حب وكرامة 199
همسات في أروقة الأمل
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمات الربيع العليلة تحمل معها عبق الياسمين والفل، تداعب ستائر دار آل قاسم المفتوحة على مصراعيها، وتخترق صمت الأمسية الهادئة. جلست فاطمة، وفي قلبها مزيج من القلق والرجاء، تتأمل انعكاس ضوء الشموع الخافت على وجه جدتها، أمينة، التي كانت تقلب صفحات مصحف قديم، ترتل بصوت خافت تغلب عليه خشوع السنين. كانت فاطمة قد أخبرت جدتها بكل شيء، بكل ما دار في تلك اللحظة المشحونة بالحيرة، تلك اللحظة التي احتلت فيها كلمات الشاب الغريب، خالد، كل مساحة في وعيها.
"يا جدتي،" همست فاطمة، وصوتها بالكاد يصل إلى مسمعها، "هل حقاً ما رأيته كان نوراً يسطع من قلبه؟ هل كانت كلماته حقاً صدقاً، أم مجرد وهم سرعان ما يتلاشى مع بزوغ الشمس؟"
ابتسمت أمينة ابتسامة حانية، وضعت يدها المرتعشة على خد حفيدتها، وقالت بصوت فيه هدوء الأنبياء: "يا بنيتي، القلب هو مرآة الروح. والنور الذي رأيته، إن كان حقاً، فهو نور الإيمان والصدق. ولكن، يا عزيزتي، الأقدار غالباً ما تنسج خيوطها بطرق لا نفهمها في حينها. الطريق إلى السعادة ليس مفروشاً بالورود دائماً، بل يتطلب منا اليقين في رحمة الله، والصبر على ما يختاره لنا."
تنهدت فاطمة، وسألت بصوت يرتجف قليلاً: "ولكن يا جدتي، ماذا لو كان هذا كله اختباراً؟ اختباراً لصدق نوايانا، ولثبات مبادئنا؟ لقد أدرك أننا أسرة تعتز بكرامتها، وأن المال ليس كل شيء."
"بالضبط يا فاطمة،" ردت أمينة، وعيناها تلمعان ببريق الحكمة، "وهذا ما يميزكم. الكرامة أثمن من كنوز الدنيا. والشاب الذي يدرك ذلك، ويسعى لخطبتك بالطريقة الشرعية، هو شاب له أصوله وقيمه. المهم الآن هو أن تدعي قلبك يحدثك، وأن تستشيري عقلك، وقبل كل شيء، أن تلجئي إلى الله بالدعاء. اسألي الله أن يهديك الصواب، وأن يرشدك إلى ما فيه خير لك ولأسرتك."
في تلك الأثناء، كان أحمد، والد فاطمة، في مجلسه المعتاد مع صديقه المقرب، الشيخ يوسف، الذي كان إمام مسجد الحي. كان أحمد يعرض على الشيخ همومه، تلك التي تثقل كاهله وتجعله يسهر الليالي.
"يا شيخ يوسف،" قال أحمد، وعينيه شاردة في الأفق، "أصبحت الدنيا أشد ضيقاً. ديون العمل تتراكم، وهموم الحياة تتوالى. أصبحت أخشى على مستقبل بناتي، على مستقبل فاطمة تحديداً، فقلبها طيب، ولابد أن تجد من يقدرها حق قدرها."
نظر إليه الشيخ يوسف بتفهم، وقال بصوت مطمئن: "يا أبا فاطمة، لا تجزع. إن الله مع الصابرين. تذكر قصة أيوب عليه السلام، وكيف صبر واحتسب. توكل على الله، واعمل ما بوسعك، والباقي عند خالقك. وبالنسبة لفاطمة، إن كنت تقصد الشاب الذي تقدم إليها أخيراً، فقد سمعت عنه خيراً. شاب طموح، له سمعة طيبة، ومتدين. وهذا هو المبتغى في هذا الزمان."
"نعم يا شيخ،" أجاب أحمد، "الشاب خالد. سمعته تفوق وصفه. ولكن، قلبي قلق. هو شاب له مكانته، ونحن لسنا كأي أسرة. أخشى أن ينظر إلينا بعين الاستعلاء، أو أن تكون لطلبه دوافع أخرى."
