حب وكرامة 199
بوحٌ على ضفافِ الأماني
بقلم ليلى الأحمد
كانتْ "المستشارةُ وفاءُ" تقفُ أمامَ البوابةِ، ترتدي عباءةً سوداءَ أنيقةً، وتضعُ قفازاتٍ جلديةً راقيةً. في يدِها حقيبةٌ صغيرةٌ جلديةٌ، يبدو عليها الثقلُ والرزانةُ. وجهُها كانَ هادئًا، وعيناها تبدوانِ مركزتَينِ، كأنها تحملُ خبرةَ سنينَ طويلةٍ في فنِّ فهمِ البشرِ.
اقتربتْ ليلى منها ببعضِ الترددِ. لمْ ترَها منْ قبلُ، لكنها شعرتْ بشيءٍ منَ الألفةِ الغامضةِ. "أنتِ ليلى، أليسَ كذلكَ؟" قالتْ وفاءُ بصوتٍ رصينٍ، يخلو منَ الابتسامِ الزائفِ. "نعم، أنا ليلى"، أجابتْ ليلى، "هلْ يمكنني مساعدتُكِ؟". "أنا وفاءُ، مستشارةٌ اجتماعيةٌ. لقدْ أتيتُ بناءً على طلبِ والدتِكِ. هلْ تسمحينَ لي بالدخولِ؟".
شعرَتْ ليلى بالدهشةِ. والدتُها؟ هلْ كانتْ والدتُها على علمٍ بما تمرُ بهِ؟ وهلْ طلبتْ منْ هذهِ المرأةِ أنْ تتدخلَ؟ "تفضّلي بالدخولِ"، قالتْ ليلى بصوتٍ مضطربٍ، "جدتي بالداخلِ".
قادتْ ليلى وفاءَ إلى غرفةِ الجلوسِ، حيثُ كانتْ أمينةُ تستقبلُها بترحيبٍ حذرٍ. جلستْ وفاءُ على الأريكةِ، ووضعتْ حقيبتَها بجانبِها. بدأَ حديثُها بالكلامِ العامِّ، عنْ جمالِ البيتِ وعنْ عبقِ التاريخِ الذي يفوحُ منْ جدرانِهِ.
"لقدْ تحدثتُ معَ والدتِكِ الهاتفَ، وأخبرتني عنْ بعضِ الصعوباتِ التي تمرينَ بها"، قالتْ وفاءُ، وهيَ تنظرُ إلى ليلى مباشرةً، "لكنها لمْ تُفصّلْ في الأمرِ. أريدُ أنْ أسمعَ منكِ مباشرةً، لأفهمَ ما يجري".
كانَ صوتُ وفاءَ هادئًا، لكنهُ يحملُ قوةً لا يمكنُ تجاهلُها. شعرتْ ليلى بأنها أمامَ شخصٍ يستطيعُ أنْ يستخرجَ منها ما تخفيهِ. بعدَ ترددٍ، بدأتْ تتحدثُ، بدأتْ تسردُ قصتَها، عنْ علاقتِها بسالمٍ، عنْ خطوبتِهما، وعنْ الأحداثِ الأخيرةِ التي دفعتْها إلى حافةِ اليأسِ.
كانتْ تتحدثُ بحذرٍ في البدايةِ، ثمَّ بدأتْ تتحدثُ بصراحةٍ أكبرَ، تنقلُ مشاعرَها الممزوجةَ بالحزنِ والخيبةِ. لمْ تستطعْ أنْ تخفي دمعةً سقطتْ على خدِّها وهيَ تصفُ كيفَ اكتشفتْ حقيقةَ سالمٍ. "لمْ أتوقعْ منهُ ذلكَ أبدًا"، قالتْ ليلى بصوتٍ مختنقٍ، "لقدْ وثقتُ بهِ ثقةً عمياءَ".
