الفصل 18 / 25

حب وكرامة 199

همسات القدر المكتوم

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمة العصر الرطبة تلف قصر آل شهاب كوشاحٍ من العطر، تحمل معها عبق الياسمين الذي كان يعلو سور الحديقة الخلفية. اجتمع آل شهاب في الديوانية الفسيحة، حيث تصدح أصوات ضحكات الأطفال ممزوجة بهديل الحمام الذي استقر على فروع شجرة التين العتيقة. بدت الأجواء كعادتها، تدفئ القلوب وتجمع الأهل، إلا أن قلب سلمى كان يعصف برياحٍ لم يعتدها. كانت جالسةً قرب نافذة الديوانية المطلة على البستان، تتظاهر بالاستماع لحديث والدتها عن ترتيبات الزفاف القادم، ولكن عقلها كان في مكانٍ آخر، أو بالأحرى، مع شخصٍ آخر.

منذ أن استقبلت الرسالة الغامضة التي تحمل توقيع "صديق قديم"، ولم تنم سلمى هانئة. لم تكن تعرف من هو هذا الصديق، ولا أي سرٍ قديمٍ يربطها به، لكن الكلمات كانت تحذيرية، مشيرةً إلى خفايا ماضٍ لم تعشه، أو ربما نسيه ذاكرتها. "الحقيقة، يا سلمى، أعمق مما تظنين. احذري الظلال، فالماضي لا يرحم." هذه العبارات كانت تتردد في أذنيها كصدىً بعيد، تشعل فتيل قلقٍ لم تستطع إخماده.

دخل أحمد، شقيقها الأكبر، إلى الديوانية، بملامحٍ تبدو أكثر جديةً من المعتاد. جلس بجوار والدته، وتناول كوب الشاي الذي قدمته له، ثم نظر إلى سلمى نظرةً أثارت حنقها. كانت تلك النظرة خليطًا من القلق واللوم، نظرةٌ كأنما يرى فيها شيئًا لم يعجبه. "سلمى، هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة الذهن منذ الصباح."

ابتسمت سلمى ابتسامةً باهتة. "لا شيء يا أخي، مجرد إرهاقٍ بسيط."

قاطعتهم والدة أحمد، السيدة عائشة، بحرصٍ أمومي. "حسناً يا بني، سننتقل لغرفة الجلوس لتناول القهوة. سلمى، هيا تعالي."

وقفت سلمى، ولأول مرةٍ شعرت بثقل خطواتها وهي تبتعد عن الديوانية. بينما كانت تسير خلف والدتها، شعرت بحركةٍ سريعةٍ خلفها. استدارت، لتجد أمامها خادمةً قديمةً في القصر، تعرفها باسم "أمينة"، وقد بدت عيناها مليئتين بالدموع، ويدها ترتعش وهي تمسك بقطعة قماشٍ صغيرةٍ مطوية.

"آنسة سلمى،" همست أمينة بصوتٍ مختنق، "هذه.. هذه تخصكِ. وجدتها بين أوراق السيد يوسف القديمة. ربما.. ربما تجدين فيها ضالتك."

قبل أن تتمكن سلمى من السؤال، اختفت أمينة في الظلال، تاركةً سلمى مع قطعة القماش الغامضة وقلبٍ أسرع نبضاً. في غرفتها، أغلقت سلمى الباب، وأمسكت بقطعة القماش. كانت قماشةً قديمةً، مطرزةً بزخارفٍ فارسيةٍ دقيقة، تحمل رائحةً خافتةً من العطور الشرقية. فتحتها ببطء، لتكشف عن صورةٍ صغيرةٍ بالأسود والأبيض.

تجمدت سلمى في مكانها. لم تكن تعرف هذه الفتاة، لكن هناك شيءٌ في عينيها، في ابتسامتها الخجولة، جعلها تشعر برابطٍ غريب. وعلى ظهر الصورة، بخطٍ مائلٍ رفيع، كانت مكتوبةٌ عبارةٌ واحدة: "روحٌ توأم، في زمنٍ مختلف."

من هو يوسف؟ ومن هي هذه الفتاة؟ وما علاقتهما بها؟

في تلك الليلة، بعد أن غادر الجميع، استقرت سلمى في مكتب والدها، مستخدمةً إضاءة المصباح الخافتة. بدأت في البحث في الأدراج والملفات القديمة. كانت تعرف أن والدها، رحمه الله، كان رجلاً محباً للمعرفة، وكاتباً للشعر، لكنها لم تعلم قط أنه كان يخفي أسراراً تتعلق بماضيها.