"وهنا يأتي دور العادات والتقاليد الطيبة، يا أبا فاطمة،" قال الشيخ يوسف، "التشاور مع أهل الرأي، والتعرف على نيات الخاطب بشكل أعمق. لا تستعجل الأمور. خذ وقتك، وتوكل على الله. إن كانت فيه البركة، فسيبارك الله في هذه الخطوة. وإن لم تكن، فسيصرفها الله عنكم."
كان خالد، الشاب الذي أحدث كل هذه المشاعر المتضاربة، يجلس في مكتبه الفاخر، يتأمل بعمق خارطة طريق لمشروعه الجديد. كانت أوراقه مبعثرة أمامه، ولكن عقله كان مشغولاً بأكثر من ذلك. كان يفكر في تلك النظرة التي رأى فيها على وجه فاطمة، نظرة فيها مزيج من الدهشة والتردد. كان يعلم أنها أسرة محترمة، وأنها تتمسك بمبادئها. وهذا ما زاد من إعجابه بها.
"لم يكن الأمر مجرد إعجاب عابر،" قال لنفسه بصوت خفيض، "لقد رأيت فيها ما لا أراه في الكثيرات. رأيت فيها أصالة، وعفة، وقوة. ورأيت في عينيها بريقاً خاصاً، بريقاً يوحي بأنها تستحق أن تُصان وتُحترم."
كان خالد قد قرر، منذ اللحظة الأولى للقائه بفاطمة في ذلك اليوم المشؤود، أن يسلك الطريق الصحيح. لم يكن يرضى لنفسه أن يتجاوز الحدود، أو أن يدفعها إلى موقف لا ترضاه. كان يعلم أن أسرتها كريمة، وأنهم لن يقبلوا منه إلا ما يرضي الله ورسوله.
"عليّ أن أثبت لهم أنني رجل ذو مبدأ،" فكر خالد، "وأنني أقدر هذه الأسرة، وأقدر ابنتهم. سأطلب يدها رسمياً، وسأظهر لهم كل الاحترام والتقدير. يجب أن أشعرهم بأنني جاد، وأنني أرغب في بناء بيت مسلم، على أساس قوي من الحب والرحمة والمودة."
في هذه الأثناء، كانت زينب، أخت فاطمة الصغرى، تراقب شقيقتها بقلق. كانت ترى في عيني فاطمة بحراً من الأفكار المتلاطمة، وبحراً من المشاعر المكتومة.
"يا أختي،" قالت زينب وهي تجلس بجانب فاطمة، "ما الذي يدور في خاطرك؟ أراكِ شاردة الذهن منذ ذلك اليوم. هل الأمر يتعلق بذلك الشاب؟"
ابتسمت فاطمة ابتسامة باهتة، وقالت: "الأمر معقد يا زينب. إنه إحساس جديد، إحساس لا أعرف كيف أفسره. ولكنه بالتأكيد شيء يحتاج إلى تفكير عميق."
"ولكن، ألم يقل لكِ جدتي إن قلبكِ هو بوصلتك؟" سألت زينب ببراءة، "إذا كان قلبكِ يميل إليه، فلا تترددي. ولكن بشرط أن يكون رجلاً صالحاً، يحافظ عليكِ."
"نعم، لقد قيل لي الكثير،" أجابت فاطمة، "ولكن الأمور ليست بهذه البساطة. هناك مسؤوليات، وهناك أهالي، وهناك تقدير لأصولنا. كل هذا يدفعني إلى الحذر، وإلى التفكير ملياً."
نظرت زينب إلى أختها بعينين زائغتين، وقالت: "أتمنى لكِ كل الخير يا فاطمة. أنتِ تستحقين كل السعادة في الدنيا. أتمنى أن تجدي في هذا الشاب ما يسعد قلبكِ، ويطمئن بالكِ."
كانت تلك الأمسية، بمناجاة الأمهات، وهمسات الأبناء، وصلوات العباد، تحمل في طياتها بذرة أمل جديدة. بذرة ستحتاج إلى سقي بالصدق، ورعاية بالتقوى، لتنمو وتزهر في عالم مليء بالتحديات، ولكنها مليئة أيضاً بالبركات. كانت ليلة تحول، وليلة قرارات، وليلة تتشابك فيها مصائر، لتنسج معاً قصة حب وكرامة.