الفصل 20 / 25

حب وكرامة 199

وشاح الأسرار فوق سوق العطارين

بقلم ليلى الأحمد

عادت سلمى إلى قصر آل شهاب، وعينيها كأنهما تحملان كل ثقل الأرض. كان وجهها شاحباً، وملامحها تحمل أثراً من الحزن العميق. لم تستطع إخفاء ما حدث، لكنها لم تستطع أيضاً البوح. كانت تشعر بأنها تقف أمام مفترق طرق، وكل الطرق تبدو موحشة.

بعد أن استقرت في غرفتها، أخرجت كل ما جمعته من صندوق والدها. جلست على السجادة الفارسية، وبين يديها خيوطٌ متشابكةٌ من الماضي. كانت تقرأ الرسائل مرةً أخرى، تتفحص الصور، تحاول أن تجد أي ربطٍ منطقيٍ يجمع كل هذه القطع المبعثرة.

كانت الرسائل التي وجدتها ليوسف، تحمل شغفاً جارفاً، وتناقضاً صارخاً مع الصورة التي رسمتها لنفسها عن والدها، الرجل الهادئ المحب لأمه. "شهاب، لا أصدق أن هذا هو العالم الذي نعيش فيه. ألا يرى أحدٌ مدى حبنا؟ ألا يرون أننا خلقنا لبعضنا؟" كانت تلك الكلمات تصرخ بألمٍ دفين.

ومن بين الرسائل، وجدت ورقةً مطويةً بعناية، تحمل عنواناً مكتوباً بخطٍ مختلف: "شهادة ميلاد."

فتحته سلمى بقلبٍ مكسور. كانت شهادة ميلادٍ لطفلةٍ اسمها "ليلى"، بتاريخ ميلادٍ يتوافق مع عمرها تقريباً. الأم: يوسف الخطيب. الأب: شهاب آل شهاب.

صرخت سلمى، صرخةً مكتومة، خرجت من أعماق روحها. لم تعد هناك شكوك. إنها هي. هي ليلى. وهذا يعني أن والدها لم يكن أباه حقاً. وأن والدتها، السيدة عائشة، لم تكن والدتها البيولوجية.

تذكرت نظرة والدتها الخائفة أحياناً، وحديثها المقتضب عن ماضي والدها. تذكرت نظرة أحمد، الأخ الذي لم تشعر يوماً بقرابةٍ حقيقيةٍ معه، بقدر ما كانت تشعر بالفضول.

جلست سلمى في صمتٍ لساعات، والدموع تنهمر بصمت. شعرت بأنها فقدت كل شيء: هويتها، عائلتها، مستقبلها. كل ما بنته في حياتها كان مجرد وهم.

في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى بقرارٍ جديد. لم تعد فتاةً خائفةً تبحث عن الإجابات. بل أصبحت امرأةً تسعى لاستعادة حقها. حقها في معرفة الحقيقة كاملة، وحقها في هويتها.

ارتدت ملابس بسيطة، وأمسكت بشهادة الميلاد، وخرجت من القصر بهدوء. كان السوق القديم للعطارين، المكان الذي كانت تتلاقى فيه روائح البهارات والتاريخ، وجهتها التالية. سمعت من جدتها أن بيت آل الخطيب، عائلة يوسف، كان يقع في أحد أزقة هذا السوق.

كان السوق يعج بالحياة. بائعو التوابل يصرخون عارضين بضائعهم، روائح الزعفران والهيل تفوح في الهواء. كانت سلمى تتجول بين المحلات، وقلبها يرتعش، وكأنها تبحث عن ذكرى ضائعة.

بعد سؤالٍ هنا وسؤالٍ هناك، دلت على بيتٍ قديم، مهجورٍ الآن، لكنه ما زال يحمل آثار عائلة آل الخطيب. كان البيت صغيراً، لكنه كان يبدو ذا طابعٍ أصيل. دخلت سلمى بحذر. كان الغبار يغطي كل شيء، ونسيج العنكبوت يتدلى من السقف.

في إحدى الغرف، وجدت شيئاً صغيراً، صندوقاً خشبياً صغيراً، كان يبدو مهملًا. فتحته. كان بداخله بعض المجوهرات القديمة، ورسالةٌ أخيرة، مكتوبةً بخطٍ رديء، يبدو أنه لشخصٍ مريض.

"إلى ابنتي الحبيبة ليلى،" بدأت الرسالة. "إذا كنتِ تقرأين هذا، فهذا يعني أنني قد رحلت. لا أعرف أين أنتِ، ولا كيف ستجدين هذا. لكن أريدكِ أن تعرفي شيئاً. حبكِ لوالدكِ.. حبٌ لا يمحى. لكن القدر كان قاسياً. لم أستطع أن أكون معكِ. والدكِ.. والدكِ فعل كل ما بوسعه. لكن.. عائلته.. عائلة آل شهاب.. لم تترك له سبيلاً. لقد أجبروه على التخلي عنكِ."

"لا تلوميه يا ابنتي. لقد عانى كثيراً. لقد أرسل لكِ كل ما لديه. أرجو أن تسامحيه، وأن تسامحيني. ابحثي عن أحمد.. ابحثي عن أحمد.. هو.. قد يعرف المزيد. هو.. عائلته.. ليست كمثل والده. لا تلوميه.. احذري.. من.. الظلام."

انتهت الرسالة هنا، بخطٍ متقطع.

شعرت سلمى بالدموع تنهمر على وجهها. هي ليلى. والدها هو شهاب آل شهاب. لكن لم يكن شهاب هو والد أحمد. أحمد كان ابن شهاب من زوجته الشرعية، السيدة عائشة. أما هي.. فكانت ابنة شهاب من حبٍ ممنوع.

فمن هو أحمد بالنسبة لها؟ ومن هو طارق؟ هل هو يعرف هذه الحقيقة؟

ثم، تذكرت كلمة "أحمد" في الرسالة. "ابحثي عن أحمد.. هو.. قد يعرف المزيد."

شعرت بأنها على وشك الغرق في دوامةٍ لا نهاية لها. ما كان يبدو كحبٍ ممنوعٍ بين والدها وحبيبته، تحول إلى قصةٍ أعقد بكثير، قصة تتعلق بالعائلات، بالقوة، وبالتضحيات.

خرجت سلمى من البيت المهجور، والهواء في السوق بدا ثقيلاً. أدركت أن الحقيقة التي كانت تبحث عنها ليست مجرد قصة حبٍ قديمة، بل مؤامرةٌ معقدةٌ امتدت لعقود.

الآن، عرفت سلمى أنها ليست ليلى، ولكنها سلمى. سلمى التي حملت اسماً مستعاراً، واسماً عائلياً آخر. لكنها الآن، تعرف من هي والدتها البيولوجية، ومن هو والدها البيولوجي.

لكن، من هو أحمد؟ ولماذا حذرها والدها في رسالته الأخيرة من "الظلام"؟ وما علاقة أحمد بكل هذا؟

كل الخيوط كانت تتشابك، وكل الأسرار تخرج إلى النور، تاركةً سلمى في وسط عاصفةٍ من المشاعر والأسئلة.

<<<

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%