قصة حب حقيقية 200
بريق الحبر على بياض الأوراق
بقلم فاطمة النجار
كانت صباحات القاهرة، بعد ليلتها الصاخبة، تحمل هدوءاً خاصاً. الشمس ترسل خيوطها الذهبية عبر النوافذ العتيقة، لتغازل غبار الزمن المتناثر في أرجاء الشقق القديمة. في إحدى هذه الشقق، الواقعة في حي الزمالك الراقي، كانت "مريم" تستقبل يومها بصمتٍ مهيب. مريم، الشابة في منتصف العشرينيات، كانت تمتلك شغفاً للقراءة والكتابة، يوازي شغفها بالحياة، وتتمتع بجمالٍ هادئٍ وأخاذ، يعكس نقاء روحها. كانت ترتدي غالباً ملابس بسيطةً وأنيقة، لا تخلو من لمسةٍ فنيةٍ تعكس ذوقها الرفيع.
في ذلك الصباح، كانت مريم قد استقرت في مكتبتها الصغيرة، التي احتلت زاويةً من شقتها. أحاطت بها رفوف الكتب المكدسة، والتي تضم كنوزاً من المعرفة والأدب. اختارت روايةً قديمةً لصلاح جاهين، وارتشفت من كوب قهوتها السوداء، التي لا غنى لها عنها. عيناها، الواسعتان بلون السماء الصافية، كانت تتجول بين السطور، تستنطق الكلمات، وتنبض بالحياة.
"صباح الخير يا ست مريم"، جاء صوت "عزيزة"، مدبرة المنزل القديمة، التي كانت كالأم الثانية لها.
"صباح النور يا عزيزة. أتمنى أن تكوني قد استيقظتِ براحة."
"الحمد لله. أحضرت لكِ رسالةً اليوم، تبدو غريبةً بعض الشيء. لم أرَ مثل هذا الختم من قبل."
أخذت مريم الرسالة بيدٍ ترتجف قليلاً. كانت مغلفةً بظرفٍ سميكٍ ذي لونٍ أزرق داكن، ومختومةً بشمعٍ أحمرٍ يحمل نقشاً غير مألوف. لم تكن معتادةً على استقبال رسائل كهذه. فتحتها بحذر، وأخرجت منها ورقةً واحدةً مطوية. كان الخط واضحاً وأنيقاً، مكتوباً بحبرٍ أسودٍ فاحم.
"عزيزتي الآنسة مريم،
تحيةً طيبةً وبعد،
أكتب إليكِ هذه الرسالة، وأنا على يقينٍ بأنها ستفاجئكِ. اسمي عمر، وأنا مهندسٌ معماري. قد لا تعرفيني، ولكني أعرفكِ. رأيتكِ في الأيام الماضية، في عدة مناسبات، في مكتبة "دار الكتب" حيث كنتِ تبحثين عن كتابٍ نادر، وفي حديقة "الأزبكية" حيث كنتِ تقرئين تحت ظل شجرةٍ وارفة. لستُ ممن يقتحمون حياة الآخرين، ولكنني وجدتُ فيكِ شيئاً يجذبني، شيئاً أود أن أتعرف عليه أكثر.
أعلم أن هذا الأسلوب قد يبدو غريباً، لكنني أفضل الصراحة والوضوح. لم يكن لديَّ من قبل أي اهتمامٍ بالعلاقات الاجتماعية، بل كنتُ أكرس وقتي وجهدي لعملي ودراساتي. ولكن، منذ أن رأيتكِ، شعرتُ بأن هناك شيئاً مختلفاً. هل يمكنني دعوتكِ لتناول فنجان قهوة، في مكانٍ عامٍ وهادئ، لنتحدث قليلاً؟ أعدكِ بأنني لن أطيل عليكِ، وأن الغرض الوحيد من هذا اللقاء هو التعرف المبدئي، في إطارٍ محترمٍ ولائق.
أتمنى أن تقبلي هذه الدعوة. وإن لم توافقي، سأحترم قراركِ تماماً، وسأعتبر هذه الرسالة مجرد خطأٍ في تقدير الأمور.
في انتظار ردكِ،
عمر"
أنهت مريم قراءة الرسالة، وشعرت بأن قلبها يخفق بسرعةٍ غير مسبوقة. عمر؟ مهندس؟ رأته؟ هل كانت تراقبه دون أن تدري؟ كان الأمر مربكاً ومثيراً في آنٍ واحد. لم تكن معتادةً على أن يلفت انتباهها أحد، ناهيك عن أن يبادر أحدهم بالتواصل معها بهذه الطريقة. كانت الحياة التي تعيشها، مليئةً بالكتب والأحلام، نادراً ما تخالطها شخصياتٌ واقعيةٌ بهذه الجرأة.
"ماذا بكِ يا ابنتي؟ تبدين شاردة الذهن"، قالت عزيزة، وقد لاحظت تغير ملامحها.
"لا شيء يا عزيزة. مجرد رسالةٌ أثارت انتباهي."
"رسالةٌ ممن؟"
"من... شخصٍ لا أعرفه."
نظرت عزيزة إليها بشيءٍ من القلق. "هل هي رسالةٌ طيبة؟"
"أعتقد ذلك. إنه يدعوني لتناول القهوة."
