الفصل 10 / 25

حب وكرامة 199

غيمةٌ في سماء الصفاء

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسماتُ الصباحِ العليلةَ تنثُرُ عبيرَ الياسمينِ على أرجاءِ البيتِ العتيقِ، تبعثُ في النفسِ روحَ التفاؤلِ والسكينةِ. استيقظتْ "ليلى" على صوتِ العصافيرِ تغرّدُ بصخبٍ، تتناغمُ مع ترانيمِ الفجرِ الهادئةِ. امتدتْ يدُها لتلمسَ قطعةَ القماشِ الحريريةِ التي تزيّنُ وسادتَها، تركتْها "فاطمة" قبلَ أنْ تغادرَ في الصباحِ الباكرِ. تذكرتْ حديثَها مع جدتِها بالأمسِ، كلماتُ الأملِ والتذكيرِ بأنَّ اللهَ معَ الصابرينَ.

نهضتْ منْ فراشِها، تخلّتْ عنْ ثيابِ النومِ الناعمةِ، وارتدتْ ثوبًا فضفاضًا بلونِ السماءِ الصافيةِ، زيّنتْهُ بخيوطٍ فضيةٍ لامعةٍ. توجهتْ نحوَ خزانةِ ملابسِها، اختارتْ حجابًا أبيضَ ناصعًا، كأنّهُ انعكاسٌ لطهارةِ قلبِها. نزلتْ السلالمَ الخشبيةَ بخطواتٍ رقيقةٍ، كانتْ رائحةُ القهوةِ العربيةِ تفوحُ منْ المطبخِ، تختلطُ برائحةِ خبزِ الشعيرِ الطازجِ.

وجدتْ جدتَها "أمينة" واقفةً قربَ الموقدِ، يدُها تتحركُ بخبرةٍ بينَ أدواتِ الطبخِ، وجهُها يشعُّ بنورِ الإيمانِ والرضا. ابتسمتْ ليلى وقالتْ بصوتٍ خافتٍ: "صباحُ الخيرِ يا جدتي". التفتتْ أمينةُ إليها، عيناها لمعتْ بابتسامةٍ حنونةٍ: "صباحُ النورِ يا غاليتي. هلْ نمتِ جيدًا؟". "الحمدُ للهِ"، أجابتْ ليلى وهيَ تقتربُ منها، "فقدْ وهبني اللهُ سباتًا هادئًا". "هذا منْ لطفِ اللهِ ورحمتِهِ"، قالتْ أمينةُ وهيَ تضعُ لها كوبًا منَ القهوةِ الساخنةِ، "تفضّلي، لقدْ جهزتُ لكِ شيئًا لذيذًا".

جلستْ ليلى إلى المائدةِ الخشبيةِ العتيقةِ، تتأملُ تفاصيلَها المنقوشةَ بعنايةٍ، كلُّ نقشٍ يحكي قصةً منْ ماضي العائلةِ. بدأتْ تتناولُ إفطارَها، بينما كانتْ جدتُها تسردُ لها أخبارَ الحيِّ، عنْ زيارةِ جيرانِهمْ للقريبِ المريضِ، وعنْ استعداداتِ الناسِ لموسمِ الحصادِ. كانتْ ليلى تستمعُ باهتمامٍ، تحاولُ أنْ تستمدَّ منْ هذهِ الأحاديثِ البسيطةِ قوةً وصبرًا.

بعدَ الإفطارِ، استأذنتْ ليلى جدتَها للخروجِ إلى الحديقةِ، تشعرُ بحاجةٍ ماسةٍ للهواءِ الطلقِ وصفاءِ الطبيعةِ. فتحتْ البابَ الزجاجيَّ المؤدي إلى الحديقةِ، استقبلتها رائحةُ الورودِ والنعناعِ البريِّ. سارتْ بينَ الأزهارِ الملونةِ، لمستْ بتلاتِ وردةٍ حمراءَ، تساءلتْ في نفسِها: هلْ يشعرُ "خالدٌ" بهذهِ الروعةِ حينَ يرى مثلَ هذهِ الوردةِ؟ تذكرتْ لقاءَها بهِ في السوقِ الأسبوعِ الماضي، كيفَ نظرَ إليها بنظرةٍ تحملُ مزيجًا منَ الاحترامِ والإعجابِ، وكيفَ سألَ عنْ صحةِ جدتِها بصدقٍ. كانتْ كلماتُهُ بسيطةً، لكنها تركتْ أثرًا عميقًا في نفسِها.