بعد ساعاتٍ من البحث المضني، عثرت على صندوقٍ خشبيٍ عتيق، مختومٍ بختمٍ فضيٍ به حرف "ش". فتحته بقلبٍ يخفق. كان بداخله مجموعةٌ من الرسائل القديمة، ودفتر ملاحظاتٍ صغير، وصورةٌ أخرى، أكبر حجماً هذه المرة.

الصورة كانت لوالدها، في شبابه، مع امرأةٍ جميلةٍ ذات ملامحٍ عربيةٍ أصيلة، ترتدي حجاباً أنيقاً، وعيناها تلمعان بالحياة. كانت تحمل بين يديها طفلةً صغيرة، لا تتجاوز بضع سنوات. لم تكن الطفلة ملامحها واضحةً تماماً، لكن شيئاً ما جعل قلب سلمى يرتجف.

ثم، أمسكت بالرسائل. كانت جميعها موجهةً إلى والدها، مكتوبةً بخطٍ نسائيٍ أنيق، لكن الأسماء التي كانت تظهر عليها لم تكن مألوفةً لها. "إلى عزيزي الأستاذ شهاب." "إلى رفيق الروح، شهاب."

بدأت بقراءة إحدى الرسائل. "شهاب، حبيبي، لا أدري كيف أصف لكِ شوقي. كلما سمعتُ صوتك في الهاتف، تذكرتُ أيامنا الأولى، أيامنا في الجامعة. أخشى أن يفرقنا الزمن، أخشى أن يمحو القدر ما بنيناه. أتمنى أن نلتقي قريباً، لنستعيد لحظات السعادة التي ضاعت."

لم تكن هذه الرسائل لأمها. أمها كانت دكتورةً معروفةً في الجامعة، لم تكن كاتبةً رومانسيةً كهذه. نظرت سلمى إلى دفتر الملاحظات. كان والدها يكتب فيه خواطره، لكن الصفحات الأخيرة كانت مكتوبةً بخطٍ آخر، مختلفٍ تماماً، خطٍ يتشابه مع خط الرسائل.

"يوسف،" قرأت سلمى بصوتٍ خفيض، "لقد أصبحتِ أقرب إلى قلبي من نفسي. لا أملك إلا أن أحبكِ، رغم كل شيء. رغم كل الظروف التي تحيط بنا، ورغم ما قد يقوله الناس. هذه المشاعر أقوى من أن أخفيها. حبنا، يا روح روحي، أصبح قدرنا. وأخشى أن يكون ثمن هذا القدر غالياً."

ثم، عثرت على ورقةٍ منفصلة، مطويةً بعناية. كانت قصيدةً، مكتوبةً على ورقٍ أصفر، عليها تاريخٌ قديم.

"يا من أضأتِ دروبي يا من غمرتِ قلبي في بحر حبكِ ألقي والشوق في قلبي يلبي

أعلم أن اللقاء صعب وأن الطريق محفوفٌ بالعتب لكن روحي بغيركِ تغرب فلتبقي لي.. يا أقرب قريب"

رفعت سلمى رأسها، وعيناها مغرقتان بالدموع. من هي "يوسف"؟ ومن هي المرأة في الصورة؟ هل هي والدتها؟ أم شخصٌ آخر؟ وما علاقة كل هذا بـ "أحمد"؟

فجأة، تذكرت تلك الرسالة الغامضة: "احذري الظلال، فالماضي لا يرحم."

كان والدها، الرجل الذي عرفته كأبٍ حنونٍ وعالمٍ وقور، يحمل سراً عميقاً، سراً يبدو أنه يتعلق بحياةٍ أخرى، وبحبٍ لم تكن تعرف عنه شيئاً.

لم تستطع سلمى النوم في تلك الليلة. كانت مشاعرها تتصارع: الحزن على السر الذي أخفاه والدها، الخوف من المجهول، والفضول الشديد لمعرفة الحقيقة كاملة. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، وأنها على وشك اكتشاف شيءٍ قد يغير حياتها، بل حياة عائلتها كلها.

بينما كانت الشمس ترسل خيوطها الأولى عبر النافذة، قررت سلمى. مهما كان الثمن، يجب عليها معرفة الحقيقة. يجب عليها فهم هذا السر المكتوم، الذي يبدو أنه كان يلقي بظلاله على حياتهم دون أن يعلموا.

كانت الأسرار تتكشف، والماضي يفرض نفسه على الحاضر. سلمى تعلم الآن أن طريق زواجها من طارق، الذي كان يبدو نقياً صافياً، قد يكون مليئاً بالتعقيدات التي لم تتوقعها أبداً.

<<<

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%