استمعتْ وفاءُ بصبرٍ، لمْ تقاطعْها، بلْ كانتْ تومئُ برأسِها منْ حينٍ لآخرٍ، كأنها تشجعُها على المضيِّ قدمًا. كانتْ عيناها تراقبانِ تعابيرَ وجهِ ليلى، وتفسّرانِ ما بينَ السطورِ.
بعدَ أنْ انتهتْ ليلى منْ سردِها، سادَ الصمتُ لبرهةٍ. ثمَّ قالتْ وفاءُ: "أتفهمُ تمامًا مدى الألمِ الذي تشعرينَ بهِ، يا ليلى. الخيانةُ شعورٌ مريرٌ، ويتركُ ندوبًا عميقةً. لكنْ، يجبُ أنْ نتذكرَ أنَّ هذا ليسَ نهايةَ المطافِ".
"لكنْ كيفَ؟" تساءلتْ ليلى، "كيفَ يمكنُني أنْ أثقَ بأحدٍ مرةً أخرى؟ كيفَ يمكنُني أنْ أستعيدَ كرامتي التي فقدتُها؟".
ابتسمتْ وفاءُ ابتسامةً خفيفةً: "الكرامةُ يا ليلى، ليستْ شيئًا يُفقَدُ ببساطةٍ، بلْ هيَ جزءٌ منْ جوهرِكِ. ما حدثَ معَ سالمٍ هوَ خيانةٌ لثقتِكِ، لكنهُ لمْ يمسْ كرامتَكِ. الكرامةُ تأتي منْ الداخلِ، منْ تمسكِكِ بمبادئِكِ وقيمِكِ".
"لكنْ، الجميعُ أصبحَ ينظرُ إليَّ بنظرةٍ مختلفةٍ. أشعرُ وكأنني أصبحتُ محطَّ الشفقةِ أوْ الحديثِ".
"هذا طبيعيٌّ في مجتمعٍ اعتادَ على الحكمِ السريعِ"، قالتْ وفاءُ، "لكنْ، الأهمُّ هوَ نظرتُكِ أنتِ لنفسِكِ. هلْ تسمحينَ لخطأِ شخصٍ آخرَ أنْ يحددَ نظرتَكِ لنفسِكِ؟".
"لا أعرفُ"، قالتْ ليلى بصوتٍ منخفضٍ، "أنا مشوشةٌ جدًا".
"لهذا أنا هنا"، قالتْ وفاءُ، "لأساعدَكِ على استعادةِ صفاءِ تفكيرِكِ. أولًا، يجبُ أنْ تقطعي كلَّ صلةٍ بسالمٍ. علاقتُكِ بهِ انتهتْ، وعليكَ أنْ تتقبّلي ذلكَ. ثانيًا، يجبُ أنْ تمنحي نفسَكِ الوقتَ للشفاءِ. لا تتعجّلي في اتخاذِ قراراتٍ مصيريةٍ. ثالثًا، يجبُ أنْ تعودي إلى نفسِكِ، إلى هواياتِكِ، إلى الأشياءِ التي تُسعدُكِ. تذكّري، أنتِ لستِ مجردَ شخصٍ تعرضَ للخيانةِ، أنتِ ليلى، لديكِ أحلامُكِ وطموحاتُكِ".
"وماذا عنْ "خالدٍ"؟" سألتْ ليلى بترددٍ، "لقدْ رأيتُه يتعاملُ معي بلطفٍ واحترامٍ".
نظرتْ وفاءُ إلى ليلى بعينينِ ثاقبتينِ: "هنا يكمنُ المفتاحُ، يا ليلى. الاحترامُ المتبادلُ هوَ أساسُ أيِّ علاقةٍ صحيةٍ. إذا شعرتِ بالراحةِ والأمانِ معَ هذا الشخصِ، وإذا كانَ على استعدادٍ لبناءِ علاقةٍ قائمةٍ على المودةِ والرحمةِ، فلماذا لا؟ لكنْ، يجبُ أنْ تكونَ الأمورُ واضحةً وصريحةً، وخاليةً منْ أيِّ شبهاتٍ. لا تتسرّعي، ولا تفتحي قلبَكِ بالكاملِ قبلَ أنْ تتأكدي منْ صدقِ نواياهُ".
