قصة حب حقيقية 200
سيلُ الذكرياتِ والقلوبُ المترددة
بقلم فاطمة النجار
عادتْ "سارة" إلى غرفتها، وقلبها لا يزالُ يرتجفُ من وطأةِ الحديثِ معَ والدها. لقد كانتْ صريحةً قدرَ الإمكان، ولكنَّ القلقَ ظلَّ يُسيطرُ عليها. لم تكنْ تعرفُ ما هوَ ردُّ فعلِ والدها تجاهَ مشاعرها. هل سيتفهمُ؟ هل سيُحاولُ إقناعها بالتخلي عن أحلامها؟
في تلكَ الأثناء، كانَ الشيخ "سليمان" جالسًا في مكتبهِ، يستقبلُ رسالةَ البريدِ الإلكتروني. كانَ يعملُ كقاضٍ في المحكمةِ الشرعية، وكانَ يعرفُ جيدًا تعقيداتِ القانونِ والأحوالِ الشخصية. ولكنَّ هذهِ المرة، كانَ الأمرُ يتعلقُ بأعزِّ ما لديهِ، ابنتهُ "سارة".
تذكرَ الشيخ "سليمان" يومَ وعدهِ للحاج "أحمد". لقد كانا صديقينِ عزيزينِ، وتشاركا الكثيرَ من الهمومِ والأفراح. كانَ "خالد" طفلاً صغيرًا حينها، و"سارة" بالكادِ بدأتْ تتفتحُ كزهرةٍ. كانَ الوعدُ نابعًا من محبةٍ صادقةٍ ورغبةٍ في ربطِ العائلتينِ برباطٍ مقدس. ولكنَّ الزمنَ قد غيرَ الكثير.
"تفكيرٌ في المستقبلِ،" تمتمَ الشيخ "سليمان" لنفسهِ، "ولكنَّ المستقبلَ لم يُكتبْ بعدُ في قلوبِ العباد."
بعدَ قليلٍ، دخلتْ والدةُ "سارة"، السيدة "فاطمة"، المكتبَ. كانت تحملُ كوبي شاي. "يا سليمان،" قالتْ بصوتٍ حنون، "لقد تحدثتُ معَ "سارة". إنها تشعرُ بضياعٍ كبير. لا أعتقدُ أنَّها مستعدةٌ نفسيًا لـ"خالد" الآن."
أخذَ الشيخ "سليمان" الكوبَ، وشكرَ زوجتهُ، وقال: "لقد تحدثتُ معها أيضًا. إنها حقًا لا تريدُ هذا الارتباطَ دونَ شعورٍ. ولكنَّنا لا نستطيعُ أن نُهينَ الحاج "أحمد" ولا أن نُخلفَ وعدنا."
"ما رأيكَ لو نُؤجلُ الموضوعَ قليلاً؟" اقترحتْ السيدة "فاطمة". "نُعطي "سارة" بعضَ الوقتِ لتُفكرَ، ونُعطي "خالدًا" فرصةً لرؤيةِ "سارة" دونَ ضغطٍ. ربما إذا رأها، تتغيرُ الأمور."
"هذا حلٌّ وسطٌ،" قالَ الشيخ "سليمان". "ولكنَّ الحاج "أحمد" يبدو مصرًّا على الإسراع. لقد طلبَ تحديدَ موعدٍ للرؤيةِ قريبًا."
"سنُحاولُ أن نُقنعهُ،" قالتْ السيدة "فاطمة". "مهمٌّ الآنَ أن نُحافظَ على راحةِ "سارة"."
في هذهِ الأثناء، كانَ "عمر" يشعرُ ببعضِ التوترِ. لقد قررَ أنَّ الوقتَ قد حانَ ليُقدمَ على خطوتهِ التالية. لقد استجمعَ شجاعتهُ، وتوجهَ إلى منزلِ الشيخ "سليمان". لم يذهبْ ليطلبَ يدَ "سارة" فورًا، بل ليُقدمَ نفسهُ رسميًا، وليُعبرَ عن رغبتهِ في التقدمِ لخطبتها، إذا سمحَ الأمر.
وصلَ "عمر" إلى بابِ منزلِ الشيخ "سليمان"، وشعرَ بقلبهِ يخفقُ بقوة. لم يكنْ يتوقعُ أن يكونَ لقاؤهُ الأولُ بهذهِ الرسمية. استقبلهُ الشيخ "سليمان" بابتسامةٍ، ولكنهُ لاحظَ علاماتِ الانشغالِ على وجههِ.
