قصة حب حقيقية 200
سحابة عاصفة فوق واحة الأمل
بقلم فاطمة النجار
استوطن صمتٌ ثقيلٌ أرجاء المجلس، ليس صمتَ الصفاء الذي يألفه أهل الديار، بل صمتَ ما قبل العاصفة، ثقلٌ يسدّ الأنفاس ويُثقل القلوب. وقف الحاج إبراهيم، شيخُ العائلة ورجلُها الأريب، يتلمّس هامةَ حفيدهِ أحمد، وقد ارتسمت على وجهه علاماتُ الحيرة والقلق. أمامهم، كان أحمد، الشابّ الذي اعتادوا رؤيةَ البريقِ في عينيهِ والابتسامةِ تعلو محيّاه، يجلسُ شاردًا، لا يدركُ ما يدورُ حوله.
"يا بنيّ،" بدأ الحاج إبراهيم بصوتٍ فيهِ رجفةٌ خفيّة، "ما الذي يدورُ في خلَدِكَ؟ لقد جلبتَ إلينا خبرًا، خبرًا ألقى بظلالهِ على فرحتنا."
رفع أحمدُ بصرهُ ببطء، فوجدَ عيونَ جدّهِ تترقبُ إجابةً، وعيونَ والديهِ تفيضُ بالأسى والقلق. "جدّي، والدي، والدتي،" قال بصوتٍ مختنق، "ما أقولُ لكم؟ كلّ ما كانَ يبدو لي واضحًا، كلّ ما بنيتُ عليهِ أحلامي، باتَ الآنَ سرابًا."
كانت "ليلى"، الفتاةُ التي وهبتْها الروحُ كلّ حبّها، هي محورُ هذا الاضطراب. خطبتها لأحمد لم تكن مجردَ وعدٍ زواج، بل كانت تجسيدًا لعلاقةٍ ساميةٍ بدأتْ بالودّ وتعمّقتْ بالاحترام، لتصلَ إلى أوجِ العشقِ الطاهر. لكنّ القدر، ذلكَ الكاتبُ الخفيّ، كانَ ينسجُ خيوطًا أخرى، خيوطًا لم يكن لأحمدَ ولا لليلىَ يدٌ في تشابكها.
"لقد زرتُ عمّي منصور اليوم،" استأنف أحمد، وشعورٌ بالغربةِ يمزّقُ أحشاءه، "تحدثنا عن ترتيباتِ الزواج، عن كلّ شيء. لكنّهُ… لكنّهُ كشفَ لي عن سرٍّ قديم."
شعرَ الحاج إبراهيم ببرودةٍ تسري في أوصاله. "سرٌّ؟ أيّ سرٍّ يا بنيّ؟"
"إنّ ليلى… إنّ ليلى ليست ابنةَ عمّي منصور الوحيدة."
تطايرتْ نظراتُ الدهشةِ بينَ أفرادِ الأسرة. والدةُ أحمد، السيدةُ فاطمة، وضعتْ يدها على فمها، وقد بدأتْ تستشعرُ هولَ ما سيُقال.
"هناك… هناك ابنةٌ أخرى،" تابع أحمد، وصوتُهُ يرتجفُ كالنّبتةِ في مهبِّ الريح، "ابنةٌ أخفتها عمّي عن الأنظارِ لسنوات. ابنةٌ… لم يسمعْ بها أحدٌ في عائلتنا من قبل."
"ومن هي هذهِ الابنة؟" سألَ والدُ أحمد، السيدُ خالد، بصوتٍ قويّ، حاولَ فيهِ استجماعَ قوّته.
"هذهِ الابنة،" قال أحمد، ثمّ أخذَ نفسًا عميقًا، وكأنّهُ يستجمعُ آخرَ خيوطِ شجاعته، "هي… هي حفيدةُ الحاجّ عبد العزيز."
