الفصل 19 / 25

حب وكرامة 199

خيوط متشابكة من الماضي

بقلم ليلى الأحمد

استيقظت سلمى مع أولى خيوط الفجر، واليقين يتجذر في قلبها كجذور شجرةٍ قديمة. لم تعد تلك الفتاة التي كانت تعيش في عالمٍ من البراءة والوهم. لقد اقتحمت جداراً من الأسرار، وباتت ترى ما كان خفياً. لم تكن تعرف بعد كيف ستبدأ، ولكنها تعلم أن عليها أن تفعل شيئاً.

جمعت سلمى كل الأوراق والرسائل والصور التي وجدتها في صندوق والدها، ووضعتها بعناية في حقيبتها. لم تستطع مشاركة ما اكتشفته مع أحدٍ في هذه اللحظة. شعرت بأن هذه رحلتها الخاصة، وأنها الوحيدة القادرة على فك رموز هذا اللغز.

بعد الإفطار، وبينما كانت العائلة مجتمعةً في الحديقة، تحدثت سلمى مع والدتها. "يا أمي، أرغب في زيارة جدتي في القرية. لقد مضى وقتٌ طويل منذ أن رأيتها، وأود أن أقضي معها بعض الوقت."

نظرت السيدة عائشة إلى ابنتها بقلق. "في هذا الوقت بالذات يا سلمى؟ زفافكِ يقترب، وهناك الكثير من الترتيبات."

"أعلم يا أمي، لكنني أشعر بحاجةٍ ماسةٍ لرؤيتها. أريد أن أستمد منها البركة، وأن أستمع إلى نصائحها. سأذهب اليوم، وسأعود قبل أن يبدأ العرس الفعلي."

بعد إلحاحٍ منها، وافقت السيدة عائشة على مضض، متذرعةً بأنها ستشعر بالوحدة بغيابها. جهزت سلمى نفسها، وودعت الجميع، وقلبها يخفق بخليطٍ من الأمل والقلق. لم تكن تعلم إن كانت جدتها ستساعدها، أم أنها ستزيد الطين بلة.

وصلت سلمى إلى بيت جدتها، الذي كان ما زال يحتفظ برائحة الماضي ودفء الذكريات. كانت الجدة "أم محمد" امرأةً وقورة، ذات عينين حكيمتين، وهدوءٍ يشي بعمق التجربة. استقبلتها بحفاوةٍ وغمرتها بالدعوات.

بعد أن تناولتا الشاي، وبدأت الأحاديث العائلية الروتينية، شعرت سلمى أن الوقت قد حان. "يا جدتي،" قالت بصوتٍ حنون، "هل تسمحين لي بسؤالٍ شخصيٍ جداً؟"

نظرت الجدة إليها باهتمام. "تفضلي يا ابنتي، كل أسراركِ عندي."

ترددت سلمى قليلاً، ثم بدأت. "هل كنتِ تعرفين.. هل كنتِ تعرفين بوجود امرأةٍ أخرى في حياة أبي؟ امرأةً غير أمي؟"

تجمدت الجدة أم محمد للحظة، ثم بدت عليها علامات التأثر. انحنت، وأمسكت بيد سلمى. "يا ابنتي، لم يكن لي علمٌ مباشرٌ بذلك، لكن.. أمكِ رحمها الله، كانت تشعر بشيءٍ من الغياب. لم تكن تبوح، لكن نظراتها كانت تحكي. الأباء.. الرجال.. قد يخطئون."

"لكن يا جدتي، لقد وجدتُ رسائل.. وصور.. لامرأةٍ اسمها يوسف، وامرأةً أخرى تبدو كأمٍ مع طفلةٍ صغيرة."

اهتز جسد الجدة قليلاً. "يوسف؟" همست باسمٍ كأنها تتذكره من بعيد. "نعم، أتذكر هذا الاسم. كانت هناك.. كانت هناك قصةٌ قديمةٌ مرتبطةٌ بوالدكِ في شبابه. قصةٌ أدت إلى.. أدت إلى بعض المرارة."

"ما هي يا جدتي؟ أرجوكِ، احتاج أن أعرف."

تنهدت الجدة، وأخذت نفساً عميقاً. "كان والدكِ، رحمه الله، في شبابه، قبل زواجه من والدتكِ، كان يحب فتاةً اسمها يوسف. كانت فتاةً رائعة، مثقفة، وذات روحٍ نقية. أحبها كثيراً، وحبها كان قوياً."

