الفصل 12 / 25

حب وكرامة 199

همساتٌ في سوقِ الذكرياتِ

بقلم ليلى الأحمد

كانَ السوقُ يعجُّ بالحياةِ، ألوانٌ تتناثرُ في كلِّ مكانٍ، أصواتٌ تتداخلُ، وروائحُ عطرةٌ تفوحُ منْ أكشاكِ العطارينَ والباعةِ. كانتْ ليلى تسيرُ بخطواتٍ هادئةٍ، تحاولُ أنْ تستمتعَ بهذا الجوِّ البهيِّ، بعدَ أنْ استعادتْ شيئًا منْ عافيتِها بفضلِ نصائحِ المستشارةِ وفاءَ. لكنْ، لمْ تستطعْ أنْ تتخلصَ تمامًا منْ ظلالِ الماضي التي كانتْ ترافقُها.

كانتْ تشتري بعضَ التوابلِ منْ بائعٍ عجوزٍ، يداهُ مرتعشتانِ، لكنَّ عينيهِ كانتا تلمعانِ بالذكاءِ. حينَ رفعتْ رأسَها لتسألَهُ عنْ سعرِ الزعفرانِ، لمحَتْهُ. كانَ يقفُ على مقربةٍ منها، يراقبُها بنظرةٍ تحملُ الكثيرَ. "خالدٌ".

توقفَ قلبُها لدقيقةٍ، ثمَّ عادَ ينبضُ بقوةٍ. ابتسمَ لها ابتسامةً خجولةً، ثمَّ أومأَ برأسِهِ. اقتربَ منها، وسألَ بصوتٍ خفيضٍ: "كيفَ حالُكِ يا ليلى؟".

"بخيرٍ، والحمدُ للهِ"، أجابتْ ليلى، وهيَ تحاولُ أنْ تبدوَ هادئةً، "ماذا عنْكَ؟". "الحمدُ للهِ"، قالَ خالدٌ، "لمْ أتوقعْ رؤيتَكِ هنا اليومَ".

"جئتُ لأشتريَ بعضَ الأشياءِ الضروريةِ"، قالتْ ليلى، وهيَ تبتسمُ لهُ بصدقٍ. "هلْ أتيتَ لقضاءِ حاجةٍ؟". "نعم، جئتُ لأرى إنْ وجدتُ بعضَ الأدواتِ الزراعيةِ النادرةِ"، أجابَ، وهوَ ينظرُ حولَهُ. "لكنْ، هلْ تسمحينَ لي بحديثٍ قصيرٍ معكِ؟".

شعرَتْ ليلى ببعضِ التوترِ، لكنها تذكرتْ كلامَ وفاءَ: "لا تتسرّعي، ولا تفتحي قلبَكِ بالكاملِ قبلَ أنْ تتأكدي منْ صدقِ نواياهُ. تحدثي إليهِ بصراحةٍ". "بالتأكيدِ"، قالتْ ليلى، "لكنْ، هلْ نبتعدُ قليلاً عنْ ضوضاءِ السوقِ؟".

توجهَا نحو زاويةٍ هادئةٍ منَ السوقِ، حيثُ كانتْ بعضُ الأشجارِ الكبيرةِ توفرُ بعضَ الظلِّ. جلسا على مقعدٍ حجريٍّ قديمٍ. "أردتُ أنْ أتحدثَ معكِ منذُ مدةٍ"، بدأَ خالدٌ، "لكنني لمْ أجدْ الفرصةَ المناسبةَ. أنا سعيدٌ جدًا لأنَّكِ استطعتِ أنْ تتجاوزي ما حدثَ معَ سالمٍ. سمعتُ بعضَ الأخبارِ، ولمْ أكنْ مرتاحًا لما سمعتُ".

"لقدْ كانَ الأمرُ صعبًا"، قالتْ ليلى، "لكنْ، الحمدُ للهِ، بدأتُ أشعرُ بتحسنٍ". "لا بدَّ أنَّكِ قويةٌ جدًا"، قالَ خالدٌ، وعيناهُ تنظرانِ إليها بتقديرٍ، "لمْ أشكُّ في قوتِكِ أبدًا. حينَ رأيتُ ما حدثَ، شعرتُ بالغضبِ، لكنني كنتُ أعلمُ أنَّكِ ستتجاوزينَ الأمرَ".

"كلماتُكِ تُطمئِنُني يا خالدٌ"، قالتْ ليلى، "لمْ أتوقعْ أنْ يهتمَّ شخصٌ بهذا الشكلِ". "لمْ أستطعْ أنْ أقفَ مكتوفَ الأيدي وأرى شخصًا طيبًا مثلكِ يتأذى"، قالَ خالدٌ، "لقدْ رأيتُكِ دائمًا تكنينَ الاحترامَ للجميعِ، وكنتُ أعلمُ أنَّكِ تستحقينَ الأفضلَ".