سادَ صمتٌ مطبقٌ، كأنّ عقاربَ الساعةَ تجمدتْ في مكانها. اسمُ الحاجّ عبد العزيز، ذلكَ الرجلُ الذي لطالما دارتْ حولهُ أقاويمُ من الغموضِ والخصومةِ القديمةِ معَ عائلةِ الحاجّ إبراهيم، كانَ كفيلًا بإشعالِ فتيلِ الأزمات.
"لا يمكنُ هذا،" همستْ السيدةُ فاطمة، وعيناها تدمعانِ. "ليلى… كيفَ يمكنُ أن تكونَ ابنةً لعائلةٍ… لطالما عشنا معها في خصام؟"
"إنّها ليست ابنةَ عمّي منصور،" أوضحَ أحمد، "بل ابنةُ الحاجّ عبد العزيز، وقد أخفاها عن الجميع. عمّي منصور… يبتغي شيئًا ما. هو… هو يخطّطُ لشيءٍ ما."
الحيرةُ بدأتْ تتغلّبُ على الغضبِ في عينيّ الحاجّ إبراهيم. "وما علاقةُ هذا كلّهِ بليلى؟ وكيفَ عرفتَ أنتَ هذا؟"
"لقد اعترفَ لي عمّي منصور،" قال أحمد، "بأنّ الحاجّ عبد العزيز هو الأبُ الحقيقيّ لليلى. وأنّ عمّي منصور قد تبنّاها سرًّا، وأخفاها عن عائلتنا، وعن عائلتنا. إنّها… إنّها ضحيةُ مؤامرةٍ قديمة."
بدأَ أحمدُ يشرحُ التفاصيل، التفاصيلَ المروّعةَ التي كشفَها لهُ عمّي منصور. لقد كانَ الحاجّ عبد العزيز، في غابرِ الزمان، قد عقدَ اتفاقًا مشبوهًا معَ عمّي منصور، اتفاقًا هدفهُ التفرقةُ بينَ عائلتي الحاجّ إبراهيم والحاجّ عبد العزيز، وإضعافَ كلتيهما. وكانَ جزءٌ من هذهِ المؤامرةِ هو إخفاءُ ابنةِ الحاجّ عبد العزيز، وربما… تزويجها لشخصٍ من عائلةٍ معاديةٍ لعائلةِ الحاجّ إبراهيم، وذلكَ لخلقِ فتنةٍ جديدة.
"لقد استخدمَ عمّي منصور ليلى،" قال أحمدُ بمرارة، "لقد استغلّ ضعفها، وربما عاطفتها، ليُبعدني عنها. لقد قالَ لي… لقد قالَ إنّ زواجي من ليلى سيُثيرُ غضبَ عائلةِ الحاجّ عبد العزيز، وسيكشفُ سرّها، وسيتسببُ في كارثةٍ لنا."
"لكنّ هذا لا معنى لهُ،" قالتْ والدةُ أحمد، "إذا كانت ليلى ابنةَ الحاجّ عبد العزيز، فلماذا أقامَ عمّي منصور كلّ هذهِ السنواتِ في بيتها، ولماذا ظننا أنّها ابنتُهُ؟"
"عمّي منصور،" قال أحمدُ بإحباط، "كانَ لهُ أهدافهُ الخاصّة. ربما كانَ يحاولُ كسبَ ثقةِ الحاجّ عبد العزيز، أو ربما كانَ يلعبُ على كلّ الحبال. الحقيقةُ الوحيدةُ هي أنّ ليلى ليستْ كما نعرفها، وأنّ مستقبلنا معها باتَ معلّقًا بخيطٍ رفيع."
تنهّدَ الحاجّ إبراهيم، وعيناهُ تحدّقانِ في الأفقِ البعيد، وكأنّهُ يرى شبحَ الماضي يلوحُ في الأفق. "يا لهُ من مصيرٍ غادر! لقد ظننا أنّنا وجدنا السعادةَ في هذهِ الفتاةِ الطيّبة، وأنّ حبّها لابننا هو بدايةٌ لحياةٍ هانئة. والآنَ… ها نحنُ نواجهُ أعظمَ اختبار."