"دعوةٌ للقهوة؟ من شابٍ لا تعرفينه؟ كوني حذرةً يا ابنتي. الناس في هذا الزمان كثيرو الخداع."
"أعلم يا عزيزة. لكنه بدا في رسالته رجلاً محترماً. لقد ذكر اسمي، ووصفني بكلماتٍ راقية. وقال إنه رأني في أماكن مختلفة."
"رآكِ؟ هذا مريبٌ بعض الشيء. قد يكون ممن يراقبون الناس."
"لا أعتقد ذلك. الأسلوب الذي كتب به الرسالة، يوحي بالجدية والاحترام. لقد ذكر أنه يريد لقاءً للتعارف المبدئي، في مكانٍ عام، وأنه سيحترم قراري."
تنهدت عزيزة وقالت: "إذاً، القرار يعود إليكِ. لكن فكري جيداً، واستشيري والدكِ."
"بالطبع يا عزيزة. سأفكر في الأمر."
عادت مريم إلى رسالة عمر. كانت الكلمات تتراقص أمام عينيها، تثير في نفسها مزيجاً من الفضول والحذر. لم يكن عمر مجرد شابٍ عادي، بل كان يبدو كشخصيةٍ روائيةٍ خرجت من صفحات الكتب. وصفته بأنها "شيءٌ مختلف". ما هو هذا الشيء؟ هل كانت تعابير وجهها، أم شغفها بالقراءة، أم ربما صمتها الذي يكتنفه غموض؟
تذكرت مريم لقاءها بالحج أحمد في مطعم "ألف ليلة وليلة"، عندما تحدثت مع ليلى عن حياتها. كانت مريم قد زارت المطعم مع والدها، وهي تبحث عن مكانٍ هادئٍ لتناول العشاء. تحدثت مع ليلى عن حلمها بأن تصبح كاتبةً معروفة، وأن تترجم أعمال الأدب العالمي إلى العربية. أبهرتها روح ليلى الطيبة، وطموحها العالي، وأسلوبها الراقي.
"يجب أن أحدث ليلى"، قالت مريم لنفسها. كانت ليلى، برغم فارق السن بينهما، صديقةً مقربةً لها. كانت ليلى قدوةً لها في الكثير من الأمور، خاصةً فيما يتعلق بالتعامل مع الرجال. كانت ليلى تمتلك حكمةً ورؤيةً عميقةً للحياة.
اتصلت مريم بليلى. "ألو، ليلى؟"
"أهلاً يا مريم. كيف حالك؟"
"بخير الحمد لله. أردت أن أحدثكِ في أمرٍ شخصيٍ جداً."
"تفضلي، أنا أسمعكِ."
روت مريم لليلى كل شيء، عن الرسالة، وعن عمر، وعن دعوته.
"يا لها من مفاجأة! هذا أمرٌ مثيرٌ للاهتمام يا مريم. أن يكتب لكِ أحدهم بهذه الطريقة، ويدعوكِ للقاء، فهذا يدل على جرأةٍ ورغبةٍ صادقة."
"ولكن هل أذهب؟ هل أثق به؟"
"عمر، كما وصفته، يبدو رجلاً جاداً. ولكن، كوني دائماً حذرةً. اختاري مكاناً عاماً، ويفضل أن يكون فيه أناسٌ آخرون. واعلمي أنني سأكون معكِ بقلبي. هل شعرتِ تجاهه بشيءٍ ما؟"
"لا أعرف. ربما بعض الفضول. ربما الانجذاب إلى أسلوبه في الكتابة."
"النجاح في العلاقات يبدأ بالفضول الصادق. ولكن لا تستسلمي للانطباع الأول بسهولة. يجب أن تلتقيا، لتعرفي طبيعته الحقيقية. هل تعرفين اسمه الكامل؟"
"نعم، عمر. لكنه لم يذكر اسم عائلته."
"هذا طبيعي. أتريدين أن أساعدكِ في التحقق منه؟ ربما يمكنني أن أسأل بعض معارفي."
"لا، لا أعرف. ربما ليس ضرورياً الآن. سأرى أولاً كيف سيكون اللقاء."
"حسناً. إذا قررتِ الذهاب، أخبريني عن المكان والزمان. أريد أن أكون على اطلاعٍ دائم. وإذا شعرتِ بأي شيءٍ غريب، فلا تترددي في إنهاء اللقاء والاتصال بي فوراً."
"شكراً لكِ يا ليلى. وجودكِ يطمئنني."
أغلقت مريم الهاتف، وشعرت ببعض الارتياح. كانت تعرف أن ليلى لن تدعها تسقط في أي مشكلة. أمضت بقية اليوم وهي تفكر في عمر. في كلماته، في الأماكن التي ذكرها. هل حقاً رآها؟ هل كان يراقبها؟ أم أن الأمر مجرد صدفة؟
في تلك الليلة، لم تستطع مريم أن تنام مبكراً. قلبت في الرسالة مرةً أخرى، كأنها تبحث عن سرٍ دفين. بريق الحبر الأسود على بياض الأوراق، بدا وكأنه يحمل وعداً، أو ربما تحذيراً. هل ستكون هذه الدعوة للقاء، بدايةً لقصةٍ جديدة، أم مجرد فصلٍ عابرٍ في كتاب حياتها؟ شعرت بأنها تقف على مفترق طرق، والقرار الوحيد المتاح، هو أن تخطو.