"هلْ تقصدينَ أنْ أتحدثَ إليهِ؟"
"ليسَ بالضرورةِ الآنَ"، قالتْ وفاءُ، "لكنْ، عندما يأتي الوقتُ المناسبُ، تحدثي إليهِ بصراحةٍ، واجعلي الأمورَ واضحةً منذُ البدايةِ. دعيهُ يعرفُ ما مررتِ بهِ، ودعيهُ يعرفُ ما تبحثينَ عنهَ. العلاقةُ المبنيةُ على الصدقِ هيَ الأقوى".
"ولكنْ، كيفَ يمكنُني أنْ أكونَ قويةً؟ أشعرُ بالضعفِ الشديدِ".
"القوةُ ليستْ في عدمِ الشعورِ بالضعفِ، بلْ في القدرةِ على مواجهةِ الضعفِ والنهوضِ رغمَ كلِّ شيءٍ"، قالتْ وفاءُ، وهيَ تضعُ يدَها على يدِ ليلى، "جدتُكِ قويةٌ، ووالدتُكِ قويةٌ، وأنتِ قويةٌ أيضًا. فقطْ، أحتاجي إلى بعضِ الوقتِ لتكتشفي هذهِ القوةَ منْ جديدٍ".
نهضتْ وفاءُ، وحقيبتُها في يدِها: "سأزورُكِ مرةً أخرى بعدَ أسبوعٍ، لنرى كيفَ تسيرُ الأمورُ. حتى ذلكَ الحينِ، حاولي أنْ تتبعي نصائحي. وتذكّري، اللهَ لا يُكلفُ نفسًا إلا وسعَها. إنَّ معَ العسرِ يسرًا".
بعدَ أنْ غادرتْ وفاءُ، شعرتْ ليلى ببعضِ الهدوءِ، كأنَّ سحابةً ثقيلةً بدأتْ تنقشعُ عنْ سماءِ روحِها. لمْ تختفِ المشاعرُ تمامًا، لكنها شعرتْ بأنها بدأتْ ترى بصيصَ أملٍ.
نظرتْ إلى جدتِها، التي كانتْ تراقبُ كلَّ شيءٍ بصمتٍ. ابتسمتْ أمينةُ ابتسامةً دافئةً: "لقدْ قالتْ كلامًا فيهِ حكمةٌ، يا ليلى. دائمًا ما يكونُ هناكَ بابٌ مفتوحٌ، حتى في أشدِّ الظروفِ".
"شكرًا لكِ يا جدتي، وشكرًا لوالدتي على هذهِ الزيارةِ"، قالتْ ليلى، وهيَ تشعرُ بعرفانٍ عميقٍ.
"الأمرُ يستحقُ، يا ابنتي"، قالتْ أمينةُ، "لا يمكنُنا أنْ ندعَ هذهِ الأمورَ تتحكمُ في حياتِنا. يجبُ أنْ نكونَ نحنُ منْ يتحكمُ فيها".
جلستْ ليلى مرةً أخرى، وذهنُها مشغولٌ بما قالتهُ وفاءُ. بدأتْ تفكرُ في "خالدٍ"، في تعاملِهِ معَها، في نظرتِهِ التي بدتْ صافيةً. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هوَ الشخصُ الذي تبحثُ عنهُ؟ أمْ أنَّها يجبُ أنْ تنتظرَ حتى تتأكدَ منْ شفاءِ قلبِها تمامًا؟
تنهدتْ. القصةُ لمْ تنتهِ بعدُ. كانتْ هناكَ فصولٌ أخرى تنتظرُها، فصولٌ قدْ تحملُ لها السعادةَ، أوْ قدْ تحملُ لها المزيدَ منَ التحدياتِ. لكنْ، للمرةِ الأولى منذُ فترةٍ طويلةٍ، شعرتْ بأنها قادرةٌ على مواجهةِ ما سيأتي.