جلستْ على مقعدٍ خشبيٍّ قديمٍ تحتَ شجرةِ التينِ، رفعتْ رأسَها تنظرُ إلى السماءِ الزرقاءِ الصافيةِ، تبحثُ عنْ إجاباتٍ لأسئلتِها التي تتكاثرُ في صدرِها. هلْ كانَ ما حدثَ معَ "سالمٍ" مجردَ سوءِ فهمٍ، أمْ أنَّ الأمرَ أعمقُ منْ ذلكَ؟ كيفَ يمكنُ لشخصٍ أنْ يتغيرَ بهذهِ السرعةِ؟ ولماذا شعرَتْ بأنَّ "خالدًا" كانَ يراقبُ الموقفَ بأعينٍ مختلفةٍ؟

ارتسمتْ على وجهِها علاماتُ الحيرةِ والقلقِ. كانتْ مشاعرُها تتأرجحُ بينَ ماضيها معَ سالمٍ، وبينَ الأملِ البسيطِ الذي بدأَ يتسللُ إلى قلبِها بظهورِ خالدٍ. لمْ تكنْ متأكدةً منْ مشاعرِها تجاهَ أيٍّ منهما، لكنها كانتْ تعلمُ يقينًا أنَّ البحثَ عنْ راحةِ بالِها يتطلبُ فهمَ الحقيقةِ كاملةً.

وفجأةً، سمعتْ صوتَ خطواتٍ تقتربُ. رفعتْ ليلى رأسَها، وجدتْ "أمَ أحمدَ"، جارةَ أمينةَ، تقفُ أمامَها بابتسامةٍ واسعةٍ. "صباحُ الخيرِ يا ليلى"، قالتْ بصوتٍ دافئٍ، "أتيتُ لأطمئنَ على أمينةَ، سمعتُ أنَّها لمْ تكنْ بخيرِ الأمسِ". "وعليكمْ السلامُ يا أمَ أحمدَ"، أجابتْ ليلى، "الحمدُ للهِ، جدتي بخيرٍ والحمدُ للهِ. تفضّلي بالدخولِ". "باركِ اللهُ فيكِ"، قالتْ أمَ أحمدَ وهيَ تدخلُ نحو بابِ البيتِ، "لكنْ رأيتُكِ هنا جالسةً في الحديقةِ، فأردتُ أنْ أسلمَ عليكِ أولًا".

جلستْ ليلى مرةً أخرى، وقدْ تلاشتْ أفكارُها للحظةٍ. بدأتْ تتحدثُ معَ أمَ أحمدَ عنْ أمورِ البيتِ والدنيا، لكنَ قلبَها ظلَّ مشغولًا بالحيرةِ. كانتْ تعلمُ أنَّ القصةَ لمْ تنتهِ بعدُ، وأنَّ هناكَ فصولًا أخرى ستُكتبُ، فصولًا قدْ تحملُ لها راحةَ البالِ، أوْ قدْ تغرقُها في مزيدٍ منَ التعقيداتِ.

تنهدتْ ليلى بعمقٍ، شعرتْ بأنَّ هذهِ الأزهارَ الجميلةَ تخفي في طياتِها أشواكًا مؤلمةً. نظرتْ إلى الوردةِ الحمراءِ مجددًا، تساءلتْ إنْ كانَ للحياةِ وجهٌ آخرُ، وجهٌ يليقُ بالحبِّ والكرامةِ، وجهٌ لا تشوهُهُ الخيانةُ أوْ سوءُ الظنِّ. كانتْ هذهِ الأفكارُ تتصارعُ في عقلِها، مثلَ أمواجٍ عاليةٍ تضربُ شواطئَ روحِها.

