدى ليالي الشتاء القارسة، حين كانت الرياح تعوي خارج نافذة غرفتها وكأنها أرواحٌ تائهة، تلقت رسالةً من "أحمد" لم تكن كالعادة. لم تكن تحمل كلماتٍ غزلٍ بريء أو دعوةً لطيفة. كانت الرسالة مشبعةً بنبرةٍ من الإلحاح، تتحدث عن لقاءٍ ضروري، عن أمرٍ يشغل باله ولا يمكن تأجيله. شعرت "ليلى" ببرودةٍ مفاجئة تسري في عروقها. كانت تعرف أن "أحمد" رجُلٌ عفيف، يلتزم بحدود الله، لكن هناك شيءٌ في نبرة الرسالة أثار قلقها. هل كان الأمر يتعلق بضيقٍ مالي؟ بخلافٍ عائلي؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟
ارتدت عباءتها واحتشت نفسها بالدعوات. كان لقاؤهما دائمًا في مكانٍ عام، تحت أعين المارة، لكنه مكانٌ يتيح لهما بعض الخصوصية. اختارت مقهىً هادئًا على أطراف المدينة، حيث تتناثر الطاولات بعيدًا عن بعضها، وتتدلى الأضواء الخافتة لتزيد الأجواء سحرًا. وصلت قبل موعدها بدقائق، جلست تطلب لنفسها كوبًا من الشاي بالنعناع، تتأمل انعكاس صورتها الباهتة على سطح الطاولة الزجاجية. هل كانت تبدو مختلفة؟ هل كان هذا الشوق الذي يحفر في صدرها قد ترك بصماته على وجهها؟
جاء "أحمد" متأخرًا بعض الشيء، وجهه شاحبٌ ولمعت عيناه ببريقٍ لم تعهده فيه. لم يكن يبدو كعادته، المبتسم دائمًا، المتفائل بالكلمة. اقترب منها، وجلس قبالتها، صامتًا لدقيقةٍ بدت كأنها دهور. فتح فمه عدة مرات، ثم أغلقه. أخيراً، قال بصوتٍ عميقٍ متهدج: "ليلى، احتاج أن أصارحكِ بشيءٍ أثقل كاهلي."
شعر قلب "ليلى" بأنها معلقةٌ بين السماء والأرض. "خيرًا إن شاء الله، يا أحمد. قل ما في نفسك، فالله معنا."
تنهد "أحمد" بعمق، وبدأ يسرد قصته، قصةً بدأت بلحظة ضعفٍ عابرة، ثم تغلغلت في حياته كسمٍ بطيء. لم يكن الأمر يتعلق بامرأةٍ أخرى، لم يكن عصيانًا صريحًا لله، بل كان شيئًا أكثر تعقيدًا، شيئًا يتعلق بالإدمان. لم يذكر اسم المادة، لكن نبرته، طريقة سرده، وكلماته الدقيقة، كل ذلك أوضح لـ "ليلى" حجم المأساة. لقد كان يدمن شيئًا يسلبه إرادته، يجعله ضعيفًا، ويشعره بالعزلة.
"لقد حاولتُ مرارًا، يا ليلى. حاولتُ أن أتغلب عليه، لكنه يعود أقوى. إنه يبتلعني، يجعلني عبدًا له." كان صوت "أحمد" يتصاعد تدريجيًا، مشبعًا بالأسى والندم. "أعرف أنني مخطئ. أعرف أن هذا ليس من صفات الرجل الذي ترضاه ابنة عمي، ولا الرجل الذي تطمحين إليه."
اتسعت عينا "ليلى" بذهولٍ ممزوجٍ بحزنٍ عميق. لقد كانت ترى في "أحمد" الرجُل المثالي، مثالُ النقاء والالتزام. هل كان هذا الرجل الذي تجلس أمامه الآن هو نفسه الذي تحدثت عنه جدتها، قائلةً: "فيه صفاتُ جَدِّكِ، فيه نجدةُ الرجلِ الأصيل."؟ كانت ترى في عينيه صراعًا داخليًا رهيبًا، صراعًا بين إرادته الضعيفة وقوة العادة المدمرة.
"لماذا لم تخبرني من قبل، يا أحمد؟" سألت بصوتٍ مرتجف، ممسكةً بكوب الشاي بيدين ترتعشان.
"كنتُ أخشى فقدانكِ، أخشى أن أرى في عينيكِ نفس نظرة الاشمئزاز التي أراها في عيني أحيانًا عندما أقوم بفعلتي." قال، وقد خنق صوته البكاء. "ولأنني لم أكن أريد أن أرتبط بكِ وأنا في هذه الحال. إن زواجنا سيكون قائمًا على الشفافية، على الصدق، وليس على خداعٍ سأغرق فيه نفسي ومن سيشاركني حياتي."
في تلك اللحظة، شعرت "ليلى" بثقلٍ هائلٍ يقع على صدرها. لم يكن الأمر مجرد إعجابٍ أو حبٍ بريء، بل أصبح مصيرًا مشتركًا، مسؤوليةً لا تعلم إن كانت قادرةً على حملها. كانت تعلم أن الإدمان ليس مجرد خطيئة، بل مرضٌ يحتاج إلى علاج. لكن هل كان "أحمد" مستعدًا للعلاج؟ وهل كانت هي مستعدةً للوقوف بجانبه في هذه المعركة الشرسة، معركةٌ قد تستنزف طاقتها وتؤثر على مستقبلها؟
"أنا... لا أدري ماذا أقول، يا أحمد." همست، وقد غمرتها موجةٌ من المشاعر المتضاربة. لم تكن هناك إدانةٌ في صوتها، ولا رفضٌ قاطع. كان هناك خوفٌ، وحزنٌ، وقليلٌ من التعاطف الذي بدأ يتسلل إلى قلبها. كانت ترى فيه إنسانًا يغرق، وكانت تعلم أنها لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي.
"أنا أعلم أن هذا قد يكون أكثر مما تتوقعينه، ليلى. وأنا لن ألومكِ إن قررتِ الابتعاد." قال، وقد استجمع قوته. "لكنني أريد منكِ شيئًا واحدًا. أريد منكِ أن تدعي لي. وأن تعلمي أنني سأبذل كل ما في وسعي لأتغلب على هذا. سأبحث عن المساعدة، سأقاوم."
نظرت "ليلى" إلى عينيه، ورأت فيهما أثر الشقاء، ولكن أيضًا شرارةً من الأمل. لم تكن تعرف ما سيأتي، لكنها أدركت أن هذه الليلة قد غيرت كل شيء. لم يعد الأمر مجرد أحلامٍ وردية، بل أصبح واقعًا مريرًا يتطلب شجاعةً وصبرًا. همست أخيرًا، بصوتٍ استجمع كل ما فيه من قوة: "سأدعو لك، يا أحمد. وسأقف معك. لكن يجب أن تعلم أن الطريق سيكون صعبًا."
ارتسمت على وجه "أحمد" ابتسامةٌ باهتة، تحمل في طياتها امتنانًا عميقًا. لم تكن ابتسامة انتصار، بل ابتسامة رجلٍ وجد شمعةً صغيرةً في عتمةٍ حالكة. بينما كانا يتحدثان، كان الصمت يلف المكان، صمتٌ لا يحمل الهدوء، بل صمتٌ مثقلٌ بالأسرار والخوف من المستقبل. كانا يقفان على حافةٍ، ينظران إلى المجهول، والمطر يزداد غزارةً خارج النافذة، وكأنه يعكس العاصفة التي بدأت تضرب حياتهما.