"وماذا نفعلُ الآن؟" سألَ السيدُ خالد، وقد استجمعَ كلّ هدوئه. "هل نصدّقُ كلامَ عمّي منصور؟ أم أنّها خدعةٌ أخرى؟"
"الشيءُ الوحيدُ المؤكّد،" قال أحمد، "هو أنّ عمّي منصور كشفَ عن خطّته. هو يريدُ أن يُنهيَ علاقتي بليلى. وهو يفعلُ ذلكَ بطرقٍ ملتويةٍ وخبيثة."
"ولكنّ ليلى… هل تعرفُ بهذا كلّهِ؟" سألتْ والدةُ أحمد، وعينُها تتجهُ نحو الباب، وكأنّها تنتظرُ ظهورَ ليلى في أيّ لحظة.
"لا أعتقدُ ذلك،" أجابَ أحمدُ بأسى، "لقد بدا عليها الارتباكُ والدهشةُ عندما سألتها عن بعضِ الأمور. إنّها حقًّا ضحيةٌ لكلّ هذا."
"وهل حاولتَ أن تواجهَ ليلى بهذهِ الحقيقة؟"
"لم أستطع،" قال أحمدُ بمرارة، "كيفَ أواجهُها؟ كيفَ أقولُ لها إنّ كلّ ما تعيشهُ هو كذبةٌ كبيرة؟ إنّها ستُصابُ بصدمةٍ لا تُحتمل."
وقفَ الحاجّ إبراهيم، ومدّ يديهِ أمامَ الجميع. "يا أبنائي، ويا زوجتي،" قال بصوتٍ يعلوهُ الثبات، "لقد مرتْ عائلتنا بأصعبِ الظروفِ من قبل، وانتصرنا. هذا التحدّي كبيرٌ، ولكنّ إيماننا باللهِ ورابطتنا الأسريةَ أقوى من أيّ مؤامرة."
"ولكنّ الخطوبةَ؟" سألَ السيدُ خالد. "هل نلغيها؟"
"لا،" قال الحاجّ إبراهيم بحزم. "لن نلغيَ شيئًا. يجبُ أن نفهمَ كلّ شيءٍ أولًا. يجبُ أن نتحقّقَ من كلّ كلمة. وعلينا أن نحميَ ليلى. إنّها فتاةٌ بريئةٌ في وسطِ عاصفةٍ لا ذنبَ لها فيها."
"ولكنّ التهديدَ ما زالَ قائمًا،" قال أحمدُ بصوتٍ متهدّج، "عمّي منصور لن يتوقف. وإذا كشفَ الحاجّ عبد العزيز هذا السرّ… فربما تكونُ العواقبُ وخيمة."
"سنواجهُ الأمرَ سويةً،" قال الحاجّ إبراهيم، "سنذهبُ إلى عمّي منصور. سنواجهه. وسنبحثُ عن الحقيقةِ كاملةً. ولكنّ الشيءَ الأهمّ الآن، هو أن نحافظَ على هدوئنا، وعلى وحدتنا. ولا تسمحوا لليأسِ أن يتسرّبَ إلى قلوبكم."
كانتْ كلماتُ الحاجّ إبراهيم كالبلسمِ على جراحهم، لكنّ العاصفةَ ما زالتْ تلوحُ في الأفق، والغموضُ يلفّ مستقبلَ أحمدَ وليلى. هل سينجحونَ في كشفِ كلّ الحقائق؟ وهل سيتمكّنُ حبّهم من اجتيازِ هذا الاختبارِ القاسي؟ الغموضُ كانَ يزدادُ، والقلبُ يخفقُ بقوةٍ ترقبًا لما سيأتي.