"لكن؟" سألت سلمى، تشعر بالخوف.

"لكن.. لم تكن من عائلتهم. كانت من عائلةٍ أخرى، وكانت هناك خلافاتٌ قديمةٌ بين العائلتين. خلافاتٌ تتعلق بالمال، بالأرض، وبالكثير من الكبرياء. بسبب هذه الخلافات، لم تستطع العائلتان أن تتقبلا زواجهما. والضغط كان شديداً."

"هل.. هل تزوجا؟"

"لا يا ابنتي. لم يتزوجا. اضطر والدكِ، تحت ضغطٍ شديدٍ من عائلته، وزواجٍ كان قد تم ترتيبه له، أن يبتعد عن يوسف. كان قراراً صعباً، مؤلماً، ترك جرحاً في قلبه، وجرحاً أكبر في قلبها. سمعتُ أن يوسف.. هاجرت بعدها بعيداً، ولم يعد أحدٌ يعرف عنها شيئاً."

"لكن.. الصورة التي وجدتها، المرأة التي تحمل الطفلة.. هل يمكن أن تكون يوسف؟"

بدت الجدة مترددة. "لا أدري يا ابنتي. لكن.. قد تكون. والدكِ لم يكن من النوع الذي ينسى. ربما.. ربما بعد سنواتٍ طويلة، وربما بطرقٍ لم نكن نعلمها، حدث ما حدث. حبٌ قديمٌ.. قد يجد طريقه للظهور من جديد، حتى بعد فوات الأوان."

"وهل.. هل أنا؟" سألت سلمى، والصوت يرتعش. "هل يمكن أن أكون.. ابنة يوسف؟"

نظرت إليها الجدة نظرةً طويلة، مليئةً بالحزن والفهم. "يا ابنتي، لا أستطيع الجزم. الأمر معقدٌ جداً. لكن.. والدتكِ.. كانت تعرف أن هناك شيئاً ما. كانت تشعر بأن هناك جزءاً من حياة زوجها لم تشاركه فيه. ولم تكن تتحدث كثيراً عن الماضي."

"وماذا عن أحمد؟ هل هو..؟"

"أحمد؟" ابتسمت الجدة بمرارة. "أحمد يشبه أباه كثيراً في ملامحه. لكن.. دعيني أقول لكِ شيئاً يا سلمى. الحب.. والحقيقة.. لهما طرقٌ غريبة. قد يظهران في أماكن غير متوقعة."

شعرت سلمى بضبابٍ كثيفٍ يغطي عقلها. إذا كانت ما تشك فيه صحيحاً، فإن حياتها، بل حياتها كلها، كانت مبنيةً على أكذوبة. زواجها من طارق، علاقتها بأحمد، وحتى علاقتها بوالدها.. كل شيءٍ كان موضع شك.

"يا جدتي،" قالت سلمى، وعيناها تمتلئان بالدموع، "ماذا أفعل؟"

"الحقيقة يا ابنتي، نورٌ يضيء الطريق. ابحثي عنها، بعقلٍ متفتحٍ وقلبٍ مؤمن. لا تدعي الظنون تقودكِ. ابحثي عن الأدلة. وأهم شيء.. احفظي كرامتكِ. لا تدعي أحداً يخدعكِ، ولا تدعي أسرار الماضي تدمر حاضركِ. خاصةً.. وأنتِ على وشك أن تبدئي حياةً جديدة."

غادرت سلمى بيت جدتها، والظلام بدأ يتسلل إلى السماء. كانت تحمل في قلبها ثقلاً هائلاً، وفي عقلها ألف سؤالٍ وسؤال. هل هي ابنة أبيه حقاً؟ أم أنها تحمل سراً أعقد من ذلك؟

نظرت إلى خاتم خطبتها من طارق، شعرت بالغثيان. هل هذا الرجل يعرف شيئاً؟ هل هو جزءٌ من هذا اللغز؟

فجأة، تذكرت الرسالة التي تلقتها: "الحقيقة، يا سلمى، أعمق مما تظنين. احذري الظلال، فالماضي لا يرحم."

كانت على وشك اكتشاف حقيقةٍ مظلمة، حقيقة قد تدمر كل شيء. كان القدر يرمي بها في دوامةٍ من الشك والخوف، وكان عليها أن تجد مخرجاً قبل أن تغرق.

<<<

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%