شعرتْ بحاجتِها للتحدثِ إلى شخصٍ يفهَمُها، شخصٍ يرى الأمورَ بعينٍ صافيةٍ. لكنْ منْ هوَ هذا الشخصُ؟ هلْ هوَ "خالدٌ" الذي بدأَ يظهرُ في حياتِها كشعاعِ أملٍ؟ أمْ أنَّها يجبُ أنْ تعتمدَ على نفسِها وعلى حكمتِها وحكمتِ جدتِها؟

فكرتْ في "سالمٍ"، في وجهِهِ عندما رأتهُ للمرةِ الأخيرةِ، كيفَ كانَ يحملُ نظرةَ ندمٍ لا تفارقُها. هلْ كانَ ندمهُ صادقًا؟ أمْ كانَ مجردَ تمثيلٍ جديدٍ؟ هذهِ الأسئلةُ كانتْ كالنارِ التي تتأججُ في صدرِها، تحرقُ ما تبقى منْ راحةِ بالِها.

شعرتْ بأنَّها تقفُ على مفترقِ طرقٍ، لا تعرفُ أيَّ السبُلِ تسلكُ. كانتْ مشاعرُ الحيرةِ تتضخمُ، وتحجبُ عنها رؤيةَ الحقيقةِ. تذكرتْ حديثَ جدتِها عنْ قضاءِ اللهِ وقدرِهِ، وعنْ أنَّ كلَّ ما يحدثُ فيهِ خيرٌ. حاولتْ أنْ تتمسكَ بهذهِ الكلماتِ، أنْ تجدَ فيها عزاءً.

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "أمَ أحمدَ" قدْ انتهتْ منْ حديثِها معَ أمينةَ، وعادتْ لتوديعِ ليلى. "سأعودُ لاحقًا لأرى إنْ كنتِ بحاجةٍ لشيءٍ"، قالتْ، "والآنَ، يجبُ عليَّ أنْ أذهبَ لأتفقدَ أمورَ بيتي". "شكرًا لكِ يا أمَ أحمدَ"، قالتْ ليلى وهيَ تقفُ معَها عندَ البابِ، "اللهُ يعطيكِ العافيةَ".

عادتْ ليلى إلى مقعدِها، بينما كانتْ الشمسُ ترتفعُ في السماءِ، تزيدُ منْ حرارةِ الجوِّ. شعرتْ بأنَّها بحاجةٍ إلى قرارٍ حاسمٍ، قرارٍ يعيدُ لها حياتَها الهادئةَ. لكنْ كيفَ يمكنُها أنْ تتخذَ هذا القرارَ وهيَ غارقةٌ في بحرٍ منَ الشكوكِ والاضطرابِ؟ رفعتْ يدَها، ملمتْ قطعةَ القماشِ التي كانتْ تغطي يدَها. كانتْ قطعةَ حريرٍ أهداها إياها "سالمٌ" قبلَ أشهرٍ، قبلَ أنْ تتغيرَ الأمورُ. تنهدتْ، وضعتْ قطعةَ القماشِ جانبًا، وشعرتْ برغبةٍ في التخلصِ منها، لكنها ترددتْ.

نظرتْ إلى السماءِ مرةً أخرى، ودعتْ اللهَ أنْ يرشدَها إلى الطريقِ الصحيحِ، أنْ يكشفَ لها الحقيقةَ، وأنْ يمنحَها القوةَ لمواجهةِ ما سيأتي. كانَ قلبُها ينبضُ بخوفٍ ممزوجٍ بالأملِ.

بعدَ قليلٍ، سمعتْ صوتَ بوقِ سيارةٍ قادمٍ منْ بعيدٍ. التفتتْ لترى سيارةً غريبةً تقفُ أمامَ البيتِ. نزلتْ منها امرأةٌ ترتدي ملابسَ أنيقةً، وتتجهُ نحو بابِ البيتِ. شعرتْ ليلى بفضولٍ شديدٍ. هلْ هذهِ الزائرةُ تعرفُها؟ أمْ أنها ستجلبُ معها المزيدَ منَ الأخبارِ غيرِ المتوقعةِ؟ انتهتْ ليلى منْ قهوتِها، ووقفتْ تنظرُ إلى البوابةِ، تشعرُ بتغيرٍ قادمٍ في هدوءِ صباحِها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%