"أهلاً بكَ يا أبا عمر،" قالَ الشيخ "سليمان". "ما الذي أتى بكَ إلينا هذهِ الساعة؟"
"يا شيخنا الفاضل،" بدأَ "عمر" كلامهُ باحترامٍ، "لقد جئتُ اليومَ طالبًا لكرامةٍ. أنا شابٌّ عرفتُ في ابنتكمُ الفاضلةِ "سارة" ما كنتُ أبحثُ عنهُ في شريكةِ حياتي. أودُّ أن أطلبَ يدها للزواجِ، على سنةِ اللهِ ورسوله."
صُدمَ الشيخ "سليمان" قليلاً. لم يكنْ يتوقعُ هذا الطلبَ المفاجئ. كانَ يعلمُ أنَّ "عمر" شابٌّ صالحٌ، ولكنهُ لم يكنْ يعرفُ شيئًا عن اهتمامهِ بـ"سارة".
"ولكنْ يا أبا عمر،" قالَ الشيخ "سليمان" وهوَ يُحاولُ أن يُحافظَ على رباطةِ جأشه، "هناك أمرٌ بيننا وبينَ عائلةِ الحاج "أحمد" يتعلقُ بـ"سارة"."
شرحَ الشيخ "سليمان" لـ"عمر" ما دارَ بينهُ وبينَ الحاج "أحمد"، وعن الوعدِ القديم.
نظرَ "عمر" إلى الأرضِ، وشعرَ بخيبةِ أملٍ كبيرة. لم يكنْ يعرفُ أنَّ الأمورَ معقدةٌ لهذهِ الدرجة. "ولكنَّ يا شيخنا،" قالَ "عمر" بصوتٍ مُتعب، "إذا كانتْ "سارة" نفسها لا ترغبُ في هذا الزواج، فهل يُجبَرُ القلبُ؟"
"هذا هوَ السؤالُ الأصعبُ، يا أبا عمر،" أجابَ الشيخ "سليمان". "إنَّ الوفاءَ بالوعودِ واجبٌ، ولكنَّ سعادةَ الأبناءِ واجبٌ أيضًا. الأمرُ يحتاجُ إلى تفكيرٍ عميقٍ وصبر."
خرجَ "عمر" من منزلِ الشيخ "سليمان" وقلبهُ مثقلٌ. لقد كانَ يأملُ في نهايةٍ مختلفة. بدا وكأنَّ القدرَ قد وضعَ أمامهُ حاجزًا جديدًا.
عندما عادتْ "سارة" إلى غرفتها، وجدتها والدتها تنتظرها. "كيفَ كانَ الحديثُ معَ والدك؟" سألتْ السيدة "فاطمة" بلهفة. "لقد أخبرتُهُ بما أشعرُ بهِ، يا أمي،" قالتْ "سارة" وهيَ تُغطي وجهها بيديها. "ولكنَّني أشعرُ أنَّ الأمورَ تزدادُ تعقيدًا."
"لا تقلقي يا ابنتي،" قالتْ السيدة "فاطمة" وهيَ تُربتُ على ظهرها. "كلُّ شيءٍ لهُ وقتٌ وحكمة. علينا أن نثقَ بالله، وأن نصبرَ."
في هذهِ اللحظة، وصلَ إلى هاتفِ "سارة" رسالةٌ نصية. كانت من رقمٍ غيرِ معروف. فتحتْ الرسالةَ، وقرأتْ: "أتمنى لكِ كلَّ السعادةِ، يا من أسرتِ قلبي. سأظلُّ أدعو لكِ."
لم تستطعْ "سارة" أن تُدركَ من أرسلَ الرسالة. ولكنَّها شعرتْ بشيءٍ من الدفءِ يسري في قلبها. هل كانَ "عمر"؟ أم أنَّ هناكَ شيئًا آخرَ بدأَ يتشكلُ في الظلام؟
بدأتْ "سارة" تتذكرُ تفاصيلَ لقاءاتها بـ"عمر". ابتسامتهُ، حديثهُ الرزين، نظراتهُ الوقورة. ثمَّ تذكرتْ حديثَ والدها عن "خالد". لم ترَهُ قط، ولكنَّها كانتْ تتخيلهُ. هل يمكنُ أن يكونَ "خالد" هوَ الرجلُ الذي يُناسبها؟ أم أنَّ قلبها قد اختارَ طريقًا آخر؟
كانتِ الذكرياتُ تتسابقُ في عقلها، والقلوبُ كانتْ تترددُ بينَ خياراتٍ مُتشعبة. لم يكنْ الأمرُ مجردَ اختيارٍ بينَ رجلين، بل كانَ صراعًا بينَ ما يُمليهِ الواجبُ، وما تدعو إليهِ المشاعر.