"هلْ تقصدُ شيئًا معينًا؟" سألتْ ليلى، وهيَ تشعرُ بنبضاتِ قلبِها تتسارعُ. نظرَ خالدٌ إليها مباشرةً، وقالَ بصوتٍ واثقٍ: "نعم، أقصدُ. أنا معجبٌ بكِ يا ليلى. معجبٌ بقلبِكِ الطيبِ، بذكائِكِ، وبقوتِكِ. أتمنى لوْ أنَّ الفرصةَ تسمحُ ببناءِ علاقةٍ معكِ، علاقةٍ تقومُ على الصدقِ والمودةِ، وتكونُ مرضيةً للهِ".

كانتْ كلماتهَ صادقةً، شعرَتْ بها ليلى. لمْ تكنْ ككلماتِ سالمٍ التي كانتْ مليئةً بالمكائدِ. لكنها تذكرتْ مرةً أخرى نصائحَ وفاءَ. "شكرًا لكَ يا خالدٌ على هذهِ الكلماتِ الجميلةِ"، قالتْ ليلى، "أنا أقدرُ مشاعركَ كثيرًا. لكني، كما تعلمُ، مررتُ بتجربةٍ مؤلمةٍ مؤخرًا، ولا أزالُ أحتاجُ بعضَ الوقتِ لأستعيدَ توازني تمامًا".

"أتفهمُ ذلكَ تمامًا"، قالَ خالدٌ، "ولنْ أضغطَ عليكِ أبدًا. أنا فقطْ أردتُ أنْ أُعبرَ لكِ عنْ مشاعري، وأنْ أعرفَ أنَّ هناكَ احتمالًا لبناءِ شيءٍ جميلٍ بيننا في المستقبلِ، عندما تكونينَ مستعدةً".

"هذا لطفٌ كبيرٌ منك"، قالتْ ليلى، "أنا أرى فيكَ صفاتٍ طيبةً، وأحترمُكَ كثيرًا. وأنا أيضًا، أتمنى أنْ تكونَ لنا فرصةٌ في المستقبلِ".

ابتسمَ خالدٌ ابتسامةً أشرقتْ وجهَهُ: "هذا يكفي لي في الوقتِ الحالي. سأتركُ لكِ مساحتكِ، وسأكونُ هنا إذا احتجتِ أيَّ شيءٍ، أوْ إذا أردتِ التحدثَ".

قضيا بعضَ الوقتِ يتحدثانِ في أمورٍ عامةٍ، عنْ أخبارِ الحيِّ، وعنْ استعداداتِ الموسمِ الزراعيِّ. شعرتْ ليلى براحةٍ كبيرةٍ أثناءَ حديثِها معَ خالدٍ. لمْ تشعرْ بالضغوطِ أوْ بالخوفِ. كانَ حديثُهما عذبًا وصافيًا، كجرعةِ ماءٍ باردٍ في يومٍ حارٍّ.

بعدَ فترةٍ، انصرفَ خالدٌ، ووعدَها بالاتصالِ لاحقًا. عادتْ ليلى إلى عربتِها، تحملُ في قلبِها شعورًا بالأملِ، ممزوجًا ببعضِ الحذرِ. كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ ما زالَ طويلًا، وأنَّ عليها أنْ تكونَ حذرةً في خطواتِها.

عندما عادتْ إلى البيتِ، وجدتْ جدتَها في انتظارِها. "كيفَ كانَ السوقُ؟" سألتْ أمينةُ بابتسامةٍ. "كانَ جيدًا يا جدتي"، أجابتْ ليلى، ثمَّ حكتْ لها عنْ لقائِها بخالدٍ. "هذا خبرٌ مفرحٌ"، قالتْ أمينةُ، "رأيتُ فيهِ دائمًا شابًا صالحًا وجادًا. أسألُ اللهَ أنْ يجمعَ بينَكما على خيرٍ".

"لا زلتُ أحتاجُ وقتًا يا جدتي"، قالتْ ليلى، "لكنْ، أشعرُ أنَّ لديهِ قلبًا طيبًا". "الثقةُ تبنى معَ الوقتِ يا ابنتي"، قالتْ أمينةُ، "واللهُ يُسيرُ الأمورَ بما فيهِ الخيرُ".

نظرتْ ليلى إلى النافذةِ، كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ تميلُ نحو الغروبِ، تلونُ السماءَ بألوانٍ دافئةٍ. شعرتْ بأنَّ الحياةَ تعطيها فرصةً ثانيةً، فرصةً لبناءِ مستقبلٍ أفضلَ، مستقبلٍ يليقُ بكرامتِها وحبِّها.

لكنْ، بينَ كلِّ هذهِ المشاعرِ الجديدةِ، لمْ تستطعْ أنْ تنسى شيئًا. صورةٌ معينةٌ خطرتْ ببالِها، صورةٌ لشخصٍ رأتهُ في السوقِ، لكنهُ لمْ يلتفتْ إليها. كانَ "سالمٌ"، يبدو وكأنَّه يبحثُ عنْ شيءٍ، أوْ عنْ شخصٍ. لمْ تستطعْ تحديدَ وجهِهِ بوضوحٍ، لكنها شعرتْ بغريزةٍ تحذِّرُها. هلْ كانتْ مجردَ أوهامٍ؟ أمْ أنَّ القصةَ لمْ تنتهِ بعدُ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%